Define your generation here. Generation What

عن الخوف

(1)

كان الجرح الغائر ينزف من القط الذي نقوم بتربيته. هاتفنا الطبيب البيطري الذي جاء ليرى ماذا يحيق به. قال إنّه يحتاج إلى حقنة مضاد حيوي فوراً ليسترد العافية ويضمد الجرح. أمسكنا بالقط المذعور، أحس الحيوان بالفزع عندما شاهد الطبيب، بينما كان وديعاً معنا. تقول الأساطير إن الحيوانات تستطيع كشف الإنسان أكثر مما يفعل بنو آدم. تصاعد مواء القط والطبيب يلدغ فروه بإبرة ادعى أنّ الشفاء فيها. في لحظات ارتفع المواء ليصبح أنينا، عينا القط تحجرّتا بالدموع، ومثانته انفجرت بالبول من فرط الخوف، أتم عامه الأول ولم يبلل نفسه مرة واحدة. طلب الطبيب مائتي جنيه، أخذها وساءت حالة القط، حتى ذهبنا به لطبيب آخر عالجه بأقل من ربع المبلغ دون أن يطلق القط صرخة واحدة. يبرر: “الحيوان زي الإنسان، لو حس بالخوف بيفقد السيطرة”.

(2)

عندما قابلت أحد أقاربي الذي أحيل للمعاش منذ أعوام خمسة، سألته بتكرار أصابه بالملل، عن الحال والأعمال. توقّعت أن يجيبني كالمعتاد “الحمد لله ماشية”. أجابني: “مستنّي الموت، الحكومة تدينا ورقة الموت، وبتسميّها ورقة المعاش”. يحكي عن عمره الذي تجاوز الستين، عمله المدهش الذي أداه بمهارة بالغة حتى اليوم الأخير، يومه الرتيب الآن، الاستيقاظ مبكراً، الإفطار مع زوجته التي أحيلت للتقاعد هي الأخرى، الكلمات النادرة التي تخرج منهما، طال بهما العمر واستنفذا معاً الحكايات وأصبحت الذكريات خطراً يحدق بهما، حيث ترسّخ لأن النسيان أكل جدران الماضي، وأن الحياة لا تهيئ لهما تكوين أحداث جديدة. بدأ الدخول إلى عالم الإنترنت كفاصل مسل قد يغنيه عن شاشة التلفزيون التي تصيبه بالتوتر، وجد الإنترنت رحباً أكثر مما يتسع له عالمه الضيق. يسعد بالأعياد التي تملأ البيت بالأولاد والأحفاد، لكن الأعياد تمر سريعة كما يمر العمر.

ينظر في صورته أيام الشباب قبل أن يسقط الشعر وتتآكل الأسنان ويترهل الجلد، يتذكّر أن زوجته لم تكن حب حياته، يزجي الوقت أحياناً بالانشغال في التفكير فيما لو تزوّج صاحبة أول قصة حب عاشها، هل كانت حياته ستؤول إلى الحالة التي يحياها، هل خطفها الموت أم تزوجت ممن جعلها تنساه؟ يحب أن يقارن بين الحب منذ أكثر من أربعين عام والحب هذه الأيام، لا يعرف كيف يلتقي ابنه وخطيبته يومياً ثم يستمران بالساعات على الهاتف يتكلمان، يخبره “مش حيفضل لكم كلام بعد الجواز”، يذكّره بهاجس الخرس الذكوري الذي تخافه كل امرأة تقبل على الزواج.

هرع إلى صندوق احتفظ فيه بخطاباته لحبيبته بينما كان يؤدي الخدمة العسكرية. كان يقول لها إن الحب بينهما لن يموت مهما طال العمر. أخبرها ألا تخاف ولا تبتئس بغيابه الاضطراري، لكنه غاب وتركت له رسالة في آخر مرة رآها في حياته، قالت “أنا خايفة”. لم يحتفظ بتلك الرسالة بالذات، ألقاها في نيل يطوي كل وردة وقاذورة وجثة متعفنة سوياً.

هذا الرجل الآن يكتفى بالانتظار، الانتظار الممض الذي يقتل الإحساس بالفرح، يذيع التوتر وينشر الخوف من المجهول الذي لا يأتي.

(3)

“الحمدلله إننا منعرفش الغيب ولا هنموت إمتى ولا إيه اللي هيحصل وحاولت أتخيل لو كنت أعرف كنت اترعبت.. وإحنا راكبين الخيل سرحت.. عمر سألني سرحانة في إيه.. وكنت بفكر خايفة الوقت يخلص وإحنا مع بعض.”

إسراء الطويل، المحبوسة احتياطياً منذ أكثر من 130 يوم في أولى رسائلها من المحبس

(4)

في مطعم سوري من المنتشرين بمنطقة السادس من أكتوبر تشاجر مصري مع صاحب المحل، ولكم بقبضته صفا طويلا من علب البيتزا الفارغة لتفترش الأرض بدلاً من البلاط. ردد كلمات من نوع أنّ عليه أن يعامل الناس بقدر أكبر قليلاً من الاحترام لكونه ضيفاً على البلد ينال من رزق أهلها. سبب الشجار تأخر نزول الطعام. لم يقبل تدخّل من يرغبون في إنهاء الخلاف. هذا الرجل في مطعم من سلسلة مطاعم غربية سوف يأكل فأراً مقلياً بابتسامة واسعة. في نهاية الشجار قبّل صاحب المطعم السوري رأس ذي الحنجرة السافلة، رأيت في عين صاحب المطعم نظرة خوف لا يمكن نسيانها.

