Define your generation here. Generation What
العبور الصعب من مصر إلى أوروبا
 
 

الإسكندرية: خلال العام المنقضي، شهدت الشوارع الفرعية المؤدية إلى شارع جمال عبد الناصر، وهو الشارع الرئيسي في ضاحية المندرة شرق الإسكندرية، مئات اللاجئين والباحثين عن ملجأ وهم يُحشدون في ميكروباصات وعربات سوداء تذهب وتعود من مكان غير معلوم. كان المهربون يضعونهم على الأغلب في شقق تُستأجر لليلة واحدة قبل استعجالهم ليذهبوا تحت جنح الظلام إلى الريف حيث تنتظرهم قوارب قد تحملهم نحو حياة جديدة على الشاطئ الأوروبي، وقد تحملهم إلى الموت.

عشرات اللاجئين الذين أجرى معهم “مدى مصر” مقابلات، ذكروا شارع جمال عبد الناصر كأحد محطات رحلاتهم من حمص إلى ميونيخ، ومن الخرطوم إلى أوسلو، ومن أسمرة إلى ستوكهولم.

“ريم”، دمشقية الأصل. تعمل في منظمة شعبية سورية في هذه الضاحية السكندرية التي صارت ملاذًا للسوريين ولشبكات التهريب خلال السنوات التي تبعت الأزمة السورية.

سوريانا، المنظمة التي شاركت ريم في تأسيسها تقدم بشكل أساسي الطعام للنساء السوريات وللأطفال. في كل أسبوع، يمر الطلاب بها لكي يتلقوا دروساً خصوصية بسعر مخفض. ومرة في الأسبوع، تساهم النساء السوريات في تجمُّع “ست الشام” حيث تقمن بطبخ الطعام السوري، وتلتقين بالنساء المصريات المحليات، مما يعزز العلاقات المتبادلة  بين المُجتَمعين.

ما زالت الجدران مزينة منذ حفلة العيد التي حضرها الأطفال هنا. وما زالت كلمات “بيت سوريانا” تغطي أحد الجدران بأحرفها المقصوصة من الورق البراق.

تشرح ريم: “نحن نفهم حاجات الناس الذين يحيطون بنا، ونعرف كم عانوا حتى الآن”، موضحة أنه يوجد عدد كبير من السوريين الذين يعيشون حياة الشتات في هذه المنطقة للسنة الثالثة أو الرابعة، وهم يواجهون عوامل ضغط متزايدة هي التي تغذي تدفق الهجرة: في الحصول على التعليم، والصحة، والعمل، بالإضافة لكل المخاوف المتعلقة بالمستقبل.

زاد من الأزمة تناقص الدعم الدولي، بعد أن ابتلى العمل الإغاثي بأزمات التمويل، التي حدت من قدرة مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين في سورية، وجعلتها لا تموّل سوى 40 بالمائة من احتياجات اللاجئين السوريين هذه السنة، في حين لاتزال التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة. “مع ذلك ما زلنا نحاول”، تقول ريم رافعة كتفيها بعدم اكتراث، وهي تبتسم.

