Define your generation here. Generation What
دخلنا مجلس الأمن…فماذا عن سياستنا الخارجية؟
 
 

حصلت مصر بالأمس كما كان متوقعا على المقعد غير الدائم المخصص لإقليم شمال إفريقيا في مجلس الأمن، وهو أيضاً المقعد العربي الذي يتم التناوب عليه بين إقليمي شمال إفريقيا وغرب آسيا، لضمان وجود تمثيل عربي في المجلس. ومن شأن حصول مصر للمرة الخامسة على المقعد العربي غير الدائم أن يضيف المزيد من القضايا إلى أجندة الدبلوماسية المصرية المزدحمة بالفعل، خاصة في ظل اشتعال عدد من ملفات السياسة الخارجية المصرية على أكثر من جبهة.

حين بدأ القصف الجوي الروسي في سوريا، توجهت أنظار عدد من المراقبين إلى القاهرة في انتظار الموقف المصري من التطور النوعي الجديد في نزاعات المنطقة.

يفتح الاشتراك الروسي العسكري في المعارك المشتعلة التي تدور اﻵن في المنطقة الباب أمام ترتيبات جديدة. في سوريا، تستمر الحرب اﻷهلية: تنظيم الدولة اﻹسلامية في معارك تمتد عبر سوريا مع نظام اﻷسد وجبهة النصرة والمسلحين “المعتدلين” المدعومين غربيا وخليجيا، وتمتد عبر العراق مع اﻷكراد والشيعة العراقيين المدعومين من إيران، والتي تقدم دعما متواصلا لنظام بشار اﻷسد.

في المقابل،  ترفض المملكة العربية السعودية نظام بشار اﻷسد وتصمم على ضرورة رحيله في أي صيغة تناقش حلا للوضع السوري. لكنها ترفض كذلك تنظيم الدولة اﻹسلامية باعتباره خطرًا يقبع على حدودها الشمالية. وعلى حدودها الجنوبية، تخوض المملكة معركة أخرى في اليمن مع الحوثيين المدعومين أيضًا من إيران، فضلا عن الوجود القوي والمتوسع لتنظيم “القاعدة في الجزيرة العربية”.

على المستوى الدولي، تكسب إيران أرضًا جديدة بعد إبرامها اتفاقًا مع الولايات المتحدة وأوروبا لحل خلافاتهم، وهو ما قد يسمح ﻹيران بدخول سوق النفط الدولي مرة أخرى، الأمر الذي قد يتسبب في انخفاض جديد في أسعار البترول، بينما مازالت دول الخليج وعلى رأسها المملكة تترنح من وطأة الانخفاض اﻷول.

على خلفية المشهد، تستمر طائرات التحالف الدولي في قصف بعض مواقع للدولة اﻹسلامية وجبهة النصرة، وهو التحالف الذي أيدته مصر دون مشاركة عسكرية فيه في سوريا والعراق، لكنها شاركت بتوجيه ضربات جوية لتنظيم الدولة اﻹسلامية في ليبيا. فضلا بالطبع عن مشاركة القوات البحرية والجوية في التحالف العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن، حيث يمتد النزاع وتتزايد تكلفته البشرية على المدنيين دون أفق لحل قريب.

في مشهد معقد كهذا، فإن كل خيارات الدولة المصرية مريرة. فبعد شهور من محاولات بناء علاقة قوية مع روسيا كمحاولة لاكتساب حليف يحسن من شروط التفاوض مع الضغوط الغربية، لا تستطيع مصر المغامرة برفض التدخل الروسي في سوريا، خصوصًا مع تأييدها المسبق لتدخل التحالف الدولي.

لكن وعلى المقابل، فإن التدخل الروسي، بما يعنيه من دعم عسكري ولوجيستي وسياسي لنظام اﻷسد ومن ورائه إيران، أمر ترفضه دول الخليج وعلى رأسها السعودية بشدة. لهذا فإن تأييد مصر للضربات التي توجهها روسيا في سوريا جاء ضمنيا ومتأخرا وخجولا، يحمل مغامرة بعلاقتها بدول الخليج، وهي الحليف اﻷكبر والداعم السياسي والمالي اﻷهم للنظام المصري منذ إزاحة القوات المسلحة لجماعة اﻹخوان المسلمين عن الحكم، وتولي الرئيس عبدالفتاح السيسي الحكم.

وبسبب تعقيد المشهد، انتظرت اﻷطراف العديدة موقف مصر من التطور الجديد. ومع بداية الضربات الروسية في سوريا يوم اﻷربعاء 30 سبتمبر، لم يصدر أي موقف مصري بالتأييد أو الرفض. وبعد سبعة أيام من الصمت، أعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري في مقابلة تليفزيونية مع قناة العربية تأييد مصر للتدخل الروسي، وقال إن “دخول روسيا بما لديها من إمكانات وقدرات في هذا الجهد هو أمر نرى أنه سوف يكون له اثر في محاصرة الإرهاب في سوريا والقضاء عليه.”

ومع هذا، حرص الوزير على أن يبعث برسالة طمأنة إلى الحلفاء في السعودية وباقي دول الخليج، واختتم شكري تصريحاته بأن طلب من إيران أن تتصرف كـ”طرف ينتهج سياسات إيجابية في المنطقة.”

تمثل تصريحات وزير الخارجية المصري مثالا جيدًا على المنهج الذي تتخذه الدولة المصرية تجاه الملفات الخارجية الملحة. على الرغم من حساسية الموقف، وتضارب مواقف حلفاء مصر في اﻷزمة السورية، إلا أن السياسة الخارجية المصرية أصبحت تمثل محاولة مستمرة للإمساك بالعصا من المنتصف.

