Define your generation here. Generation What
ملتقى “كايروكوميكس”: التنقيب في معنى “السياسة”
 
 

 “كل الكوميكس سياسية” هكذا كتب ألان دوجلاس وفدوى مالتي دوجلاس في دراستهما المهمة: Arab Comic Strips أو رسوم الكوميكس العربية  الصادرة عام 1994. غير أنه سواء كانت الكوميكس مصنوعة للأطفال أو البالغين، فإن أشكال التعبير السياسي فيها أبدًا لن تكون مباشرة.

فالنسخ المترجمة من سوبرمان تتعرض للإمبريالية الثقافية والحاجة الإنسانية لوجود الأبطال والأشرار. وإعلان مرسوم لبيرة ستيلا منشور في صحيفة عا 1957 يقدم لمحة من الماضي الغني بالتعدد الذي شهدته القاهرة. بينما تقدم رسوم حول ذكريات الحرب الأهلية في بيروت أو تحقيق من فلسطين رؤية سياسية صريحة. يعطينا فن الكوميكس (القصص المصورة) الذي يتراوح بين العبث والواقعية المفرطة، فرصة للتأمل في أسئلة كبرى حول الوضع السياسي وكيف نتحدث عن السياسة إجمالاً.

المهرجان المزدحم بالكثير من الفعاليات الذي عقد تحت مسمى “كايروكوميكس”، من 30 سبتمبر حتى 3 أكتوبر الماضي في الجامعة الأمريكية في مقرها الواقع بميدان التحرير، شهد لقاء الفنانين المشاركين ومعهم محبو فن الكوميكس للاحتفال بالسلاسل الجديدة التي أغرقت المنطقة العربية. مهرجان بهذا الحيز من المشاركة الواسعة لم يكن ليحدث قبل خمس سنوات: فلم تكن هناك سوق من المهتمين، ولا مطبوعات كافية، ولا منتجات تتسم بالاحترافية. أكثر من 12 منصة في ساحة الجامعة الأمريكية كانت تشهد بوصول منتظر للكوميكس العربية، وبينهم كانت سلسلة “العُصْبَة” التي تصور مجموعة من الفراعنة الجدد كأبطال خارقين، وسلسلة تحمل رؤية غير مبتكرة حول المستقبل باسم “فوت علينا بكرة”، والقصة التي تستكشف العوالم الأدبية “كفافي”، ومجموعات معروضة من الكاريكاتيرات والشرائط المصورة. وبينما كنت أقوم بمهامي كعضو في لجنة التحكيم التي قدمت ست جوائز خلال الملتقى، عُرض عليّ رف كامل من الكوميكس التي تبدأ من مشاريع الهواة وصولاً لمطبوعات شديدة الاحترافية.  

كان هذا المهرجان خطوة مهمة على طريق دخول الكوميكس المحلية لمرحلة جديدة، وليس من قبيل المصادفة أن حركة الكوميكس للكبار باللغة العربية تنقلت بين مراحل متعددة خلال العقد الماضي، وبشكل ترافق مع التغير السياسي. في 2007 أطلق فنان لبناني مجلته البديلة لفن الكوميكس باسم “السمندل”، وقتها نشر الفنان مجدي الشافعي المشارك في تأسيس ملتقى القاهرة للقصص المصورة “كايروكوميكس” روايته المصورة التي تدور في عالم الجريمة “مترو“. ومنذ انتفاضة 2011، أنتجت باقي دول المنطقة مطبوعات منافسة تستحق الالتفات، أهمها توك توك المصرية، وسكفكف المغربية، ومطبوعة مخبر 619 التونسية. تتحدى تلك المطبوعات المنظومة التحريرية العادية بترتيبها الهرمي المعتاد. كل من هذه الدوريات أنشأتها مجموعة من الفنانين متنوعي الأساليب والرؤى. الحقيقة أن ظهور العديد من القصص والمجلات المصورة في مصر والشرق الأوسط يعني أننا بحاجة إلى طرق جديدة لقراءة الكوميكس، وعدم الاكتفاء بمجرد التنقيب عن المضامين السياسية في القصص الخفيفة والرصينة على السواء.   

من بين طرق قراءة الكوميكس هذه هناك مدخل تاريخي، ينظر إلى ما كان فنانو اليوم يقرأونه صغاراً، وكيف تطور الفن من هذه النقطة. جيل اليوم من فناني الكوميكس كبر على مشاهدة مسلسلات التحريك الناطقة بالعربية، والآن رسوم المانجا (طريقة للرسم أصلها ياباني) تنتشر في الجزائر ومصر. ورغم ذلك لاتوجد كتابات حول التاريخ الطويل لفن الكوميكس.