لم يعد بالإمكان اجتياز البحر المتوسط بشكل مباشر

من يلتقي بريم لن يخطر له أنها تخطط لترك مصر بالطريقة التي يتبعها كثير من السوريين منذ 2013؛ إذ يبدو عليها أنها مستقرة نسبياً، أو أنها على الأقل مشغولة بشكل غير معقول. لكنها تحدثنا ببراءة عن مخططها للخروج بينما تقوم بتحضير الشاي في المطبخ: “أنا أيضاً أخطط للرحيل” تقول وهي تبتسم. “نحن عالقون هنا- دون أن نرغب في ذلك. أنا أريد فقط أن أذهب إلى تركيا وألتقي بعائلتي ثم أذهب لأوروبا”.
في السنوات الأخيرة، كان على ريم أن تبدأ بالتطلع إلى البحر المتوسط الواقع على بعد خطوات منها، لتصل منه إلى أوروبا. لسنوات طويلة، ظل المهاجرون المصريون الهاربون من واقعهم الاقتصادي، وغالبيتهم من قرى الشمال والجنوب، يستخدمون هذا الطريق للذهاب باتجاه اليونان وإيطاليا، وعلى الأخص بعد تشديد آليات مراقبة الحدود في ليبيا، مما حول مسار عبورهم من الغرب باتجاه ليبيا نحو الشمال باتجاه الإسكندرية. مما يعني غالباً إبحاراً أطول وأكثر كلفة، ومخاطرة. بعد تأكيدها أنها تسعى للرحيل تقول ريم وهي تبتسم: “نحن عالقون هنا- دون أن نرغب في ذلك. أنا أريد فقط أن أذهب إلى تركيا وألتقي بعائلتي ثم أذهب لأوروبا”.

التقت ريم بمهربين لتدرس الخيارات التي أمامها. تقول: “بدأنا نتكلم مع المهربين منذ حوالي شهرين أو ثلاثة”، تواصل: “أرادوا أن يقنعونا بكل قواهم أن كل شئ آمن، تستطيع أن تترك المال مع شخص تثق به ولا تدفع المبلغ إلا بعدما تصل. لن يحصل لكم أي شئ حتى تصلوا إلى هناك”.

ومثل ريم، هناك سوريون آخرون يتزايد توجههم نحو تركيا واليونان، بحثًا عن طرقات أكثر أمنًا. وفي هذا الصيف، صار شرق المتوسط (تركيا واليونان) يتفوق على مصر وليبيا كأهم طريق يسلكه اللاجئون، وطالبو اللجوء والمهاجرون نحو أوروبا.

تشرح ريم: “من الأسهل الذهاب عبر تركيا لأن… الصعوبات ليست مثل هنا”. فعلى العكس من مصر التي فرضت تأشيرة دخول على المواطنين السوريين بعد بدء الاعتداءات المسلحة على المدنيين فيها، تستقبل تركيا السوريين  دون تأشيرة دخول ( فيزا) مسبقة، تقول ريم: “تسافر ساعة أو ساعتين بالبحر ليس أكثر. هنا، عليك أن تبقى في البحر لأكثر من 10 أيام وأحيانا 15.. وعدد كبير من الناس تم توقيفهم. الحكومة المصرية تقوم بإغلاق الحدود أكثر من ذي قبل بكثير”.

وتضيف ريم: “معظم الناس يحاولون الوصول إلى أوروبا بأسرع ما يمكن، لأنهم يخشون أن تغلق الحدود بعد ذلك، وعندها لن يكون بمقدور أحد أن يصل إلى أوروبا من جديد”.

في مصر، الرحيل محفوف بمخاطر التوقيف

استناداً إلى أخر أرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فإن العدد الإجمالي للأفراد الذين تم توقيفهم لمحاولتهم عبور المتوسط دون ختم خروج منذ بداية 2015  قد وصل حالياً إلى 2,320.  ويشكل السودانيون العدد الأكبر من بين اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين الذين تم توقيفهم على الشاطئ الشمالي. يبلغ العدد الإجمالي للسودانيين 935، يليهم السوريون (507)، والصوماليون (475)، والإريتريون (178).

يقول الباحثون في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في الإسكندرية، وفي حركة التضامن مع اللاجئين في المدينة نفسها: إن العدد الإجمالي وصل حالياً إلى أكثر من  3000  شخص في هذه السنة وحدها. وهو تقريباً نفس الرقم الإجمالي الموثق في سنة 2014 كلها. ويرجحون أن العدد معرض للازدياد.

محمد كاشف الذي يوثق الهجرة غير المنظمة ومعتقلي الهجرة في الشاطئ الشرقي لصالح المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في الاسكندرية، قال لـ”مدى مصر”: “إن المهاجرين السودانيين يأتون في مقدمة المعتقلين هذه السنة، ليس لأنهم يريدون الذهاب إلى أوروبا أكثر من السوريين، وإنما لأن الشبكة صارت لديها تجربة جديدة في الشاطئ الشمالي. كانوا معتادين على الذهاب من ليبيا وسيناء، لكن في هذا الموسم، بدأوا يذهبون إلى أوروبا من الدلتا”.

