Define your generation here. Generation What
“اللي عنده حاجة يلحق ينزلها” ليست حلًا.. الخضروات نموذجًا
 
 

قال الرئيس عبدالفتاح السيسي، في خطاب له بأحد الندوات التثقيفية التي نظمتها القوات المسلحة، أمس الأول الأحد، إن الدولة ستنتهي من تدخلها لخفض أسعار السلع اﻷساسية بشكل مناسب بحلول نهاية شهر نوفمبر. وأشار السيسي إلى أن الدولة والجيش هما من سيقومان بتوفير طلبات الناس بأسعار مناسبة مع نهاية الشهر.

تأتي تصريحات السيسي بعد أسابيع قليلة من ارتفاع كبير شهدته أسعار المواد الغذائية في اﻷسواق المصرية. وطبقًا لما أعلنه البنك المركزي المصري أوائل الشهر الماضي، فإن “التضخم السنوي لأسعار المستهلكين بالمدن زاد إلى 9.2% في سبتمبر بعد أن كان 7.9% في أغسطس، وذلك للمرة الأولى في أربعة أشهر، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء”. وقالت المجموعة المالية هيرميس في ورقة بحثية لها إن أسعار الغذاء سجلت في سبتمبر الماضي “أكبر زيادة شهرية في خمسة أعوام مدفوعة بزيادة أسعار الخضروات”.

وأرجع السيسي، في خطابه، السبب في زيادة اﻷسعار إلى أزمة الدولار اﻷخيرة، لكنه ألمح كذلك إلى أن زيادة اﻷسعار جاءت بسبب بعض الممارسات اﻹحتكارية التي يمارسها بعض التجار موجهًا إليهم قوله: “اللي عنده حاجة [بضائع] يلحق ينزلها [قبل أن تبدأ الدولة والجيش في تدخلهما].. مش هنسمح باﻷسعار [المرتفعة] تاني”.

لكن عملية تسعير السلع الغذائية تخضع لتأثيرات مختلفة لمجموعة من العوامل والقواعد المتعددة شبه الثابتة التي تحكمها، والتي لا تكفي لتبرير الزيادة في اﻷسعار بجشع التجار. وتؤثر هذه العوامل في السلع الغذائية قبل بدء عملية زراعتها مرورًا بمرحلة أسواق الجملة وحتى وصولها إلى أسواق المستهلكين المباشرين.

ومن بين السلع الأساسية، تظل الخضروات أحد أهم السلع التي لا يستطيع المواطنين على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية الاستغناء عنها، وهو ما دفعنا لإلقاء نظرة أكثر تفحصًا على سوق الخضروات، كنموذج للتعرف على بعض آليات تسعير السلع الغذائية وتتبع القواعد التي تحكم ارتفاع اﻷسعار، ولهذا بدأنا جولتنا من قطاع الخضروات بسوق العبور، أكبر أسواق الجملة بمصر.

يقول هشام الصاوي- محاسب في أحد وكالات الخضار بسوق العبور- إن النظام اﻷساسي الذي يعتمد عليه معظم الفلاحين والتجار هو أن يتكفل التاجر بدفع مبلغ من المال لتغطية التكاليف المادية التي يحتاج إليها الفلاح كي يبدأ في عملية الزراعة. في المقابل يمتلك التاجر حقًا حصريًا بأن تمر كل عمليات بيع المحصول الذي ستنتجه هذه اﻷرض عبره ومن خلال متاجره.

يضيف الصاوي أنه في مقابل ما يأخذه الفلاح في بداية كل موسم على سبيل القرض كي يتمكن من الزراعة، يحصل التاجر بنهاية الموسم على أمواله باﻹضافة إلى نسبة متفق عليها بشكل مسبق (7% في معظم الحالات) من قيمة كل عملية بيع يقوم الفلاح بإبرامها لمحصوله كفائدة، وقيمة مالية ثابتة تسمى “بياعة” وتبلغ 4 جنيهات لكل “شوال” يتم بيعه من هذه السلعة، مقابل استخدام الفلاح لمنافذ بيع التجار في سوق الجملة في تصريف بضائعه.