خلال كلمته الافتاحية أمام الملتقى، عرض الفنان اللبناني جورج خوري “جاد”، صورًا من أرشيفه المتخم الذي تجري رقمنته (تحويله لصور رقمية على الكمبيوتر) على يد مبادرة الكوميكس العربي التي أسسها كل من معتز ورندا صوّاف بالجامعة الأمريكية ببيروت. جاد لاحظ أن انفجار القصص المصورة العربية للأطفال في الخمسينات توازي مع حركة الضباط الأحرار بمصر، والصراع ضد الاستعمار. هذه القصص المصورة: سندباد، وسمير، وبعدها بفترة قصيرة ميكي ماوس (مجلة ميكي)، علَّمَت أطفال مصر ما يجري في الحياة السياسية، وخلقت لغة بصرية جديدة. جاد سخر من الصدفة التي جمعت بين قومية ناصر العربية وانتشار الكوميكس على المستوى العربي. ولكن ربما يرمي جاد إلى شئ أكبر مما تبديه سخريته: تمامًا كما في السياسة المتضمنة في الكوميكس، فهي ليست مباشرة، وكذلك العلاقة بين الأحداث الحالية والمطبوعات المعاصرة.

وهناك مدخل آخر لفهم فن الكوميكس العربي، يوظِّف أدوات النقد الأدبي والسرد لاستكشاف خطوط الحكي في القصص المصورة. ففي عرضها أمام ملتقى الكوميكس طرحت لينا مرهج إحدى مؤسسى مطبوعة السمندل، نقاشا مطولا للطرق التي استخدمتها في دراستها حول فن الكوميكس، والتي استخدمت فيها طرقاً كمية لتحليل المضامين والتتابعات التي قدمها فن الكوميكس اللبناني لرسم خريطة الرؤى المختلفة للحرب اللبنانية. رسومها البيانية وجداولها الإحصائية كانت تفصيلية ومبتكرة، ولكنها تركتني أتساءل: لماذا يرسم الفنانون الآن قصصاً حول الحرب؟ وما هو اختلافها عن تلك القصص التي رسمها جاد وأصدقاؤه في الثمانينات؟

وبينما يواصل فنانو الكوميكس ممارساتهم التجريبية، فإن القراء أيضًا بحاجة للابتكار. وأرى أننا كصحفيين وباحثين علينا أن نأخذ في اعتبارنا العديد من التقنيات التي تبدأ من التقنية الأهم: الحديث إلى الفنانين أنفسهم. فرغم أن نظرية ما بعد الحداثة أقنعتنا أن المؤلف قد مات، فإن علينا ألا نرتكب خطأ تجاهل اليد التي ترسم. ومن هنا، فإن وصفتي لفهم الكوميكس هي خلطة من قراءة النص الفني (المرسوم) جمالياً، وقراءة النص المكتوب، والنظر للمرجعية التاريخية وقراءة المؤثرات التي تدخلت في صنع الفنان للعمل، وكذلك عمليات الإنتاج. وهذه القائمة هي بعض من العناصر التي علينا أن ناخذها في الاعتبار عند قراءة وتحليل الكوميكس. نحن بحاجة إلى مدخل مهجن من عدة مداخل أخرى مختلفة كي ندرس هذا الفن، بحيث نعتمد على كل واحدة من هذه الأدوات حسبما تستدعي خصوصية القصة المصورة موضع البحث.

عندما بدأت في إجراء أبحاث حول الكارتون السياسي في 2012، كان تركيزي متجها نحو الرقابة. وبعد أعوام ثلاثة أدركت أن هذا المنظور الضيق قد حدَّ من نطاق البحث. فرغم أن التتبع البياني لعملية دفع الخطوط الحمراء كان ذي له طابع كاشف ومفيد، فإن التركيز على التعامل الرقابي والتدخل في محتوى المطبوعات أصبح موضوعا مستهلكا في تناول الصحافة الغربية التي تتناول الشرق الأوسط. هو فخ من السهل الوقوع فيه، خاصة أن معظم دول المنطقة تختار تطبيق قوانين عفى عليها الزمن تجرم ازدراء الأديان، وإهانة مؤسسات الدولة، وغيرها من المحرمات. (بالطبع، هناك أشكال مختلفة للرقابة تعاني منها أمريكا الشمالية وأوروبا). وبينما أتصفح كتب الرسم وأزور قاعات العرض في القاهرة، وجدت نفسي أتساءل: كيف يمكننا أن ندرس موضوع سياسة الكوميكس دون أن التركيز المفرط فقط على قيمتها الفاعلة كنصوص سياسية؟ كيف يمكننا أن نتحدث عن الرقابة دون أن نحصر أنفسنا في الحديث عن مفهوم الرقابة وحده؟

