Define your generation here. Generation What
عن الطرق اﻹبداعية لتمويل اﻷفلام، والنساء اللاتي قتلن أزواجهن
 
 

ربما يبدو اﻷمر مبتذلًا، لكن كان من الصعب أن أتوقف عن التفكير في اﻷداء المعقد، والمبهرج، والملئ باﻷلوان لتانجو الزنزانة من فيلم شيكاغو الذي تم إنتاجه في 2002، حين سمعت أن عائدة الكاشف تصنع وثائقيًا عن النساء المصريات اللواتي قتلن أزواجهن.

في شيكاغو، تبرر القاتلات لأنفسهن بشرح كيف كان أزواجهن مذنبين بالخيانة، أو اﻹساءة، أو في بعض اﻷحيان يمضغون اللبان بصوت عالٍ.

لا يحمل الفيديو القصير لفيلم الكاشف “يوم أكلت السمكة”، والذي نشرته بجانب مقدمة حول الفيلم على موقع التمويل الجماعي Indiegogo، أي تشابه مع فيلم شيكاغو. لكن الموضوع يحوز على هوس الفنانين والباحثين والصحفيين حول العالم.

طورت الكاشف اهتمامًا بالمسألة عندما اعتاد والدها (المخرج السينمائي رضوان الكاشف) تشجيعها على قراءة الصحف اليومية في سن صغيرة. حينها، في التسعينيات، كانت صفحات الحوادث بالصحف مليئة بقصص بشعة عن العنف المنزلي في كافة أرجاء مصر.

حاولت الكاشف اللعب مسبقًا بفكرة عمل فيلم روائي حول الموضوع في فترة دراستها بالمعهد العالي للسينما، لكنها لم تبدأ التنفيذ إلا بعد نشاطها مع “قوة ضد التحرش“، وهي مجموعة كانت تتدخل بشكل مباشر في حالات التحرش الجنسي الجماعي في ميدان التحرير أثناء التظاهرات في عامي 2012 و2013. كان هذا هو الوقت الذي قررت فيه تنفيذ الفيلم، هذه المرة كوثائقي.

“حين شهدت حوادث التحرش الجنسي الجماعي هذه، شعرت بالغضب. انتابني، بشكل شخصي، الكثير من الطاقة العنيفة”، تقول الكاشف، مضيفة: “شعرت بالوحدة. بدأت في اكتساب أفكار وتخيلات تفيض عنفًا. واكتشفت أن من واجهن حوادث التحرش يشعرن بأشياء مماثلة. لهذا أردت زيارة النساء اللواتي قررن اللجوء للخيارات اﻷصعب، الخيارات التي لا سبيل للتراجع عنها. إلى أين يمكنك أن يقودك العنف؟ هذا هو ما قررت استكشافه، من جانبه اﻹنساني البسيط”.

بدأت الكاشف، التي تبلغ من العمر 27 عامًا، عملها مع الصحفية والناشطة رشا عزب، والتي كانت محبوسة في 2006 في العنبر نفسه مع نساء ارتكبن جرائم قتل. قامت عزب بتوثيق العديد من الحكايات التي سمعتها ﻷول مرة خلال هذا الوقت، وساعدها طاقم للبحث بشكل أوسع في المسألة، بينما يصارعون من أجل الحصول على تصاريح للتصوير من خمس هيئات حكومية مختلفة.

وبعد عام ونصف العام تمكنوا من الحصول على تصاريح، وبدأوا التصوير في سجن القناطر. وبعد العديد من المقابلات، قاموا بتضييق نطاق مواضيعهم، واستقروا على اختيار أربع نساء.

لكن الطاقم وصل لتلك النقطة التي يواجهها صناع اﻷفلام المستقلين على الدوام: لم يعد هناك ما يكفي من النقود. حصل الفيلم على تمويلات التطوير وجزء من تكلفة اﻹنتاج قدره 10 آلاف دولار من المنظمة غير الحكومية ACT، إلى جانب 12 ألف دولار من مهرجان أبوظبي السينمائي.

