Define your generation here. Generation What

عبث الكتابة

ماذا أكتب؟.. هل أصبح فعل الكتابة ذو جدوى أصلاً ليثير المرء للإقبال عليه؟.. تفقد اللغة معناها في أزمنة البطش، وأوقات تحوّل المعاني عن مسارها الصحيح، أن نستخدم التعبيرات في غير معناها، يوصف بالشرف من لا يستحقه، ويكتسب المهابة من يستحق الاحتقار، فقدت اللغة أبسط قواعدها: التعبير الدقيق والقدرة على التغيير من خلال نظم الكلمات، اقرأ في سير الأولين، عندما لم تكن رسالة النبي سوى كلمة، الكتب المقدّسة نسج كلمات.. حين يُقتل الشاعر ببيت، حيث يقرر الأديب أن لا جدوى من أدبه فيرحل ولا يفكّر في شيء.

هناك قفلة الكاتب (writer-block)، الحالة التي تتقاطر فيها كل المشاعر السلبية غير المشجّعة على الكتابة، أنا لا أعيش هذا الشعور، تغلبني اللامبالاة، تكرار الأحداث ومحاولتك لأن تقرأها بشكل مختلف، أو تدفع القارىء لنقطة مضيئة قد تتوه عنه في تيار الأخبار المتلاحقة، أفكّر فقط في احتمالية ألا يُقرأ ما أنظم أو يُقرأ ولا يشكّل ذلك فارقاً لبشر كان. حسنا قارئي العزيز، كل ما في الأمر أن لديّ رغبة عارمة في الشفاء بإخراج كل ما يخامرني بتحويله إلى كلمات تتراص أمامي لعل ذهني المثقّل يتخلّص مما يشكّل عبئاً على التفكير والنوم أيضاً.

هل أكتب عن أزمة الشرطي البدين؟ هؤلاء الذين غضبوا من السخرية، رغم أنهم ينعتون غير المحجّبة بالسافرة، ويصفون أسمر البشرة بالخادم، يتحولون إلى رادار يرصدون به تصرفات الخلق. لماذا يغضب العاملون في العمل العام كالأطفال من السخرية منهم، هل يتابعون هؤلاء الرؤساء مقذوفين بالبيض والطماطم، أتذكّر مدرّباً أجنبيّاً درّب فريقاً مصرياً، حين ألقى عليه أحدهم طعاماً فأخرج لسانه يتذوقّه. يصل المجتمع إلى سقف الإحباط عندما يفتقد القدرة على امتلاك حس الدعابة.

هناك من لو رأى سميناً في الشارع لاغتاله معنوياً، لكن لو ارتدى هذا الرجل بزة عسكري فإن الاقتراب منه والتصوير محظور كالمنشأة، المشهد السيريالي الذي لُقط للشرطي يدفع للضحك، من نوعية ضحك البكا، أو الرقص من الألم، كما ضحكت على مفتول العضلات الذي يحمل البشر من الوحل في الأسكندرية، هذا المشهد الذي قد تراه في دولة مجهولة وتضغط “شير” عبر فيس بوك لتشارك أصدقائك الضحكات والتساؤل عما إن كان حقيقياً أو لا، أصبح يحدث في بلدة يتغنى الشعب بسحرها وتاريخها الحضاري. لو لم نضحك على ما نكابد لمتنا كمداً، هؤلاء الذين يصفون الساخرين بقلة الأدب والذوق والتربية، هم الذين يصفون متظاهر بالبلطجة لمجرّد أن ما يرتديه لا يروق له، أو يطلق عليه ألقاب مشينة لأنّ هيئته ليست كهيئة أبناء الذوات. توجيه الشكر لضابط قام بأداء مهام عمله، كأن تشكر طالباً على المذاكرة أو طبيباً على الكشف على المرضى.. هل من الطبيعي أن يُترك النقاش حول طفل قُتل صعقاً لأن السماء أرادت أن تبتسم بالماء، وينصب الجدل والنقاش حول ضابط غضبت أسرته من بعض تعليقات!

يعاني المجتمع من تنصيب الكل حكماً على الآخر، ليقول كل ما يشاء له، فقد اتفّقنا أن الكلمة فقدت رونقها.

عبث؟

لنقل إنّه عبث، حياتنا الآن لا يمكن أن توصف بأدق من هذه الكلمة التي تعود باللغة لمسارها الطبيعي، حين تقرأ في الجرائد أن فتى قرر أن يغتصب ابنة أخيه الرضيعة حتى الموت، هذا الشاب العاطل يمثّل المجتمع بكل عوراته. لا يعبّر عن حالة فردية مثلما يحب المحللون والخبراء الاستراتيجيون أن يجملوا الحقائق، جرّب أن تطالع أخبار الحوادث، وجرّب أن تتابع سير هذه الحوادث، هل تتوقّع مثلاً أن يتم إعدام هذا المغتصب؟، كان قاتل زينة لقى جزاء خسته، وكان طبيب الختان قاتل الطفلة تم حبسه.. إلخ. في الأساس لم يتم التبليغ عنه وحاولت الأسرة مداراة ما حدث، في تكرار لفكرة أن الأم تخشى تطليق ابنتها لكيلا يتوقف حال بقيّة الإخوات، موت البنت أقل وطأة لدى أسرة ترسف في أغلال هاجس كبير اسمه الفضيحة. أي عبث نعيشه؟.. الفضيحة الحقيقية ليست السخرية من ضابط يؤدي عملاً عاماً، لكن ألا تهب دولة أو إعلام يدعي أنه ينشر الحقيقة، لمحاولة فهم حالة الهدم الذي أصاب الشخصية المصرية، وقلب المعاني رأساً على عقب، مرة أخرى نعود إلى فقدان قيمة اللغة؟.. نتوقّف؟.. لا.

لا يمكن التطرّق بالعبث إلى مشهد الانتخابات وخواء تعبّر عنّه بدقّة سيدة عجوزة التقطتها الكاميرات وهي تهتف تحيا مصر وتدعو بالحياة لحسني مبارك. سوف أذهب بكم إلى جواب ورقي أرسل لي من صديق مر على حبسه أكثر من 500 يوم. صديقي هذا فنان، يرسم بالكلمات الشعر، وبالخطوط والألوان الصور، لا أستوعب إدراكه للحبس وهو المنطلق الباحث عن الحرية في كل تصرّف يقبل عليه. أخجل من نفسي، حيث فكّر في الكتابة إليّ جواباً بخط يده، والحياة تتقاذفني وتدفع بي لنسيان كثير مما لا يمكن للذاكرة أن تدفعه بعيداً.

للمخطابات الورقية رائحة لا يعرفها من ألف “الواتس آب” ورفاقه، أستعيد حرص أبي الشديد على حفظ خطاباته مع حبيبته التي صارت زوجته إبان شغف البعاد الذي يدفع للروح إلى التوق للكتابة للاستشفاء من الحنين الممض. لابد أن صديقي الفنان قد شغله التفكير ليوم فيّ وفي زوجتي لما شملتنا به الحياة يوماً من مواقف نثق في عودتها. في ختام رسالته بعد عدة سطور تصيبك بالحيرة والأمل والقنوط والرغبة في البكاء يقول: “والله علطول بسأل عنكم وعن أخباركم، بس الجواب الوحيد لكل الأسئلة اللي بيسألها أي مسجون: كله تمام”

يردف سائلاً: “أخبار الدنيا ايه، وايه الجديد، يارب يكون كله تمام!”.

اعلان