بالنسبة للعديد من فناني الكوميكس العرب، فإن الاعتبارات القانونية ليست ذات أولوية في أذهانهم بينما يخطون قصصهم فوق اللوحات؛ فكما في كل مكان آخر، فإن مفتاح النجاح هو قوة السرد وتفرد الأسلوب. نعم، لاتزال الخطوط الحمراء علامات مهمة في تحليل الطيف الواسع من أعمال فناني الكارتون. السلطات المصرية صادرت رواية مترو عام 2008. وفي الصيف الماضي غرّمت الحكومة اللبنانية مطبوعة السمندل مبلغ 20 ألف دولار بعد اتهامها بنشر رسوم تحرض على الفتنة الطائفية وتحمل ازدراءاً للأديان. (كلتا المطبوعتان رواية مترو وعدد السمندل السابع محل الاتهام كانتا تباعان في سوق كايروكوميكس). ولكن كلاً من مترو والسمندل لاتزالان مؤثرتان لمحتواهما الفني، والثراء السردي، والطباعة الممتازة. الرقابة ربما ساعدتهما على كسب الشهرة بشكل غير مرحب به، ولكن المحتوى الفني يتحدث عن نفسه.

بعد أيام امتلأت بالمحاضرات والعروض والورش في كايروكوميكس، تهادى الحشد المشارك إلى شرفة النادي اليوناني ليهضم كل هذه المناقشات. أطلق المعهد الفرنسي في مصر على تلك السلسلة من الفعاليات الليلية اسم “فوق السطح”، وشكل المشاركون بيتًا صغيرًا: المطبخ (لمناقشة النشر والتسويق)، وغرفة النوم (لمناقشة التابوهات والموضوعات المحرمة)، والصالون (لمناقشة كل القضايا المتعلقة بالفن).

كان لي شرف إدارة جلسة ليلة الصالون، بالمشاركة مع لينا غايبة، فنانة الكوميكس والباحثة في الجامعة الأمريكية في بيروت ومديرة مبادرة صوّاف للكوميكس العربية. “هل لابد أن تكون الكوميكس العربية مكتوبة بالعربية أم أنها يمكنها أن تكون بلغات أجنبية؟” ألقت غايبة بهذا السؤال في كلمتها الافتتاحية. هذا السؤال الذي يبدو بسيطًا أطلق شرارة أسئلة عديدة أخرى، فهناك فنانون عرب في الولايات المتحدة ينتجون روايات كوميكس بالإنجليزية، وهناك فنانون أوروبيون مثل “جولو” رسموا حكايات القاهرة. (وماذا عن الفنانين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة الذين ينتجون قصصًا مصورة محتواها اللفظي مكتوب بالعبرية؟ هذا السؤال اللماح طرحه أحد الحاضرين).    

قادني هذا للسؤال: ما هي الكوميكس ومن هو العربي؟ هل نستخدم هنا تعبيراً استعمارياً لنصف حركة فنية مزدهرة في هذه المنطقة المتنوعة؟ كل من فناني الكارتون المصريين، والأردنيين، واللبنانيين، والمغاربة، والتونسيين الموجودون الآن في هذه الجلسة لديهم أساليبهم الفنية المتفردة ومدخلهم الفردي في السرد. كل منهم يحكي القصة المصورة بلهجته المحلية. وكل منهم تحدث هنا في النادي اليوناني بلهجته الخاصة (ما صعب من مهمة إدارة هذه الجلسة عليّ كأمريكي!). ولكن في الوقت ذاته فإن الأعمال التي عرضها هؤلاء الفنانون في هذا الملتقى قدمت لنا منطلقًا لطرح هذه الأسئلة المثيرة حول الهوية، والتي نادرًا ما تطرح للنقاش حتى في أكثر الساحات أكاديمية. 

مجدي الشافعي قدم الكلمة الأخيرة، والتي دارت حول الهوية واللغة المشتركة، بينما مالت غايبة لتقول لي: “هذا هو السبب الذي جئنا من أجله إلى كايروكوميكس: لنتحدث إلى بعضنا البعض، ونتعلم من بعضنا البعض، ثم ندعو بعضنا البعض”. سأراها الشهر المقبل في بيروت خلال المشاركة في الملتقى الأول لمبادرة الكوميكس العربية، حيث سنكمل مناقشتنا. 

اعلان
 
 
جوناثان جاير