وتقول الكاشف إنه “إذا جاء الشهر المقبل دون أموال، لن يتوقف الفيلم. لكنني سأضطر للعمل بمفردي تمامًا. سيستغرق اﻷمر وقتًا أطول، ولن يكون هناك ما يكفي من أموال مطلوبة للتصاريح، واستخدام اﻷرشيفات، والمعدات، وغيرها”.

وعلى الرغم من أن طاقمها متعاونٌ للغاية، إلا أنها لن تطلب من أحد أن يعمل دون مقابل. “لا يمكنك المحافظة على صناعة بهذه الطريقة”، توضح الكاشف.

حاولت الكاشف وطاقمها التقديم للحصول على تمويلات عديدة، لكنهم قوبلوا للرفض. لا يوجد العديد من التمويلات الموجهة لدعم السينما المستقلة، وسط منافسة إقليمية ودولية شرسة.

لكن التمويل الجماعي ليس سهلًا أيضًا بكل تأكيد. يتطلب تصميم حملة تمويل جماعي ناجحة العديد والعديد من الموارد. لن يؤدي نشر فيديو قصير مع نص مصاحب على اﻹنترنت إلى نتائج بشكل سحري، فالتخطيط الذي لا ينتهي ﻹطلاق الحملات وتسويقها ونشرها عبر شبكات مختلفة، ومعرفة ما الذي يمكن أن يدفع الناس للتبرع فعلًا، هو العامل المحوري وراء كل حملات التمويل الجماعي الناجحة.

“لكن كل مليم نقوم بتجميعه يجلب الكثير من السعادة، ﻷنه قادم من الجمهور الذي يدعمنا وينتظر مشاهدة الفيلم، وليس من لجان تحكيم تقوم بتقييمنا فكريًا وفنيًا، وهو التقييم الخاضع لمقاييسهم الشخصية”، تقول الكاشف، مفسرة: “التقارير التي صاحبت خطابات الرفض التي حصلنا عليها ردًا على طلبات تمويلنا تسببت في اهتزاز ثقتنا الشخصية في المشروع. لكن التمويل الجماعي جعلنا نشعر بالدعم، بشكل عاطفي وليس على أساس مالي.”

كانت الكاشف قد تمكنت من الانتهاء من فيلمها القصير اﻷول “حدوتة من صاج” المبني على حكاية حقيقية عن عاملة جنس (مشاهدته متاحة على اﻹنترنت هنا)، معتمدة على أموالها الشخصية، إلى جانب منحة حصلت عليها من المنظمة غير الحكومية كرامة.

ليست الكاشف أول من قرر اللجوء للتمويل الجماعي من صناع الفيلم المستقلين المصريين. تقوم الفنانة البصرية وصانعة اﻷفلام هالة القوصي حاليًا بحملة تمويل جماعي لفيلمها زهرة الصبار. وفي يناير 2013، تمكن صانع اﻷفلام شريف القطشة من تجميع 33 ألف دولار ﻹنهاء إنتاج فيلمه الوثائقي “طرق القاهرة” عن زحام المرور الشديد. وفي 2011 و2013، قام عمر روبرت هاميلتون بتجميع ما يقرب من 30 ألف دولار عبر حملتين من أجل فيلمه الفلسطيني “مع أني أعرف أن النهر قد جف”.

وبعد إطلاق فيلمه، أخبر هاميلتون “مدى مصر” أن التمويل الجماعي له تأثير إيجابي فقط بسبب محدودية فرص التمويل اﻹقليمية، ومشكلات الدعم الحكومية للفنون، وقلة المؤسسات ذات الثقة.

لكن التمويل الجماعي لا يأتي دون سلبياته. فبسبب محدودية استخدام الدفع عبر اﻹنترنت وبطاقات الائتمان في مصر، تضطر معظم الحملات على الاعتماد على الشبكة الدولية لصاحبها (وهو ما امتلكه صناع اﻷفلام المذكورين لحسن الحظ). بدون هذا، يمكن القول أن التمويل الجماعي ليس له فائدة. تشير الكاشف مع هذا إلى أنها حاولت استضافة مبادرة تمويل جماعي على اﻷرض حين بدأت العمل في الفيلم.