ويمثل الفرق بين قيمة ما يبيع به الفلاح بضائعه لتجار التجزئة، وقيمة ما يدفعه لتجار الجملة هامش الربح- أو الخسارة- في كل موسم.

وتختلف أسعار المحاصيل الغذائية في سوق الجملة تبعًا لمدى العرض والطلب عليها، باﻹضافة إلى مدى جودتها.

بعد شراء البضائع، يقوم تجار التجزئة بتحميل بضائعهم على عربات لنقلها، وتدفع العربات رسومًا ثابتة ﻹدارة السوق نفسه، ثم تنطلق في رحلتها إلى أسواق المستهلكين. وبدوره، يقوم تاجر التجزئة بإضافة هذه التكاليف إلى سعر شراء السلع، كما يضيف نسبته من الربح ليحصل على سعر البيع النهائي للجمهور.

يقدر الصاوي أن أقصى تكلفة قد يتحملها تاجر التجزئة لتحميل البضائع ونقلها لن تزيد على جنيه واحد لكل كيلوجرام من السلعة، وأن متوسط نسبة ربح بائع التجزئة في السلع اﻷساسية سيبلغ حوالي 50% من تكلفته، بعد خصم تكاليف البضاعة التي تتلف أثناء عملية النقل والتخزين.

ويظهر تتبع ومقارنة أسعار الخضروات في سوق العبور، وسعر بيعها للجمهور في اﻷسواق ومنافذ البيع المختلفة دقة حساباته.

بالنسبة للأنواع اﻷساسية، وبعد إضافة تكلفة ثابتة للتحميل والنقل والرسوم بقيمة 1 جنيه لكل كيلو، فإن متوسط الربح الذي يحققه التاجر يختلف حسب السوق أو منفذ البيع. على سبيل المثال، بينما كان سعر كيلو الطماطم يتراوح بين 2 جنيه/كيلو للأقل جودة إلى 3 جنيه/كيلو للأكثر جودة في سوق العبور، كان سعرها في سوق السيدة زينب 4 جنيهات للطماطم متوسطة الجودة، وهو ما يعني نسبة ربح تبلغ حوالي 35% في المتوسط، وفي منافذ بيع المنيرة وجاردن سيتي بلغ سعرها 5 – 6 جنيهات للطماطم ذات الجودة المرتفعة، وهو ما يعني متوسط ربح يبلغ 50%.

وتنطبق النسب نفسها على باقي الخضروات اﻷساسية، فبلغ متوسط نسبة الربح في البصل 40%، والخيار 70%، والفلفل 100%، والباذنجان 30%، والبطاطس 80%، والكوسة 40%.

وتختلف أسعار الخضروات وجودتها بين منافذ البيع المختلفة تبعًا للمستوى الاستهلاكي للحي، فتحصل اﻷحياء الشعبية على اﻷسعار  والجودة اﻷقل، كما في سوق السيدة زينب، بينما تحصل اﻷحياء اﻷكثر ثراءً على جودة أعلى بسعر أكبر.

يشير الصاوي إلى أنه حين تكون أسعار السلع منخفضة، يصبح تأثير نسب الربح التي يحققها التجار هامشيًا وضعيفًا على اﻷسعار، “لما [البائع] يشتري سلعة بـ 3 جنيه، ده معناه إن نسب الربح اللي يقدر يحققها هتخلي سعرها يتراوح من 4 إلى 5، وتبقى الزيادة معقولة”، يقول الصاوي مضيفًا: “لكن لو هو بيشتريها بـ 8 جنيه ده معناه إن نفس نسب الربح هتخلي سعرها في السوق حوالي 12 جنيه، وده هيعمل انطباع إن الزيادة أكبر من المعتاد، على عكس الحقيقة. نسبة الربح في كل الحالات تقريبًا ثابتة”.