بانتشار صورة الطفل إيلان على الشاشات، ومن بعده نجل أسامة الغضب الذي عرقلته المراسلة المجرية، انشغلت الميكروفونات بالدعاء للشعب السوري. الأطفال يثيرون العاطفة أكثر من غيرهم، لكن الأطفال يموتون في سوريا منذ أعوام. عملت مرة في برنامج سوري قدّمته قناة خاصة، كانت مقدّمة البرنامج تصاب بالخوف كلّما قرأت خبر مجموعة جديدة من الضحايا، تتذكر والدتها التي مازالت هناك على الأرض حيث رفضت المغادرة. تفكّر في عائلتها التي تفرّقت بعد أن كانت المشروبات الساخنة تدفئهم في الشتاء مجتمعين يشاهدون ما استجد من الدراما. أخاف أن أصاب بالتبلّد الذي يحوّل الموت والحرب والدم إلى خبر قد لا يتصدر الصفحات الأولى للجرائد في مقابل أخبار الصفقات الكروية والسياسية.

هل فكرّت لمرّة في السبب الذي دفع الملايين من السوريين للهجرة؟.. إنّه الخوف.

(5)

يستعيد الناس هذه الآونة ذكرى زلزال 92، الذي أصاب حوائط المنازل بالتشقق وعقول الناس بالتصدّع من فرط الخوف. أن تشاهد كل ما ومن حولك يصابون برجّة عنيفة، تدخل في شبه اليقين بأن الساعة قد حان أوانها، وأنّك بعد قليل سوف تكون أسفل ركام عمارتك. هرولت الأسرة كلها من المنزل، إلا الأب الذي رأى أن الهرب من المنزل لن يمنع الموت، ولن يقضي على الخوف. ربما سيموت في ذلك الزلزال لأنّه تغلّب على خوفه.

أرى ذلك وأنا أشاهد الشباب في فلسطين الذين مازالت القضية في قلوبهم ليست علماً يرفع في الأمم المتحدة، أو رضوخا بدولة اغتصبت الأرض واستباحت القتل، هؤلاء الذين لم يذعنوا لاستمرار العنف من المستوطنين فقرروا الدفاع عن ما تبقى من كرامة ولو كان دحر الخوف يساوي حياتهم.

(6)

مثل آخرين أنا، حين يستبد بهم الحنين لأغنية، يسمعونها عشرات المرات، تحاصرهم. مؤخراً تلفني أغنية “ضحكة المساجين”، لا تمر في أذني إلا جملة “طوبى لكل المسجونين باطل”. أعرف أن الراحل الأبنودي كتبها إهداءً لعلاء عبد الفتاح، أفكّر في شعور علاء عندما رحل الأبنودي وكان حبيس جدران باردة لا تسمح للمشاعر بأن تأخذ الحيز المناسب. يظهر في ذهني المثقل عبد الرحمن عارف الذي حضر حفل خطوبتي في اللحظات الأخيرة، ولم يسمح له السجن بحضور الفرح. ما الذي يستحق؟ أخاف. أشعر بالخوف الشديد، هل يشعرون بالخوف وهم ينامون كل ليلة بعيداً عن حضن الأحبة وونس الأصدقاء؟ مجرّد التفكير في ذلك يصيب بحالة من اليأس. يقول الأبنودي “طوبى لكل المسجونين باطل”، ويقول نجيب محفوظ في حكايات حارتنا “طوبى للحمقى فهم السعداء”. أحس أن العم نجيب أردف جملة: ولا يشعرون بالخوف، وكشطها في المسودة النهائية.

(7)

ما الذي تخافه؟ فقدان العمل الذي يمنحك المقدرة على تحمّل المسؤولية؟ موت الأحبة الذين لا يتركون لك إلا مواقف لا تعين نعمة النسيان على أن تسود؟ الجلوس في صالون/ كافيه لتخضعي للمعاينة؟ ألا تتحقق؟ أن تصل للثلاثين دون أن تنظر أمامك؟ ألا تردد جملة “أحلم في العام القادم”؟ الموت في وطن لا يقدّر قيمة الشهيد؟ ألا ترى جدك/ جدتك في الحلم؟ انتظار الموت على المعاش؟ الاضطرار إلى الهجرة؟ التعلّق بوعد الحب في مواجهة الضغوط؟

يقول نجيب محفوظ في أولاد حارتنا إن الخوف لا يمنع من الموت، لكنه يمنع من الحياة. ربما كان محقّا، ولكن فقط عندما نستطيع أن نمتلك القدرة الكاملة على السيطرة على مشاعرنا.

 

اعلان