يوميات الكارو
 
 

أحب أقدم لكم عم صلاح، أحد مواطني القاهرة الكبرى الذين كانوا يستخدمون وسيلة للتنقل لا تستهلك البنزين أو أي من مشتقات البترول.. وهي عربات الكارو.

Carts

عم صلاح كان من ضمن مجموعة كبيرة من مستخدمي وسائل التنقل غير المميكنة، وهم يمثلون نحو ثلث سكان أكبر مدينة بمصر، بل بالإقليم، وأكثر من نصف سكان المدن الثانوية مثل شبين الكوم . صحيح أننا انتهينا من أول عقد من القرن الواحد والعشرين، ولكن لا يزال قطاع واسع من المصريين يلجأ للمشي والدراجات والعربات الكارو كوسيلة مواصلاتهم الأولى.

رغم هذا تصر الدولة على محاربة مستخدمي وسائل التنقل غير المميكنة، خاصة عربات الكارو. فتحاول غالبية المحافظين منعها، عن طريق فرض غرامات مجحفة على مستخدميها لا يتم فرض مثلها على أية وسيلة تنقل أخرى، حيث توازي الغرامات قيمة عربة الكارو نفسها، وأحيانًا يتم تحطيمها، ويتم مصادرة الحيوان وذبحه كطعام لحديقة الحيوانات. فهل يعامل أصحاب السيارات الخاصة بأسلوب مماثل حين يخالفون قواعد المرور بمصادرة سياراتهم أو تحطيمها؟

يرى المسئولون أن عربات الكارو تعوق السيولة المرورية وأنها تمثل مظهرًا غير حضاري، فيما استقل رئيس الجمهورية الدراجة وروج لها عدد من المسئولين. فهل سرعة الدراجات تساوي سرعة السيارات، أو مظهرها أكثر حضارية عنها؟ هل عربات الكارو تمثل خطرًا على ركابها ومستخدمي الطرق بنسبة أعلى من المركبات الأخرى؟ لم نسمع بعد عن عربة كارو أسفرت عن مصرع سبعة أطفال، وإنما المركبات المرخص لها بالسير وغياب الرقابة عليها هي أسباب الحوادث، وليس بطء المركبة أو نوعها.

فحقيقة الأمر أنه لا يوجد سبب مقنع لمنع عربات الكارو سوى أنها وسيلة تنقل الغلابة. فقوانين المرور بدول نراها متحضرة مثل بريطانيا وأمريكا تسمح لعربات الكارو بالسير في شوارعها. عربات الكارو تمثل حق لفقراء المصريين في التنقل والعمل، وتفتح الآلاف من البيوت وتمثل قاعدة اقتصادية هائلة لأصحابها وصُناعها ومستخدميها، كما أظهرت لنا احتجاجات سائقي الكارو بأسيوط على قرار المحافظ حظر سيره. عربات الكارو تدعم اقتصاد مصر بطريقة مباشرة، ففي زمن وصل دعم الطاقة فيه إلى ربع مصروفات الدولة، توفر هذه العربات مليارات الجنيهات سنويًا من استهلاك ودعم الطاقة التي نحن في أمس الحاجة إليها، وهذا دون أدنى تدخل من الحكومة أو المبادرات وحملات التوعية.

حان الوقت للاستماع إلى أشخاص مثل عم صلاح، والتعلم من تجربتهم التي يمكن أن تفيد الصالح العام، فلا بد من اعتراف الدولة بحجم اقتصاد هذه الشريحة وما يمثله من مصدر للدخل. كما يجب إعادة استيعاب عربات الكارو فى شوارع المدن وتخصيص خطوط سير لها بالمناطق التي تعمل بها، كما أنه يمكن التوسع في استخدامها في المحميات الطبيعية والقرى السياحية والمناطق الحساسة لتلوث الهواء.

