Define your generation here. Generation What

مهنة القتل البطيء

(1)

بدا اليوم عاديًا، تغطية مثل سابقيها، مظاهرة محدودة تجوب أرجاء المدينة في الذكرى الثانية لثورة يناير، محررو الموقع الإلكتروني سيتصلون كل خمس دقائق لعل في جعبتي ما يمنح الصفحة الرئيسية خبرًا جديدًا، لم يكن أحد يشعر بما يعتمل بداخلي، كنت في بورسعيد، المدينة التي كنت أحبها حتى يوم 1 فبراير 2012، فجأة مر الناس من أمام مقر النادي المصري، دوى الهتاف بالسباب في الأهلي، وجهي بدأ في الغضب، استمروا في التطاول، لم أحتمل، للحظة فكّرت في أن أعود وأرتدي “تيشرت” الأهلي، لولا أن باغتني رنين الهاتف سائلًا عن خبر جديد، أجبتهم “الجمهور يوجّه السباب لجمهور الأهلي، قبل يوم من صدور قرار المحكمة بشأن ما اصطلح عليه إعلاميًا بالمذبحة”.

جلست على مقهى أفكّر في الغضب الذي نالني في وسط الهتاف، كان عليّ التخلّي عن وقاري مثلما فعلت في أحداث الاتحادية، مقتضيات المهنة تقول إنّك عليك التجرّد التام من مشاعرك أثناء مزاولتك العمل الصحفي، شرف المهنة لا يتدنى لمستوى الجمهور، أقنعت نفسي بذلك، عدت سريعًا لأستمع للشتائم ناقلًا الأخبار، وأنا أشعر أن شيئًا ما قُتل في داخلي ولن أستطيع إحياءه مرة أخرى.

(2)

أدلف إلى مدينة الإنتاج الإعلامي يوميًا كعادتي، ألمح على رصيف الدخول نساء وأطفالًا وعجائز، لا أفكّر يومًا في التدقيق إليهم لكيلا أتجاوز تأخري، وحين دققوا إجراءات المرور يومًا، وجدتهم حولي، أغمضت عيني، مرق في خيالي وقوفهم ساعة الحساب ليؤخروا المارة إلى مدينة الإنتاج أجلًا لتجاهلهم.

كان منهم رجل جاوز الستين، يرفل في جلباب بالٍ ويدفعه أمن المدينة للخارج، يحمل لافتة مكتوبًا عليها “كلية للبيع.. كبد للبيع.. قلب للبيع.. إنسان للبيع”.. شحاذ؟.. من ذا الذي يشحذ بجسده، هل ضاقت به السبل فجاء لمكان يخرج منه الناس على الشاشات لعلّهم يمنحونهم فرصة البقاء. سألت الأمن عنهم، أجابوني أن بعضهم يحصل على معونات من قبل بعض البرامج، كان أغلبهم قادمين من محافظات نائية، سألتهم عن سبب تكبّد السفر: “الحاجة”. كان الإمام علي يقول: “لو كان الفقر رجلا لقتلته”. أدرك قولته وأنا واقف بين نساء ورجال لن يتوانوا عن بيع أنفسهم في مقابل الحصول على ورقات نقدية يعودون بها إلى ذويهم.

(3)

تهاتفني امرأة تقول إنها تجاوزت الستين، ليس لها إلا المعاش، الديون تراكمت، اضطرت لبيع الشقة وتحتاج لمساعدة، يهاتفني مهندس فقد عينه اليسرى وفقد معها وظيفته ليأتوا بصحيح يحتل مكانه، يتواصل معي رجل حجزت الجمارك على عربته النقل التي وضع بها كل نقوده، يسألني شاب عن شقة تقدّم بها في إطار السكن الاجتماعي وأعطوه واحدة في مكان بعيد، يتّهمني ضرير بأننا تاجرنا به في إطار حلقة تليفزيونية دون تقديم المساعدة، يكلّمني صديقي عن أخبار حول ماصوني المختفي منذ حين، تستحلفني بالله سيدة تريد أن تذهب إلى مقابلة السيسي لأمر لا يحتمل الانتظار، تطلب منّي صديقة أن أوصلها بمن يمكن أن يعالج ثقب القلب بالمجان.

