Define your generation here. Generation What
“مدى مصر” في صعدة: مدينة الموت والنزوح
 
 

صعدة – تمطر الصواريخ على اليمن منذ أعلنت المملكة العربية السعودية تحالفها العسكري المكون من عشر دول لبدء ضربة جوية واسعة النطاق يوم 26 مارس الماضي، في محاولة منها لشل يد التمرد الحوثي الذي استولى فجأة على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وإعادة حكومة عبد ربه منصور الهادي المعترف بها دوليا، والذي غادر البلاد هربا بعد الهجوم الحوثي.

تمكنت الحملة من دفع الحوثيين إلى خارج المدن الجنوبية الكبرى، بما في ذلك مدينة عدن الاستراتيجية، وجاء الدور على الشمال وعلى مدينة صعدة بالأساس، محل نشأة الحوثيين، والتي تعرضت حتى الآن لأعنف الضربات الجوية.

مستشفى الجمهورية هي الوحيدة التي لازالت تعمل في المدينة، وفيها ترقد سوادة حسين (42 سنة) بساقين مكسورتين. سوادة هي الناجية الوحيدة من الضربة الجوية التي أصابت منزلها في أوائل شهر أغسطس لتقتل زوجها وأبناءها الأربعة.

تتذكر سوادة: “كنت أقف لأصلي المغرب. لحظة سجدت ولمست جبهتي سجادة الصلاة انهارت الحجرة على رأسي. صرخت بأعلى صوتي طلبا للمساعدة ثم لم أشعر بشيء”. وتضيف في عدم تصديق: “كل أولادي ذهبوا”، فتنهار زوجة ابنها الجالسة بجانبها في البكاء، مبللة النقاب الأسود الذي يغطي وجهها.

تصنف لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو مدينة صعدة ضمن أعرق المدن في اليمن. لطالما عانت المدينة من الإهمال والتهميش، لكنها عاشت على موارد أنشطة التهريب والاتجار بعيدا عن عيون الحكومة المركزية. اليوم تكاد صعدة تكون معزولة تماما عن العالم.

قصفت الطائرات الحربية محطات الطاقة وأبراج الاتصالات، فأصبحت صعدة تغرق في الظلام بعد غروب شمس كل يوم. تمكن رؤية بعض الأنوار هنا وهناك وسط أزمة شديدة في الوقود، باستثناء بعض المنازل التي تملك مولداتها الكهربائية الخاصة والتي يشقى أصحابها في شراء الوقود من السوق السوداء؛ ذلك أن الطائرات الحربية قصفت الناقلات التي تحمل الوقود من الأقاليم الجنوبية.

في طريق “مدى مصر” إلى صعدة كانت هياكل السيارات المحترقة تصطف على جانبي الطريق الممتدة بطول الجسور التي تم تفجيرها. وقف مقاتلو الحوثيين المسلحون ببنادق AK-47 وأغلبهم من صغار السن يمضغون القات وهم يحرسون الكمائن في مداخل ومخارج المدينة. أحدهم يدعي أنهم أمسكوا برجال متنكرين في ثياب النساء السوداء في محاولة لدخول المدينة وتفجيرها.

تحيط المحلات المحطمة بالشارع الرئيسي في وسط المدينة، جنبا إلى جنب مع النوافذ المهشمة والبوابات الحديدية الملتوية والمتشابكة. المباني الحكومية والبنوك والمدارس وأقسام الشرطة كلها تمت تسويتها بالأرض. ويقدر المسئولون المحليون أن نصف السكان هجروا منازلهم، لكنهم لا يملكون أي أرقام أو معلومات بشأن الأماكن التي توجهوا إليها أو ما إذا كانوا قد تركوا المدينة.

Demolished main street in Saada, Yemen

Demolished main street in Saada, Yemen

كانت السعودية قد شيطنت صعدة باعتبارها مصدر إمدادات الحوثيين ومقر قيادة عملياتهم ومعسكرات التدريب ومخازن السلاح. ويعتقد أن عبد المالك الحوثي، قائد المتمردين، يختبئ في جبال مران، على مسافة أربع ساعات من المدينة.

تقع صعدة على الحدود مباشرة من المملكة الغنية بالنفط، ما يجعلها هدفا سهلا، وإن كان أيضا هدفا غير مستقر. فالميليشيات الحوثية من صعدة تقوم، بحسب التقارير، بشن هجمات عبر الحدود. كما عرضت قناة المسيرة الإخبارية التابعة للحوثيين فيديو ادعت- كاستعراض للقوة- أنه تم تصويره من داخل الأراضي السعودية.