  • عم صلاح، انت كنت بتستخدم العربة الكارو في إيه؟

كانت وظيفتها نقل أي حاجة بالأجرة، وغالبًا كنت بانقل أنابيب البوتاجاز أو “ردش” ومخلفات البناء؛ لأن عربات الكارو تتميز بسهولة المناورة داخل مقالب القمامة، كمان عشان بتكلف أقل من سيارات النقل للزبون.

  • واضح إن موضوع الكارو كبير.. إيه هي أنواع الكارو المختلفة؟

في الكارو العادي، والكارو الطويل بتاع حديد التسليح وإسمه السواحلي، وفى الكارِتّة والحنطور للركوب. وفي ناس بتزيّن الكارو بتاعها ولكن ده مش كارو شغل، إلا في الإسكندرية كل الكارو بيتزيّن سواء شغل أو غيره.

  • في تقديرك، عدد أصحاب عربات الكارو في القاهرة قد إيه؟

فى بيوت كتير فيها كارو فى مصر القديمة وفى “القرافة”، ولكنها قَلَّت. أما فى الجيزة فهى أكتر بكتير.

  • إيه سبب قِلة الكارو فى محافظة القاهرة عن محافظة الجيزة؟

محافظ القاهرة (الأسبق) حاول كتير يمنع الكارو. فإحنا مثلًا قبل الثورة كنا ممنوعين من المرور قدام منطقة الكنائس وجامع عمرو لحد الساعة اتنين الظهر علشان خاطر السياح، وطبعا الكورنيش ده كان ممنوع. ومحافظ القاهرة كمان حاول يمنع الكارو فى محافظة الجيزة على أساس إن الكارو بييجى من هناك كمان، ولكن محافظ الجيزة قال له: لما تبقى تشيل الكارو من على العشرين جنيه، هابقى أمنعه. (منذ إجراء الحوار قام مسئولو القاهرة والجيزة وأسيوط وقنا بمحاولات لمنع الكارو بالمدن).

  • يعنى الكارو عنده حرية أكثر فى الجيزة؟

أيوه، يعنى مثلا بتشوف العربيات واقفة على الكورنيش هناك بتبيع فاكهة، واقفين على جنب محترمين، ولما بيخلص اليوم كل واحد بينظف مكانه.

Fruit sellers carts

 

  • وليه انت استبدلت الكارو بالعربية النقل؟

الموانع الموجودة على الكارو هى اللى خلتنى أغير. وكمان مرة كنت سايق على كوبرى العاشر وواحد ورايا بيزمرلى، فشوحتله بإيدى يعدى من جنبى. طلع كان ظابط شرطة، فلاقيته طلع منى وكسر علىّ ونزلنى من الكارو وقعد يضربنى لحد ما باقتش أسمع بودنى الشمال. فى ناس تانية كانوا بيكسرولها الكارو ويودوا الحصان أو الحمار لجنينة الحيوانات.

  • وهل التحول من الكارو للعربية النقل كان مكلف؟

الكارو نفسها تمنها حوالى أربعة ألاف جنيه، وحصان جامد تمنه حوالى ألف وخمسمئة جنيه، فى حين إن النقل المستعمل تمنه حوالى أربعين ألف جنيه.

  • مع الصعوبات اللي بيواجهها صاحب الكارو مع الشرطة، هل فرق السعر الكبير بين الكارو والنقل هو العائق الأساسي للتحول؟

لأ، في ناس كثير مقتنعة إن الحصان فى البيت فال حلو، وبتحب يبقى عندها الكارو حتى لو معاها فلوس النقل.

  • أنا سمعت قبل كده إن كان بيبقى فيه سباقات للكارو ولكن الشرطة كانت بتمنعها. إيه أهمية السباقات دي، هل في جوائز أو رهان مثلا؟

لا مافيش رهان. السباقات بتظهر قوة الحصان وبتعملّه صيت علشان لما ييجي يتباع يجيب ثمن أعلى. ومن بعد الثورة السباقات رجعت تانى لشارع الفسطاط، وبتبقى كل يوم حد بالليل.

اعلان