Define your generation here. Generation What

وطني حبيبي الهرم الأكبر

في طفولتي كان الوطن عبارة عن صورة تتشكل من النيل وقناة السويس وبنت كبيرة بمريلة وشاب مراهق ببدلة عسكرية يقود صفوف المقاومة الشعبية في العرض العسكري يوم عيد السويس القومي.

المصادفات حتى ولو كانت تافهة أحيانًا كثيرة ما تغير المصائر وتبدل المسارات، وتتدخل في تشكيل أفكارنا وخيالاتنا في الطفولة. حكى لي أحد الأصدقاء أن الحرب الأهلية اللبنانية قد انفجرت على إثر تلقي حاكم مدينة صيدا رصاصة طائشة في “بيضانه”. والمصادفة وحدها جعلت للصراع العربي الإسرائيلي دورًا محوريًا في استمرار وتمدد أسرتنا؛ حيث كان مقررًا أن ينفصل أبي وأمي، ولكن نكسة 67 قلبت المسارات، ومع قصف المدينة لعبت المصادفة دورًا آخر في النزوح لبلد المهجر الذي ولدت فيه بينما ولد غيري الكثير في بلدان أخرى كثيرة وبعيدة.

كانت أسرتي تتحدث عن السويس بحنين دافق ربط معه الوطن بمكان الميلاد، مما جعلني أعتقد في البداية أنني ولدت بلا وطن؛ لأني لم أعش في البلدة التي ولدت فيها. فبعد انتهاء الحرب عدنا إلى السويس التي كانت عنوانًا للدمار، وكان لهذا الدمار تأثير على نفسي يندرج تحت بند “لقد حدث هنا أمر جلل”.. ومنه تولد الشغف بحواديت الحرب والفدائيين وعفاريت الإسرائيليين الذين قتلوا بالمدينة فتحولوا إلى أشباح ترتع بها.

لأن السويس مدينة حرب لذا كان للأغاني الوطنية وجود طاغ في حياتنا، بعد العودة من التهجير أرسلت أمي إخوتي الكبار للكورال واضطرت لإرسالي معهم للتخلص مني، كنت تقريبًا أردد كلمات أخرى وأحرك رأسي يمينًا وشمالًا، وأحيانًا أخرج من الصف انظر لإخوتي ثم أعود إلى مكاني. وبعد انتهاء التدريب تبدأ خناقة إخوتي مع أمي بأني لا ينبغي أن أذهب معهم من الأصل وأنهم يخجلون من أفعالي، وأن المايسترو قال لهم: “إني لسه صغيرة وما ينفعش أحرف في الأغاني الوطنية!”.

هاجر جدي إلى القاهرة وسكن بالقرب من كورنيش مصر القديمة، وكنا نأتي لزيارته ونذهب للتنزه على الكورنيش، ونركب الأتوبيس النهري، وأخبرني أبي أن هذا هو نهر النيل العظيم. في السويس كنا نتنزه على كورنيش بورتوفيق على شط القناة التي كنت أظن أنها أيضًا نهر النيل العظيم، ولكن إخوتي أخبروني أن هذه هي قناة السويس يا “هبلة”.

في المدرسة.. بدأ الوطن يتشكل في صورة أكثر حيوية؛ حيث كان للسويس ما قبل “كامب ديفيد” نشيد قومي خاص بها يردده الأطفال يوميًا في طوابير المدارس، وشاعر “خصوصي” يبدع تلك الأناشيد القومية اسمه عطية عليان، النشيد القومي لمدينة السويس الباسلة مدينة الصمود- هكذا كان يطلق عليها- كان عنوان الوطنية السويسية والمعبر عن نعرة انتمائهم. هذا النشيد كان يبدأ بجملة (بِرُوح الكرامة والعزة وقفت ادافع عن رايتي)، وبه جملة تقول: (تمر السفينة بنيل القناة).. قلت لإخوتي:  “انتو حمير مش فاهمين حاجة.. دي مش قناة السويس دي النيل والقناة مع بعض”.