ويضيف أن الشاطئ الشمالي يمثل تحولاً في الطريق بالنسبة للشبكات المتعاملة مع اللاجئين الأفارقة، بعد أن تزايدت مخاطر عبور الترانزيت عبر ليبيا، والإغلاق القريب للحدود المصرية الإسرائيلية، وتزايد العنف في شمال سيناء.

وثقت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ومصادر أخرى أن أكبر تدفق للاجئين والباحثين عن مأوى والمهاجرين الساعين للخروج من مصر في 2015، كان في مقدمته السودانيون، مقابل السوريين والإريتريين، وهما الجنسيتان الأساسيتان اللتان عبرتا المتوسط في 2014.

يستند تحليل المفوضية على تشكيلة المهاجرين غير النظاميين، التي تظهر في سجلات مراكز اعتقال المهاجرين في الساحل المصري، والتي اعتُبرت عينة تمثل تدفقات المهاجرين بشكل عام. لكن هذه العينة  ليست بالضرورة دقيقة، استناداً إلى أحد المسؤولين في المفوضية. تقول باربرا موليناريو المسؤولة عن المعلومات العامة في مكتب المفوضية في روما: ” في إحصائياتنا لدينا جنسيات، لكننا لا نفرق بينها استناداً إلى مكان الرحيل. وهكذا فإن المعطيات التي لدينا هي عن من أتى إلى إيطاليا، وليس من أين أتى”.

موليناريو أخبرت “مدى مصر” أنه لم يكن من الممكن تحديد جنسيات الـ 5000 شخص تقريباً، الذين وصلوا عبر البحر إلى إيطاليا بعد أن غادروا مصر منذ بداية 2015. وهم يشكلون تقريباً 5 بالمائة من مجمل عابري المتوسط لهذه السنة.

لكن ما هو واضح هو أنه يوجد تناقص في حالات الهجرة غير المنظمة المنطلقة من مصر، عن الأرقام المسجلة سابقًا، ويظهر ذلك بالعودة إلى التقرير الذي كلفت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) بصياغته، والذي يبيّن أن مصر قد استحوذت في السنة الماضية على 9% من التدفق الإجمالي للهجرة غير المنظمة في العالم. وكانت التقديرات قد وضعت قبل ذلك رقماً يزيد عن 10 أو 20  بالمائة.

يفسر محمد كاشف هذا التراجع بقوله: “عندما صارت الرقابة على الحدود أقوى، غيروا الطريق بكل بساطة”. ويضيف: “الآن لم يعد السوريون يذهبون عبر الشاطئ الشمالي لمصر كما كان الأمر من قبل. كثير منهم يأخذون الطائرة إلى تركيا، ومن هناك يأخذون مركباً إلى اليونان، ثم يسلكون براً طريق البلقان”.

هذه السنة، يبدو من  نسبة الاعتقالات أن مراقبة الحدود في مصر صارت أقوى. وقد يكون ذلك انعكاساً لإجراءات أولوية أمن الحدود في مصر، أو للدور الذي ترى أوروبا أن على مصر أن تلعبه في أزمة الهجرة عبر المتوسط.

وكما هو الحال مع تونس، تمت تسمية مصر بشكل متكرر كشريك محتمل في وثائق العروض الأوروبية وفي الوثائق الإخبارية؛ ويشمل ذلك العروض الإيطالية التي صدرت في مارس، مقترحة أنه يمكن لـ “وحدات بحرية من بلاد الطرف الثالث (هذه)، المسؤولة عن مناطق (الإنقاذ والبحث) القريبة من ليبيا التدخل وإنقاذ المهاجرين العالقين في البحر.. (و) أن تأخذهم بعد ذلك إلى مرافئها”.

