Define your generation here. Generation What
مكامير الفحم: القاتل.. الذي تواجهه “البيئة” بـ”خطة توفيق أوضاع”
 
 

في محافظة البحيرة، وعلى الطريق من القاهرة إلى مدينة رشيد التاريخية، تقع قرية سيدي البصيلي، أو قرية الأشراف كما يدعونها، أو كما أصبحت يطلق عليها “قرية الفحم”، إذ يعمل أكثر أهل القرية- التي تبعد عن القاهرة أكثر من 260 كيلو مترًا- بصناعة الفحم النباتي في مكامير تسبب عوادم مضرة بالصحة.

تصل رائحة الدخان إلى السائر على الطريق بوضوح، وقد تنتابه نوبة من السعال من الرائحة المنبعثة من مكامير الفحم التي تملأ القرية، ويمكن رؤية أكوام متراكمة من قطع الأخشاب أمام معظم منازل القرية التي أصبح مشهد رؤية الأطفال فيها يحملون المناشير اليدوية أو الكهربائية لقطع الأشجار أمرا معتادًا.

تجهيز الفحم

تبدأ عملية تصنيع الفحم بتقطيع الأشجار بمنشار كهربائي أو يدوي، ويتم فصل الأنواع المختلفة من الأشجار التي يتفاوت سعرها بحسب نوعها، فأشجار الفاكهة هي الأعلى سعرًا، ويتم تصديرها للخارج، كما تنقل إلى عدد من المناطق السياحية، والأشجار البلدي، يتم استخدامها محليا، وتمتاز بانخفاض أسعارها.

بعد ذلك تُنقل القطع الخشبية التي تم قطعها وتُرص بشكل متوازٍ، ثم يُرص الخشب داخل حفرة تغطى بالقش المبلل بالماء وتراب الفحم، ويكون على جوانب الحفرة مواسير للتغذية الهوائية، حتى لا تنطفئ النيران وتظل مشتعلة لمدة من 10 إلى 15 يوما.

وخلال مدة التفحم تستخدم المياه من الخارج للتقليل من حدة الحرارة التي تنتج عن احتراق الخشب، وفي المرحلة النهائية يتم إخماد النار، إذ يتحول الهواء إلى سحابة من الدخان الأسود الكثيف تغطي المنطقة.

أضرار الفحم النباتي

يشير الخبير البيئي الدكتور حمدي هاشم، إلى أن الملوثات الناتجة عن عملية الحرق تختلف بحسب نوع النشاط والكمية المستخدمة فيه، لافتًا إلى الأضرار البيئية الناتجة عن عملية حرق الأشجار الداخلة في صناعة الفحم النباتي، التي تسبب أضرارًا على البيئة المحيطة بمنطقة الصناعة (المكامير): كمجاري المياه، والأراضي الزراعية.

يوضح هاشم: “تصبح صناعة الفحم من الصناعات الخطرة إذا كانت قريبة من التجمعات السكانية، بسبب الدخان والعوادم الناتجة عن احتراق الفحم وانبعاثات أول وثاني أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت”.

فيما يقول الدكتور محمود علي- وهو كيميائي بمركز البحوث- إن الفحم النباتي هو عبارة عن مخلفات زراعية تتكون من مادة الكربون الناتج عن نزع الماء من النبات، ويصنع الفحم النباتي من الخشب والحطب، ويدخل في عدد من الصناعات.

ويضيف أن الدخان الناتج عن المكامير يسبب الجلطة الدماغية؛ إذ ينتج عن عملية الاحتراق التي تتم داخل المكامير غاز أول أكسيد الكربون الذي يتخطى الحدود المسموح بها، إذ يصل تركيز هذا الغاز في هواء منطقة المكامير إلى‏ 1500‏ وحدة في المتر المكعب‏،‏ في حين أن الحد المسموح به في البيئة الصناعية لا يتعدى ‏500‏ ملليجرام في المتر المكعب.