قامت القوات السعودية بغزو مناطق من صعدة لصد هذه الهجمات المسلحة، بحسب المتحدث باسم التحالف أحمد العسيري في لقاء مع قناة الجزيرة القطرية في أواخر شهر أغسطس، واصفا الهجمات الحوثية بأنها “محرقة واستمرار في السلوك العبثي”.

وأضاف العسيري: “لا يوجد لدى القوات السعودية وقوات التحالف أي أطماع في الأراضي اليمنية، وهذا شيء مؤكد وقطعي، وإنما هو هدف تكتيكي لمنع الميليشيات الحوثية وقوات المخلوع صالح من الاستفادة من المواقع التي يسيطرون عليها والتي تشرف على مواقع سعودية”، مشيرًا أن هذا العمل منذ بداية العمليات ولا جديد فيه.

واستطرد: “تواجه الميليشيات الحوثية صعوبات داخل اليمن في أكثر من محافظة وخسائرهم كبيرة، وبالتالي يعتقدون الآن أنهم بحاجة لرفع معنويات جنودهم من خلال استهداف مواقع حدودية سعودية والتي ازدادت وتيرتها خلال الفترة الماضية”.

وشدد العسيري أن التحالف يحاول القضاء على مصادر هذه الهجمات، وأن يطرد الحوثيين من مواقعهم الحالية القريبة من الحدود السعودية ويمنع عودتهم إليها.

تم إعلان صعدة هدفا عسكريا للمرة الأولى يوم 8 مايو الماضي، بعد أن نفذ الحوثيون هجمات داخل الأراضي السعودية. حذر التحالف العسكري السكان وقتها مطالبا إياهم بالجلاء عن المدينة قبل غروب الشمس. وقد هرب الكثير منهم، إلا أن الكثيرين أيضا حوصروا وسط تبادل النيران لأنهم لم تكن لديهم أماكن يلجئون إليها.

في اليوم التالي حذرت الأمم المتحدة أن “مثل هذا القصف العشوائي لمناطق سكنية” يعد بمثابة انتهاك للقانون الدولي.

لكن التهديد ذهب أدراج الرياح.

حين قامت منظمة هيومان رايتس ووتش بزيارة صعدة في شهر مايو، ذكرت المنظمة الحقوقية أن الصور الملتقطة بواسطة القمر الصناعي أظهرت 210 موقعا تعرضت للتدمير في أماكن متفرقة من المدينة، وأن الصور تشير إلى أن التدمير تم عن طريق القصف. وقد استمر القصف الجوي منذ ذلك الوقت حتى الآن. يقول علي المتميز، المسئول المحلي في جماعة أنصار الله – كما يسمي الحوثيون أنفسهم- إن صعدة تعرضت لمئات الضربات الجوية خلال فصل الصيف.  

Bombarded school in Saada, Yemen

Bombarded school in Saada, Yemen

عبد الله الإبي، حلاق يبلغ من العمر 50 عاما، مصاب بكسر في الفك والجمجمة. يتذكر عبد الله حين أصابت الضربات الجوية منزله وقتلت 27 من أفراد عائلته. “في لحظة واحدة تحول منزلي لمقبرة لسبع وعشرين روحا”، يقول وهو يجول بنظره بين ركام الأنقاض التي كانت يوما ما منزل العائلة. وسط أعمدة الحديد الملتوية وكتل الخرسانة يشير عبد الله إلى عربة الأطفال الخاصة بحفيده المقتول وفساتين بناته الملونة والأثاث المدمر لزوجتيه. لم تبق سوى ثريا مذهبة معلقة من سقف حجرة النوم المدمرة. قبل أن يعود عبد الله إلى محل الحلاقة الذي يعيش بداخله الآن يقول: “الحلي الذهبية لزوجاتي وأموال أبنائي وحياتي كلها ضاعت. ماذا أفعل؟”.

القذيفة التي هدمت منزل عبد الله وأبادت عائلته كانت على الأرجح تستهدف المركز الثقافي التابع للحوثيين في الجهة المقابلة من الشارع، والذي تم تدميره بالمثل. 

Abdullah al-Ibbi

Abdullah al-Ibbi

على بعد بضعة كيلومترات خارج صعدة يقع وادي صعدة الذي شهد أسوأ عملية قتل جماعي منذ بداية الهجمات الجوية. في شهر يونيو الماضي قتلت الصواريخ 50 مدنيا على الأقل حين ضربت ثمانية منازل طينية عتيقة على سفح جبل ضخم. كان أغلب الضحايا ينتمون إلى عائلة أرام الممتدة، وكانوا يعيشون على زراعة حقول القات.