ماذا أجيب؟ لماذا تلقون عليّ اللوم؟.. نحن مجرّد خيوط في جسد عنكبوت كبير، لا نملك إلا إيصال الصوت إن استطعنا لذلك سبيلًا، الحلول؟.. ليس بيدي منح الشقة، ولا أملك المال لأغيّر حياة العجوز، ولا أستطيع تغيير قلب صاحب العمل الذي طرد العليل، كان محمود درويش يقول: “من أنا لأقول لكم من أنا؟”.

(4)

أكرم حسان يعمل “مونتير” في قناة تليفزيونية خاصة، أبلغوه بضرورة الوجود أثناء الانتخابات البرلمانية، لا أعرفه، لكنني رأيته عشرات المرات لعملنا سويًا في قناة واحدة يومًا ما، بالتأكيد سيؤدي عمله بشكل روتيني ممل، لاسيما مع مشهد يغلب عليه الفراغ والعبث، يستعيد مشاهد الفرحة بناديه الذي كسب السوبر، يستفز رفاقه من مشجّعي النادي المنافس، يشعر بوعكة، ربما كان يحتاج لفوار أو برشام سيعيد له عافيته، لكي يتمكّن من استكمال الساعات المحددة ويعود إلى ابنتيه الجميلتين، ومحمد ابنه الذي يمارس دوره المحبب في تنشئته، يأخذ عهدًا على نفسه ألا يجعله يسلك مجال الإعلام، لكنّ هناك بترًا في القصة، لا لن أخبرك عن تمرّد الابن أو طرد القناة لأكرم وبحثه عن عمل جديد بلا جدوى، القصة انتهت لأن بطلها مات.

أزمة قلبية، مستشفى- كالعادة- يقتل المصريين لأن الأموال لا تكفي، مؤسسات لا تحفظ حقوق عامليها بتأمين صحي إلا بعد أن يوقّع عقود وتمر سنوات، ربما لم يكن أكرم صحفيًا، لكن نيران صاحبة الجلالة طالته.

(5)

“أنقل إليكم ما يعانيه الصحفيون المصريون من شقاء، بينما يحتفلون بهذا اليوم في ظلمات زنازين السجن. ما أبعده عنا معنى “حرية الصحافة” عندما أمضي أكثر من 600 يوم في السجن، دون أن أعرف متى ينتهي هذا الكابوس؛ لمجرد أنني كنتُ أؤدي عملي كمصور صحفي خلال عملية فض اعتصام رابعة العدوية. وبطريقة ما أنا اعتُبِرتُ “مؤيدًا للرئيس المعزول محمد مرسي. أصبحت الصحافة في بلدي جريمة.. جريمة بكل المقاييس.. 13 صحفيًا أعربوا عن تعاطفهم مع الإخوان المسلمين، حكم عليهم بالسجن مدى الحياة، كما صدر حكم بالإعدام على صحفي آخر.

أما أنا فأعيش داخل زنزانة صغيرة جدًا، في ظروف قاسية لا يستطيع الحيوان أن يتحملها، وأواجه تهمًا باطلة دون سند من حقيقة وأختلط بالمتظاهرين المعتقلين”.

من رسالة المصوّر الصحفي محمود أبو زيد (شوكان) في مايو 2015، في اليوم العالمي للصحافة

(6)