ويوضح علي أن غاز أول أكسيد الكربون غاز سام يسبب الجلطات الدماغية لارتباطه بهيموجلوبين الدم، إضافة إلى وجود أكاسيد الكبريت التي تتسبب في إلحاق أضرار بالحياة النباتية والحيوانية وبمواد البناء، وينتج عن حمض الكبريتيك تكون ظاهرة التحمض، التي تتسبب في تآكل المعادن والحجر الجيري ومواد أخرى.

وعندما ترتفع درجة الحرارة إلى أعلى من ٣٦٠ درجة مئوية، يتكوّن غازي الديوكسين والفريون، ما يؤدي إلى زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري، بالإضافة إلى خطورة مادة الديكوسين على الحيوان، فضلا عن إنتاج مواد مثل القطران والدخان الأسود، الذي يؤثر تأثيرا سلبيا وخطيرا على حياة الإنسان والحيوان والبيئة‏.

طبيب الأمراض الصدرية أحمد عبد الله، يقول إن غاز أول أكسيد الكربون الناتج عن احتراق الفحم، ذو قدرة عالية على الاتحاد مع الهيموجلوبين 200 مرة أكثر من الأكسجين، وقد يؤدي إلى تسمم حاد وأمراض صدرية مختلفة، مثل الربو وحساسية الصدر، والتهاب الشعب الهوائية.

ويضيف عبد الله أن زيادة نسبة أكسيد النيتروجين قد تتسبب في تهيج الحويصلات الهوائية في الرئة، كما قد يسبب الدخان الناتج عن احتراق الفحم سرطان الرئة عند استنشاقه على المدى الطويل.

أكل العيش مر

“هنعمل إيه؟ أكل العيش عايز كده” يقول عمر رشاد (22 سنة – دبلوم تجارة) أحد أهالي القرية العاملين بصناعة الفحم النباتي، مبررًا استمراره في العمل في هذه الصناعة بأنه لم يجد فرصة عمل إلا عبر العمل في قطع الأخشاب لمكامير الفحم.

وبحسرة، تقول سعاد مصطفى (50 سنة)- إحدى العاملات بمكامير الفحم بالبحيرة- إنها تعمل بها منذ قرابة الثماني سنوات، ما سبب لها التهابًا حادًا في الرئة وحساسية بالصدر، نتجا عن عوادم مكامير الفحم بالقرية، مشيرة إلى أن كثير من أهالي القرية والقرى المجاورة بمركزي رشيد والدلنجات يعانون من حساسية الصدر أو أمراض صدرية أخرى، بسبب عوادم ودخان مكامير الفحم.

ووفق أحمد فؤاد (35 سنة – عامل)- أحد العاملين بمكامير الفحم بالبحيرة- فإن العامل الواحد يتقاضى 50 جنيهًا- تزيد أو تقل أحيانا- مقابل العمل ليوم واحد في المكامير، ويطالب فؤاد الدولة بتوفير أماكن بديلة آمنة لمكامير الفحم؛ للحفاظ على صحة الأهالي، خاصة الأطفال، دون الإضرار بالعاملين وأصحاب مكامير الفحم، التي تعد مصدر رزقهم الوحيد.

أين البديل؟

أحمد البصيلي (47 سنة)- صاحب مكمرة فحم- يقول إن أصحاب المكامير حاولوا التوصل إلى حلول لتفادي التلوث والأضرار الناتجة عن المكامير، وجهز عدد من الأهالي مكمرة فحم مجهزة بفوهة لحماية سكان المنطقة والمشتغلين بالمكامير من أضرار الدخان والعوادم التي يسببها احتراق الفحم، وبلغت تكلفة الفلتر أكثر من 100 ألف جنيه، لكن ضعف الإمكانات أدى إلى فشل التجربة.

ويشير إلى أن الأهالي وأصحاب المكامير كانوا قد تقدموا لجهاز شؤون البيئة بعدد من الطلبات للمساعدة في استكمال المكمرة، أو توفير أماكن بديلة تكون أكثر أمانا وأقل خطرا على صحة العاملين بالصناعة والأهالي الذين يعمل الكثير منهم بمكامير الفحم.