بعد زيارة ليوم واحد إلى مصر في مايو، قال المفوض الأوروبي لشؤون الهجرة ديمتري افرامونبولوس: إنه ناقش مع الرئيس عبد الفتاح السيسي احتمال عقد حوار عن الهجرة، آملاً أن يدفع  الحوار لتطوير التعاون بشكل أكبر. وامتدح افراموبولوس “دور مصر القيادي” في عملية الخرطوم، المعروفة أيضاً بإسم  مبادرة الاتحاد الأوروبي والقرن الافريقي حول مسارات الهجرة. هذا المخطط الثنائي بين الكيانين القارييّن؛ تم تصميمه لمعالجة الهجرة غير الشرعية “من جذورها”، وعنى افرامونبولوس بذلك أن المسؤولين الأوروبيين قد ناقشوا المصادر الخارجية التي تشكلها المراكز المعنية بعمليات الهجرة، وكذلك مراقبة الحدود، وفي بعض الحالات الأنظمة القمعية في القرن الإفريقي.

وقال مسؤول الهجرة الأوروبي: “في البداية ستتركز النشاطات على معالجة الإتجار بالكائنات البشرية وكذلك تهريب المهاجرين”. وتابع: “والمشروعات المستقبلية يمكن أن تتوسع لتطال موضوعات أخرى كالهجرة الشرعية، والهجرة غير المنظمة، والهجرة والتنمية، والحماية الدولية”.

الإجراءات الأمنية المتزايدة تفتح الباب أمام أنماط أخرى من التهريب

عندما قام المُقرّر الأوروبي الخاص فرانسوا كريبو بإطلاق تقرير جديد حول الحقوق الإنسانية للمهاجرين في 16 يونيو الماضي؛ زعم أن مراقبة الحدود وتطبيق الإجراءات الأمنية فيها “تفيد فقط في فتح سوق ربحي جديد لمنصات التهريب، وهي سوق كان يمكن ألا توجد لولا إجراءات المنع هذه”. وأضاف أن التهريب في منطقة البحر المتوسط “يزدهر من خلال التهرب من سياسات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الرامية للحد من الهجرة”.

وفي مصر، كما في الدول الأخرى التي لديها شواطئ على البحر المتوسط، أو تشكل الباب الخلفي لأوروبا، هناك سوق حقيقية للاحتمالات الأخرى بدأت تنبثق.

سعر المقعد في المركب إلى أوروبا لم يتغير بشكل كبير. والمهاجرون الشرعيون الذين إما حاولوا السفر واعتقلوا، أو نجحوا في الوصول إلى أوروبا قدموا لـ”مدى مصر” أسعاراً تتراوح بين 1,500$ و3,000$. أما الأطفال فغالباً ما يسافرون مجاناً. وإن أتيت بعدة أصدقاء أو أقرباء معك يمكن أن تحصل على تخفيض، بل وحتى على مقعد مجاني.

لكن الآن، مع الموت في البحر، وزيادة الاعتقالات والنسب المنخفضة للنجاح في اجتياز البحر من مصر بشكل عام، صارت هناك اتفاقيات أخرى.

يعمل أبو عمار كسمسار في مدينة السادس من أكتوبر. في الماضي، كان يربط الناس بالمراكب ويصلهم بمهرب من الذين يديرون الرحلات، وينظم الأسعار وعدد المسافرين قبل أن يأخذ حصته من الأرباح. يبدو أبو عمار كبحار متواضع في كل مرة يجلس فيها في المقهى الذي يملكه سوري مقيم بالمدينة، وهناك التقت به مدى مصر عدة مرات منذ الشتاء الماضي.

هذا اللاجئ الحلبي المهيب مدخن شره يشعل سيجارة من الأخرى،  ويرتدي سترة سبور من الجلد الأسود، ويلقي النكات  عن السوريين الذين يريدون بناء غواصة للوصول إلى أوروبا، قبل أن يتحدث بجد عن تأمين مستقبل لعائلته. يقول: “لن تستطيع أوروبا أن توقف ذلك على الإطلاق”، حسبما يدّعي. يواصل: “ماالذي يجعلني أقول ذلك؟  لأنني أعيش وسط الناس. نحن نطلب اللجوء. وسبب الهجرة هو أنه لا يوجد حل آخر”.