يتذكر عبد اللطيف عييدة (23 عاما): “كانت ضربة مباشرة هدمت ثمانية منازل وأحدثت عاصفة ترابية فورية. وبعد نصف ساعة تلتها ضربة ثانية قضت على الناجين”، مضيفا أن القرويين كان عليهم أن ينتظروا حتى اليوم التالي للبحث عن أقاربهم خوفا من المزيد من القصف.

الجزء القديم من المدينة محاط بسور يبلغ طوله ثلاثة آلاف متر. من وراء هذا الحائط وقفت امرأة تبكي وهي تتذكر الأيام التي سبقت هروبها وأسرتها من منزلهم.

“كنا نموت كل يوم من الخوف” تقول السيدة التي طلبت عدم ذكر اسمها، وهي تشير إلى آثار الشظايا على الحوائط داخل منزلها. من نافذتها تشير السيدة إلى مبنى الجمارك المدمر الذي يرجح أنه كان المستهدف من القصف الجوي، قبل أن تستطرد: “حين أسمع صوت الطائرات الآن أشعر بتوتر شديد. أشعر بجسدي كله يرتعش وأسرع إلى أي حجرة لأجلس وحدي. من قبل لم أكن أهتم كثيرا بكلمة “التشريد”، لكني الآن ذقت طعمها”.

تتهم السعودية الحوثيين بشن الحرب نيابة عن إيران. ويعتقد المراقبون أن المملكة- التي فشلت في مواجهة التأثير الإيراني في بقاع أخرى في المنطقة مثل سوريا والعراق- تضرب اليمن بقسوة لكي تعالج كبرياءها المجروح.

“نحن لم نفعل شيئا. نحن لسنا حوثيين. نحن حتى لا ندعمهم. لماذا لا تحارب السعودية إسرائيل وتحرر فلسطين بدلا من ذلك؟ لماذا نحن؟” تتساءل امرأة أربعينية في المدينة القديمة.

تقول هيئات الإغاثة الدولية إن النزاع تسبب حتى الآن في مقتل 5269 شخصا على الأقل، من بينهم 4493 مدنيا بين قتيل ومصاب على أقل تقدير. يضاف إلى ذلك نحو 1.5 مليون شخص اضطروا إلى النزوح داخليا. 21 مليون شخص (80% من إجمالي سكان اليمن) أصبحوا اليوم في حاجة إلى المساعدات الإنسانية، بحسب تقديرات الأمم المتحدة. وذكرت إحدى هيئات الأمم المتحدة في أغسطس الماضي أن البلاد على شفا مجاعة، حيث يعاني ما يقرب من 13 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي.

تسبب العنف كذلك في حالة انقسام شديد إقليميا وقبليا وسياسيا وطائفيا. فالجنوب، حيث معقل حركة انفصالية قوية وحيث تأثرت المنطقة أكثر من غيرها بالحملات العسكرية للحوثيين، انضم إلى حكومة المنفى والتحالف السعودي. لكن الشمال، حيث أغلب السكان من أتباع الطائفة الزيدية (نفس المذهب الشيعي الذي يتبعه الحوثيون) والذي تعرض أكثر من غيره لوحشية العمليات العسكرية بقيادة السعودية، ليس أمامه اختيار آخر سوى الوقوف في صف المتمردين. كما أحيا حجم الدمار مشاعر الكراهية القديمة تجاه المملكة المجاورة، ويخشى الكثيرون من أن سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها السعوديون قد حولت اليمن إلى مرتع للتمرد.

يقول الكاتب اليمني نبيل سباعي: “الهجوم السعودي أضر بالمواجهة التي كانت حتما ستحدث بين الشعب وبين والحوثيين. لقد صب في مصلحة الحوثيين.”

إلى جوار منزل عائلة الإبي المدمر ومحل الحلاقة الخاص به توجد بيوت طينية يسكنها العمال الذين هربوا أثناء حرب الخليج عام 1990، حين أعادت السعودية أكثر من مليون عامل يمني إلى اليمن عقابا على وقوف اليمن وقتها إلى جانب العراق.

“نحن نشاهد الموت في كل يوم” يقول صالح سلمان، الذي يسكن أحد هذه المنازل مع أبنائه الأحد عشر. يضيف سلمان أنه كان واحدا من مئات الآلاف من المرحلين المعاقبين بسبب تحدي حكومتهم للسعودية في التسعينات، ويقول “اليوم يعاقب اليمنيون مرة أخرى”.  

 

اعلان