ويضيف البصيلي أن الأهالي حاولوا أكثر من مرة التواصل مع وزارة البيئة، لكن دومًا لا يجدون ردًا أو اهتمام من جهاز شؤون البيئة، في المقابل ليس أمام العاملين بصناعة الفحم النباتي بديل آخر، مطالبا وزارة البيئة بتوفير البديل، ومنحهم التراخيص اللازمة.

وتبلغ قيمة إجمالي ما تصدره مصر من الفحم النباتي إلى دول العالم المختلفة 11 مليون دولار، وفق تقارير وإحصاءات رسمية، ويتم تصدير إنتاج الفحم النباتي بالكامل من مصر يوميا بنسبة 70 % للدول العربية، والباقي لدول أوروبا وآسيا، وتحتل مصر المركز الـ11 على مستوى العالم في تصدير الفحم النباتي.

تقرير بيئي: 124 مكمورة بالبحيرة

يشير أحدث التقارير الصادرة عن وزارة البيئة بشأن مكامير الفحم، إلى أن عددها في مصر يصل إلى 3 آلاف مكمورة، يبلغ نصيب محافظة البحيرة منهم 124 مكمورة.

محمد سلطان- محافظ البحيرة الذي تولى مهام منصبه حديثا- قال إنه لم يتلقى بعد أي شكاوى بخصوص مكامير الفحم، لكن “المحافظة ستبحث هذه المشكلة”.

البيئة: لدينا خطة توفيق أوضاع

أما وزير البيئة خالد فهمي، فقد قال في تصريحات صحفية في مطلع سبتمبر الماضي إن وزارته تعمل على سرعة البدء فى تطوير منظومة مكامير الفحم وإحلالها بنظم أقل تلوثًا، وإن الوزارة أصدرت، بالتنسيق مع المحافظات، قرارات بشأن وقف أنشطة مكامير الفحم غير المطورة بدءًا من مطلع سبتمبر وحتى 15 نوفمبر المقبل “في إطار جهودها لخفض الانبعاثات الحرارية”.

غير أن فهمي كان قد أعلن في يوليو الماضي عن إعداد خطة قصيرة وأخرى طويلة الأجل لتطوير مكامير الفحم، نظرًا لشيوع استخدام الفحم النباتي من خلال الحرق المكشوف بهدف تفحيمه، مما يؤثر على الصحة العامة لسكان القرى والمناطق الريفية والمدن المجاورة لمواقع الحرق (مكامير الفحم).

وقال وزير البيئة إنه سيتم منع تصدير الفحم النباتي إلا بعد الحصول على شهادة توافق بيئي من الوزارة، حتى يتمكن أصحاب مكامير الفحم من استخدام أفران ذات تكنولوجيا عالية، لا تتسبب في تلويث البيئة.

ويعتقد فهمي أن هذا الإجراء سيدفع منتجي الفحم النباتي الذين يستخدمون طرق الحرق المكشوف لتوفيق أوضاعهم البيئية، بالتعاون مع الوزارة، لمنع الحرق المكشوف والانتقال إلى استخدام الأفران المطورة، وأن الوزارة وضعت 3 محاور لمواجهة المشكلة.

وكان الوزير نفسه قد أعلن في مايو الماضي عن إعداد وزارته خطة، بالتعاون مع وزارة الصناعة، لتطوير مكامير الفحم النباتي وتحويلها من الحرق المكشوف إلى الحرق في أفران تفحيم مطورة، ما يؤدي إلى إدراج الفحم ضمن الإنتاج الصناعي المعتمد، وتقنين أوضاعه. وهي الخطة التي كان قد تم الإعلان عن بدء العمل عليها قبل شهرين من الإعلان عنها.

ورغم الوعود والتصريحات والحظر الحكومي، إلا أن مكامير الفحم النباتي تواصل عملها في محافظة البحيرة وعدد من محافظات الدلتا دون توقف، ودون الالتزام بأدنى معايير السلامة للعاملين بها.

اعلان
 
 
محمد السعيد