كنت في دمنهور، في هوجة حرق مقرات الإخوان المسلمين منذ سنوات مرت بصعوبة، كان الوضع عندما يهدأ أذهب إلى الإسكندرية القريبة أزجي الوقت الممل، خاصةً في الصباح حيث يقل الحرق، عرفت أن الليلة بها نار، لم أسافر، ارتديت قناع الغاز وأيقنت أن رائحة الدم قريبة، لكن لم أتخيّل أنها سوف تطال صبيًا لم يتجاوز الستة عشر عامًا يُدعى “إسلام مسعود”، كان يدافع عن مقر الإخوان، قبل أن يقتل في شجار مع معارضي الجماعة وقتذاك. خرج عمرو أديب ليقول إن إسلام ليس من الإخوان، كان السؤال من الجريدة التي عملت بها: اعرف لنا: إسلام إخوان أم لا؟ في لحظات بينما ينتشر الغاز في الأجواء تفقد قدرتك على التفكير، ذهبت لخال الشاب بغباء اعتذرت له عنه في اليوم التالي، بمجرد طرحي السؤال انهال عليّ بالسباب، بكيت بشدّة، وأنا أراه يسب في الإعلام الذي يهتم بانتماء من مات قبل أن يبكي عليه، قبّلت رأسه وأخبرته أن يسامحني، وقد فعل وجعلني أرافق والدته في دخولها الأول للمنزل من غير إسلام وأجري معها حوارًا، وكانت مشاعر مزلزلة، عندما تفقد أم صغيرها، وتحلم أن يعود لتخبره أن يبعد عن شبح السياسة الذي يقتل. أتذكّر هذه الأم الآن، نساها الجميع، مثلما نُسى الكثير أسفل ركام الوقت الذي يقتل كل حزن وكل فرح.

(7)

في يوم الثالث من يوليو، كنت أزاول عملي، أغطي أحداث 30 يونيو في محافظة كفر الشيخ، التي تدفع زائريها للكفران فعلًا، المهم أن الاشتباكات كانت قد اندلعت كالمعتاد، وتداولت أنباء عن سقوط ضحايا، هرولت في شوارع أمشي بها للمرة الأولى تجاه المستشفى الذي يقولون إن المصابين فيه، سمعت في تلك الأثناء أن السيسي يلقي خطابًا، غيرت المسار ودخلت لشارع جانبي أبحث عن تلفاز، فوجدت رجلًا في كشك يحضره على قناة “الجزيرة” بشكل حانق، ما أن سمعت تفاصيل البيان ركضت كساذج في الشارع أشتم في مرسي، تذكرت أنه قد حان وقت العمل لا الفرحة والهتاف، فسارعت إلى ميدان التظاهر الذي انطلقت منه الألعاب النارية، تسليت بأكل الدرة المشوي احتفالًا مع الناس، وتذكرت أنني لم أتناول طعامًا منذ الصباح فقررت الذهاب إلى كنتاكي، المطعم الوحيد الذي يصارع صلاحيته للاستهلاك الآدمي في تلك المدينة الكابية. في طريقي إلى هناك اقتربت من مبنى المحافظة وعدد من المباني الحكومية التي تحرسها مدرعات الجيش والشرطة، فجأة ودون سابق إنذار، انطلق وابل من رصاص، نحو مائتي رصاصة دفعة واحدة، أصابني الذعر كما لم يحدث لي من قبل، في بورسعيد أزيز الرصاص كان يعبر رأسي أمام السجن ولم أخف كتلك الليلة، ربما لأن الموت كان سيأتي من رصاص احتفال طائش من جنود يرقصون أعلى المصفحات والدبابات برفقة الشعب الذي يردد الهتاف معلنًا وحدة الجيش والشعب والشرطة، أو لأنك في طريقك للأكل، وفجأة قد لا تكمل ذلك الطريق.

(8)

ميادة أشرف قتلت. من الذي قتلها؟.. الإخوان، لا الشرطة، رصاصة طائشة، تتسارع الاتهامات وأهرول خلف الاتصال بعائلتها لتغطية الحادث لكي لا يفوتنا شيء. انفجار يهز الإسعاف، منطقة ركوبي للمواصلات؟ الجنود استشهدوا بغدر في سيناء. الأرقام؟.. لم نتبيّن بعد. ألهث خلف الصفحات الرسمية لكيلا يفوتنا الحدث.

أخبار، أخبار، أخبار.

أين القلب؟.. متى بالضبط ذهب الإحساس ليفسح المجال للعمل؟ هل ما أفكّر فيه رومانسية مفرطة؟ هل ما مررنا به كان أقوى من احتمال العضلة التي من المفترض أن تحب أكثر من أي شيء آخر؟

اعلان