لا شك في أن أبا عمار رجل منظم لديه خبرة، وقادر على التأقلم مع الظروف. وطريقته في التعامل مع التهريب الشعبي “سريع الربح”، هي أقرب إلى البيزنس الذي يسمح للأفراد ضمن الجالية السورية أن يتورطوا بسهولة في شبكة، وأن يجلبوا معهم للمهرب مسافرين آخرين، فيأخذوا بذلك نسبة على الأرباح في العملية.

مازن هو لاجئ سوري في مطلع العشرين، طلب عدم الكشف عن هويته. وقد تواصل مع أبي عمار في الربيع.

لم يكن مازن يرغب في ركوب القارب – فهو يقول إنه خطر جداً. فاقترح عليه أبو عمار طريقاً آخر. فمقابل 9,000 $ يستطيع أن يحصل له على فيزا ترانزيت لصربيا، من خلال تقديم أوراق مزيفة (إفادة مصرفية، براهين عن سبب الإقامة، وحتى رسالة اعتماد من شركة مزيفة). وأن يجعله يمر كرجل أعمال من الحدود الصربية بعد أن يسافر إليها من مصر. من هناك، يُفترض أن يقوم مازن بالعبور إما بوسائله الخاصة، أو بمساعدة شبكة مهربين في البلقان، ليصل إلى ألمانيا.

يعترف أبو عمار بحذر: “لدي معرفة بهذه الأساليب وأملك تفاصيل عنها، كل ما أفعله هو أنني أرشد الناس. وأهم وسيلة أقترحها عليهم هي أن يكتشفوا من هو شريف ومن ليس كذلك”.

لكن أبوعمار قدم لمازن حلول أخرى، يقول الشاب: “حدثوني عن تلك الباخرة الكبيرة إلى إيطاليا مقابل  5,000 $، وأنها كانت قانونية لأنهم يمكن أن يزودوني بوثائق قانونية كعامل على ظهر الباخرة. قيل لي إن هناك إمكانية للحصول على جواز سفر من سفارة (أوروبية)”. ويذكر أبو عمار طرقاً أكثر غرابة. فهو اقترح على مازن أن يسافر إلى اليمن، ومن هناك إلى جزر القمر التي لا تبعد عن مدغشقر، بعدها يسافر بالمركب بشكل غير نظامي لمايوت، وهي جزيرة تحت الإدارة الفرنسية. والفكرة هي أن يطلب اللجوء هناك، وذلك أملاً بأن تقوم السلطات الفرنسية بترحيله إلى فرنسا.. مازن رأى أن تلك فكرة سيئة، ومع ذلك ظل يفكر بها لعدة أيام.

في النهاية، حصل مازن على فيزا لبلد في الخليج، ولم يحتج إلى مهرب.

رغم كل ذلك يرى مازن أن أبا عمار كان على الأغلب “إنساناً طيباً”، وهو “يهتم”. لكنه لم يتأكد من ذلك بشكل قطعي.

عندما يتحول التهريب إلى إتجار

يدور الحديث في أوروبا عن شخص مثل أبا عمار كشيطان مجرم لا يعرف حدوداً، وككاذب يسرق حياة الناس. واللاجئون الذين يلجأون لخدماته هم “ضحايا”، وليسوا أشخاصاً يقومون بخيارات عقلانية وأحكام تتأسس على الفرص، وعلى الطرقات والمبالغ التي بقيت في متناول أيديهم.