صانع اﻷفلام محمد حماد، عمره 33 عامًا، وهو صاحب فيلمين روائيين قصيرين تم استقبالهما جيدًا هما فيلم “سنترال” في 2007، وفيلم “أحمر باهت” في 2009، وكلاهما يشتبك بقوة مع قضايا النساء، باﻹضافة إلى العديد من الوثائقيات القصيرة. يقول حماد لـ”مدى مصر” إنه سيفكر في التمويل الجماعي في مشاريعه المقبلة.

“بشكل ما، يجعل التمويل الجماعي عملية إنتاج أفلام أكثر ديموقراطية، حيث يحصل الجمهور على فرصة لدعم اﻷفلام التي يريدون مشاهدتها في السينمات”، يقول حماد، مضيفًا أن “التمويل الجماعي يساعد في الترويج وتوسيع دوائر الوفاء للفيلم”.

يحاول حمادعمل مقاربة قد تبدو أكثر تطرفًا: نموذج إنتاج بدون ميزانية لفيلمه اﻷول الطويل الذي لم يستقر على اسمه بعد، والذي لم يتكشف محتواه بعد. كل من يعمل على إنتاج الفيلم يعتبر مالكًا له، ويحصل على نسبة من أرباحه، والهدف هو إطلاق الفيلم عبر دور العرض في نسخة تجارية.

تشارك عائلة حماد في أدوار تمثيلية، إلى جانب تطوعهم باستخدام منازلهم ومتجر والده كأماكن للتصوير. “لا تهتم عائلتي بالسينما حقًا، ويفضلون إذا عملت كمهندس. لكنهم في هذا اللحظة يريدون مساعدتي”، يقول حماد، مستكملًا: “أظن أنهم يشعرون باﻷسف من أجلنا. لكن في كل اﻷحوال، أنا ممتن لهم بشدة”.

عمل حماد مع مجموعة من اﻷصدقاء كطاقم عمل في أعماله السابقة، ويشترك في أعمالهم في المقابل، وتمويلهم بنفس الطريقة. وعلى الرغم من أنهم لم يعرضوا في أي سينمات باستثناء “زاوية”، ﻷن اﻷفلام القصيرة لا تصدر في نسخة تجارية، إلا أن حقوق البث قد تم بيعها لقنوات تليفزيونية في أوروبا.

يحاول حماد التجريب بخصوص نموذجه اﻹنتاجي لعمل فيلم طويل ﻷنه ليس راضيًا عن الخيار اﻷول أمام صناع اﻷفلام المستقلين: المنح.

يقول حماد إنه على الرغم من أن دخول هذه المنح لصناعة السينما في بداية اﻷلفينيات ساعد صناع اﻷفلام غير التجاريين، إلا أنه كان إشكاليًا؛ ﻷنه بمجرد تغطية ميزانية الفيلم، يقوم صناع اﻷفلام بإخراج الجمهور من اعتباراتهم. “السينما أحد أشكال الفن الموجه للناس”، يوضح حماد. “أريد أن أصنع أفلامًا أؤمن بها، لكن مع اﻷخذ المستمر في الاعتبار كيف سيستقبل الجمهور الفيلم”.

تؤكد الكاشف على هذا: “على الرغم من أنني صانعة أفلام مستقلة، إلا أنني مرتبطة للغاية باﻹصدار في دور العرض، كي يشاهد الناس أفلامي في السينما ويدفعوا تذاكر من أجلها، ﻷن هذا هو الطريق الوحيد للاكتفاء الذاتي. أريد دخول السوق باﻷفلام التي أريد أن أصنعها، وأريد أن أكون جزءًا من هذه الصناعة”.

“المعركة هي في كيفية أن نثبت كمجتمع أن لدينا ما نقدمه”، تقول الكاشف، مختتمة: “ولن يحدث هذا حتى يطلب الناس مشاهدة هذه اﻷفلام”.

 
اعلان
 
 
روان الشيمي