تستبعد آليات التسعير شبه الثابتة احتمال أن تكون تدخلات التجار، خصوصًا فيما يخص السلع الغذائية اﻷساسية، هي السبب وراء ارتفاع اﻷسعار. يوضح الصاوي: “مش معنى كده إن مفيش تجار بيحاولوا يبقى ليهم تأثير احتكاري، لكن ده محدود جدًا وفي أوقات معينة، ومش كفاية لتفسير الزيادات الدورية والكبيرة في اﻷسعار”.

ولكن قبل وصول هذه المزروعات إلى الأسواق، فإن أسعارها معرضة للزيادة في أولى مراحلها، مرحلة الزراعة. وتحدث هذه الزيادة بشكل دوري لسببين أساسيين. السبب اﻷول هو ما يعرف باسم “العروية”، وهي الفواصل بين مواسم الزراعة المختلفة، وقي هذه الفترة  تنتهي محاصيل موسم زراعي من اﻷسواق قبل وصول محاصيل الموسم الجديد.

أما السبب الثاني فهو التغيرات المناخية، كارتفاع درجة الحرارة، مع غياب البنية التحتية اللازمة لحفظ المزروعات من التلف، وعدم كفاءة شبكة الطرق والنقل. ويرى الصاوي أن الارتفاع الذي شهدته أسعار الخضروات مؤخرًا يرجع إلى هذه اﻷسباب.

لكن محمود المنسي- المنسق العام للجمعية المصرية للحقوق الجماعية- يشير إلى أن زيادة اﻷسعار بسبب تأثيرات عملية الزراعة نفسها أكثر من كونها بسبب التغيرات المناخية والفواصل الموسمية.

يوضح المنسي أن ارتفاع سعر الدولار تسبب في ارتفاع دوري في أسعار التقاوي والمبيدات اللازمة التي يتم استيرادها من الشركات العالمية، باﻹضافة إلى جزء من اﻷسمدة التي يتم استيرادها.

ويضيف أنه منذ بدأت الحكومة المصرية سياسة تحرير الزراعة في بداية التسعينيات، تراجع دور الدولة في دعم وتنظيم عملية الزراعة. “قبلها، كانت الجمعيات التعاونية الزراعية التابعة للدولة تقوم بتوفير التقاوي وتسويق المحاصيل وتنظيم الدورة الزراعية بتحديد المساحات المزروعة وأنواع المحاصيل”، يقول المنسي.

بالنسبة إليه، فإن قانون المالك والمستأجر، الذي صدر في منتصف التسعينيات، قام بتحرير طريقة تحديد اﻹيجارات التي يدفعها الفلاحون عن اﻷرض، “القانون ده غير شكل الزراعة في مصر”. مع انسحاب الدولة وزيادة اﻷسعار وارتفاع أسعار إيجارات اﻷراضي الزراعية وانخفاض مساحتها، هجر الكثير منهم مهنة الزراعة واضطر آخرون إلى تغيير المحاصيل وزيادة استهلاك اﻷراضي وقلة رعايتها والتوفير في استخدام المبيدات والتقاوي كي يقوى على الاستمرار.

يضيف المنسي أن ازدياد الحلقات الوسيطة بين الفلاح والمستهلك يتسبب في زيادة كبيرة في اﻷسعار، وهنا فهو يرى أن مساهمة الدولة في تنظيم ارتفاع اﻷسعار والتحكم فيه تبدأ من حماية الفلاح وتأمين بيع بضائعه في اﻷسواق بالحد اﻷدنى من الحلقات الوسيطة. “احنا في سوق حر، الحكومة ما تقدرش تفرض تسعيرة إجبارية على السلع.. لكن لازم تنظم السوق وتتحكم في المحاصيل”، يقول المنسي مضيفًا: “طول ما الدولة ماعندهاش أدوات حماية السوق، مفيش طريقة تقدر تتحكم بيها في اﻷسعار”.

اعلان
 
 
محمد حمامة