وتحول ممارسات التهريب إلى جرائم إتجار بالبشر في المناطق الحدودية لشبه جزيرة سيناء؛ قد دعم هذا الموقف. فالمنطقة بدأت بمساعدة اللاجئين الأفارقة والمهاجرين على العبور إلى إسرائيل، بعد حملة كبيرة عليهم في القاهرة. ومع تحول التهريب إلى أعمال ربحية؛ تطورت بعض شبكات التهريب لتتحول إلى عصابات إتجار، تخطف اللاجئين والمهاجرين في طريقهم من أثيوبيا والسودان لتأتي بهم إلى سيناء حيث يواجهون التعذيب في معسكر لإجبارهم على دفع فدية مرتفعة.

وجاء في تقرير نشر مؤخراً من إدارة الإتجار بالبشر في الولايات المتحدة: أن التجار المسؤولين عن جرائم لا يمكن تصورها، ويتم اقترافها في معسكرات التعذيب في شمال سيناء، يمكن أن يكونوا قد انتقلوا إلى حدود مصر الغربية مع ليبيا على سبيل المثال. وهذا الإدعاء الذي يستند إلى  تقارير مليئة بالحكايات، يذكر أن: “هذه المجموعات الإجرامية قد انتقلت من سيناء إلى الحدود الغربية لمصر مع ليبيا، وهؤلاء المهاجرين يظلون في وضع هش، ويخضعون لنفس الانتهاكات التي كانت تمارس عليهم في سيناء، بما في ذلك الإتجار بهم”.

وعلى الرغم من أنه لا يبدو أن هذه التجارة يمكن ان تزدهر في الشاطئ الشرقي على النحو الذي شهدناه في شمال سيناء، فإن التطورات الأخيرة تفيد بأن أحد مصادر طرق الهجرة المتوسطية، وهو القرن الإفريقي، تزايد ارتباطه بنقاط وصول مختلفة مبعثرة في جهات مختلفة.

وحسب ما يقوله المعتقلون ومنظمات المساعدة الدولية التي تستطيع الوصول إلى مقرات الاعتقال المصرية المخصصة للهجرة الشاطئية، فإن الممارسات التي تحمل طابع الإتجار قد تحولت إلى مسالك غير شرعية. ولقد نبّه النشطاء والباحثون والعاملون في الإغاثة منذ فترة طويلة إلى شبح الإتجار بالبشر على الشاطئ الشمالي.

يوسف، لاجئ سوداني، استطاع أن يصل إلى أوروبا من مصر في السنة الماضية. وهو يتذكر  كيف كان المهربون الذين  أداروا رحلته مسلحين من لحظة وصولهم إلى المزرعة التي نقلوه منها نحو الشاطئ: “كانت لديهم هواتف جوالة وبنادق، وكانوا عشرين تقريباً. كنا لانزال قريبين من الإسكندرية لأننا كنا نستطيع أن نرى أضواء المدينة والشواطئ”.

في البحر، قام المهربون كذلك بتهديد الذين في المركب المحمّل فوق استطاعته، والذي كان يحمل يوسف ومئات غيره، بما فيهم عائلات سورية وقاصرين ليس معهم من يرافقهم من مصر: “كنا ملتحمين جميعاً ببعضنا مثل الحيوانات، لم يكن هناك مكان. كنا نجلس بالصف وكل منّا يضع يديه على كتفي الشخص المواجه له. وقد قام المهربون بتهديدنا: “إن تحرك أحد منكم، سيُقضى على المركب”.

لاجئون آخرون يروون كيف قرروا أن يتركوا الرحلة بعد أن خبأهم المهربون بعيدًا في مزارع كفر الشيخ لأيام. وكيف أجبرهم المهربون في النهاية على البقاء.

هذه القصص تعكس تلك المنطقة الرمادية ما بين التهريب والإتجار بالبشر، في الطرق التي تؤدي إلى البحر المتوسط، وهو شئ لاحظه الباحثون من شهادات في مراكز الاعتقال.

شهادات من معسكرات الاعتقال

يقول محمد الكاشف: “منذ الموسم الماضي، في السنة الماضية تقريباً، بدأنا نلاحظ بعض حوادث الإتجار، وعلى الأخص الإتجار بضحايا التقينا بهم في أماكن الاعتقال بعد أن أخفقوا في اجتياز البحر”.