كان معي في نفس الفصل بنت كبيرة اسمها جيهان الجزار، ومثلنا جميعًا كانت ترتدي مريلة.. من تحت مريلة الأطفال يبرز صدرها، وكان أخوها معنا أيضًا وتبدو عليه علامات اليفوع من صوت خشن وشارب وليد، كان الجميع يتعاملون معهما بشكل خاص؛ لأن أباهما كان من رجال المقاومة الشعبية، رفض الهجرة بأسرته فلم يدخل أبناؤه المدرسة إلا بعد انتهاء الحرب وفتح المدارس. علاء الجزار ذلك الطفل الكبير في المدرسة الابتدائية كان يرتدي البدلة العسكرية يوم عيد السويس القومي، ويمشي في مقدمة صفوف رجال المقاومة الشعبية في العرض العسكري السنوي الذي استمر حتى اغتيال السادات.

بمرور الوقت، بدأت تبهت صورة الوطن المرتبط بالحرب والصراع العربي الإسرائيلي؛ حيث محت حركة التعمير وكامب ديفيد والانفتاح الكثير من ذاكرة المدينة.. وأصبحت الصورة القديمة للوطن ”موضة قديمة“ يتم إخراجها وإزالة التراب من فوقها مرة كل عام مع قدوم شهر أكتوبر.

ذهبت لزيارة منطقة أهرامات الجيزة بعد أن التحقت بكلية الآثار. دخلت إلى قلب الهرم الأكبر؛ حيث العمارة الشاهقة وصوت الصمت.. الصمت المشبع ببخار الأسرار، في تلك اللحظة الفارقة تغير مفهوم الوطن هذا الكيان المخلق المبهم والمقدس في نفس الوقت.. لقد صُرت الصورة القديمة في منديل وألقيت في حجرة الدفن في غياهب الهرم الأكبر.. واختزل الوطن في صورة الهرم العظيم للملك خوفو.. صورة تليق بعظمة الوطن!! وطني حبيبي الهرم الأكبر.. يوم ورا يوم حواديته بتكبر.. هذا ما يجب أن يقال في الأغنية الوطنية!! وكما كان لصورة الوطن القديم حواديت ترتبط بالحرب، بدأت في نسج الأساطير حول الهرم وربط مصيري به وابتداع الكرامات له لإتمام عملية خلق المقدس بنجاح. في الأسطورة ارتبط وجودي بالهرم الأكبر؛ حيث يشير الخط الطويل الواصل من أسفل الأصبع “الوسطى” إلى آخر كفي الأيسر إلى ولادة الروح مع بدء بناء الهرم، وظلت تلك الروح تتنقل من جسد إلى جسد عبر العصور، وستظل تلك الروح تحيا وتتنقل طالما بقي الهرم راسخًا في إباء وشمم، وكذلك سيظل الأصبع الأوسط يعتلي ذلك الخط الدقيق كشاهد عيان على صورة الوطن الموغلة في أدغال التاريخ.

يتغير العالم حول الهرم.. والهرم باق كشاهد قبر الوطن: تحرير السوق، الثورة الرهيبة لعالم الاتصالات، الحروب والانهيارات وبؤس البشر، بلادة الأنظمة وشراستها جميعها كشفت الأغطية المهترئة عن إنسانية تعيسة في كل الأوطان. زيارات قصيرة لأماكن أخرى بديعة وعظيمة في العالم.. ثورات وأحداث جسام حاكت معها عرض الصورة الضئيلة والنمطية والهشة للوطن، فلم يتبق منها سوى أسطورة الأصبع الوسطى! أصبح هناك ذاكرة جمعية للعالم كوحدة واحدة. ذاكرة فيها صورة حية لكل ما أبدعته الطبيعة والإنسانية.. جنبًا إلى جنب كل ما خرّبته الأنظمة، وكل ما اقترفته من حروب ومذابح وجرائم .. ذاكرة تهيم فيها أرواح الضحايا من كل حدب وصوب محتضنة معها أرواح العلماء والمبدعين والعظماء الحقيقيين الذين أضاءوا طرق الإنسانية. ولكن رغم كل هذا “الفشخ” لم أفقد أبدًا إعجابي وانبهاري يومًا بعظمة الهرم الأكبر كمنتج إنساني معماري غامض كالحياة وعصي على الفهم كالنفس البشرية.

اعلان
 
 
نرمين خفاجي