ويفسر: “كانوا يروون قصصهم، كيف هربوا من بلادهم، على الأخص أثيوبيا وإريتريا والسودان- متوجهين نحو ليبيا كي يعملوا ويجمعوا ما يلزم من الأموال التي يطبها المهربون. لكن المتاجرين قاموا بعد ذلك بخطفهم وبيعهم إلى متاجرين آخرين”.

وهو يذكر شهاد ياسين* الذي اختطف في السودان بعد أن هرب من إريتريا، وجلبه التجار إلى مصر في وقت مبكر من هذا العام:  “لقد نقلوا (مجموعة ياسين) من السودان إلى أسوان عبر طريق تهريب، ثم أخذوهم في شاحنات كما لو كانوا بضائع تحت غطاء مشمع” كما يذكر كاشف، مضيفاً أن المجموعة بقيت في القاهرة لمدة أسبوع تقريباً قبل أن يتم نقلها إلى الإسكندرية: “بعد ذلك نقلوهم إلى مزرعة دواجن في كفر الشيخ، بالقرب من الطريق الساحلي الدولي، وبقوا هناك ما يقارب عشرة أيام قبل أن يستقلوا المركب. ظل المركب في البحر حوالي عشرة أيام تقريباً. بعد ذلك ظن من في مجموعة ياسين أنهم اقتربوا من الوصول إلى إيطاليا أو بعض الجزر بالقرب من اليونان ليجدوا أنفسهم عائدين إلى إدكو (في محافظة البحيرة)، وهناك تخلى عنهم المهربون أو المتاجرون وتركوهم في مواجهة خفر السواحل”. بعد ما يقارب شهرين من الاعتقال، تم ترحيل ياسين.

جمال* لاجئ إريتري آخر، روى لمدى مصر في السنة الماضية كيف خطفه رجال من قبيلة الرشايدة في السودان، ليتم الإتجار به في ليبيا، رغم أنه قد وُعد بمكان على باخرة مصرية تحت غطاء أن هؤلاء الرجال كانوا مهربين، لكنهم لم يكونوا كذلك. فبعد أن تم خطفه وتعرض لانتهاكات عديدة؛ استطاع جمال أن يهرب من المتاجرين في جنوب مصر واختبأ في مزرعة بالقرب من أسوان. بعد ذلك استطاع أن يصل إلى القاهرة.

تلك هي بعض القصص عن الأزمات المتصاعدة التي بدأت أوروبا تتعامل معها الآن فقط.

كانت مصر تاريخياً مكاناً هاماً للترانزيت في الهجرات المتوسطية، وخلال ذلك الزمن لممتد ظلت الطرق والآليات المتعلقة  بالهجرة غير المنظمة (غير الشرعية) على حدود أوروبا كما هي على الورق؛ لكنها صارت أكثر تعقيدًا في التطبيق. فالمهربون يأقلمون أنفسهم، فإما أن يصبحوا أقل ظهوراً أو متوحشين. ومع ذلك فالمهاجرين واللاجئين لايزالون يجدون سُبلاً جديدة، في حين أن المراقبة على الحدود وإجراءات الأمن لم تعد، على ما يبدو، قادرة على إيقاف التدفقات.

هذه الحالة من التهريب جرى استنساخها، ليس فقط في البحر المتوسط، وإنما في قلب الاتحاد الأوروبي نفسه، مع بعض الدول الأعضاء التي أعادت إدراج إجراءات مراقبة على الحدود في حين أنها تخطط لإدارة جديدة للحدود تُنقل تجربتها إلى بلاد مثل مصر.

لكن هذه الأزمة التي استغرق خلقها عدة سنوات، لا يبدو أنها ستتوقف.

ـــــــــــــــ

* بعض الأسماء في هذا المقال تم تغييرها حمايةً لهويات أصحابها.

اعلان
 
 
توم رولينز