ويرى نايل شامة، الباحث السياسي ومؤلف كتاب “سياسة مصر الخارجية من مبارك إلى مرسي“، أن السياسة الخارجية المصرية فيما يخص الملف السوري تحاول ضرب نوع من التوازن بين علاقتها بدول الخليج وبين عدم مناهضة نظام اﻷسد.

يوضح شامة أنه يمكن فهم هذا التناقض إذا وضعنا في الاعتبار المنطلقات الفكرية للسياسة الخارجية المصرية بعد 30 يونيو. بالنسبة له، فإن هذه المنطلقات ترتكز على مبدأين أساسيين: اﻷول هو مناهضة جماعات اﻹسلام السياسي، والثاني هو القلق الشديد من ثورات “الربيع العربي” التي أدت إلى “خلخلة غير مسبوقة وأثرت على الاستقرار من وجهة نظر النظام الحاكم”.

يلفت شامة النظر أيضًا إلى أن انشغال مصر بملفات أخرى أكثر أهمية، كالملف السياسي الداخلي والمواجهة مع الجماعات المسلحة، وغياب الموارد المالية يجعل من الصعب عليها لعب دور يتجاوز في تأثيره ما تقدمه اﻵن. ويوضح شامة أن الدور الثانوي الذي تلعبه مصر في هذا الصراع، بحكم موازين القوى وطبيعة الصراع الدائر في سوريا، هو ما يساعد صناع القرار المصري على اﻹبقاء على هذا النوع من التوازن على أمل الوصول إلى حل سياسي قد تلعب مصر دورًا فيه. وكان أبرز محاولات مصر التوصل إلى مثل هذا الحل هو استضافة القاهرة لمؤتمر لعدد من أطياف المعارضة السورية في محاولة للوصول لخارطة طريق لحل سياسي تفاوضي يؤدي إلى رحيل الأسد دون ترك فراغ في سوريا.

لكن معطيات اللحظة وحدّة الصراع تجعلان الموقف مرشحًا للتصاعد أكثر. “وقت الرهانات لما تبقى رهانات كبرى، في لحظات هتلاقي نفسك مضطر تاخد جانب”، يقول شامة، وهو ما قد يجعل من استمرار سياسة خلق توازن مسألة صعبة.

وإذا كانت طبيعة الدور الذي يمكن لمصر أن تلعبه في الملف السوري ثانويا في جميع اﻷحوال، إلا أن هناك ملفات أخرى أكثر أهمية وتأثيرا على الدولة المصرية قد لا تحتمل الاستمرار في سياسة التوازنات. وتأتي أزمة سد النهضة بأثيوبيا على رأس هذه الملفات.

فبعد أعوام من المماطلة، أعلنت أثيوبيا الشهر الماضي الانتهاء مما يقرب من نصف أعمال بناء السد، بينما استمر وزير الري المصري في التشديد على أن “المفاوضات هى الحل الوحيد لأى خلافات حول المشروعات المائية لتحقيق التواصل بين مصر وإثيوبيا والسودان”.

وفيما بدا متوافقا مع موقف وزير الري، اتفق الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع رئيس الوزراء اﻹثيوبي على موعد لجولة جديدة من المفاوضات حول أعمال بناء سد النهضة بعد اجتماعهما في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي. وطبقًا للاتفاق، توجهت مصر بدعوة لاجتماع للجنة الفنية الثلاثية التي تضم أثيوبيا والسودان. ورغم تحديد موعد الاجتماع، انتظرت القيادة المصرية ردا على الدعوة. ونشرت صحيفة الشروق عن مصادر لها أن كلا من أثيوبيا والسودان “لم يرسلا أي ردود على دعوة مصر لانعقاد اجتماع عاجل”.

يأتي فشل الدعوة لاجتماع بعد أقل من شهر على انسحاب المكتب الاستشاري الهولندي المكلف بإعداد الدراسات الفنية حول مشروع السد، بالتعاون مع مكتب استشاري فرنسي آخر، بسبب “رفضه شروط اللجنة الثلاثية والمكتب الفرنسي” والتي “لا تعطي ضمانة لإجراء دراسات بحيادية وجودة عالية”، حسبما أفادت مصادر لشبكة سي إن إن اﻹخبارية في تقرير لها. وأوضح التقرير أن “انسحاب المكتب الهولندي من شأنه أن يترك الساحة أمام [الـ]مكتب…الفرنسي، وهو الأمر الذي كانت تصر عليه إثيوبيا، بينما عارضت كل من مصر والسودان قيام الأخير بإجراء الدراسات الفنية للمشروع منفرداً”.

بالنسبة للسفير معصوم مزروق، مساعد وزير الخارجية اﻷسبق، فإن الكثير من الأخطاء قد ارتكبت في الفترة الماضية في التعامل مع ملف سد النهضة. وأكد مرزوق في حوار مع “مدى مصر” أن إدارة اﻷزمة بأسلوب غير علمي وبطريقة عاطفية لا يمكن أن ينتج عنها حل للأزمة.

وأوضح مرزوق أن اﻷزمات الدولية لا يمكن التعامل معها على أساس حسن النوايا كما حدث في إعلان المبادئ الذي حملته  وثيقة الخرطوم في مارس الماضي، والتي أعطت اعترافًا باﻷمر الواقع الذي تفرضه أثيوبيا دون اعتبار للمتطلبات المصرية، مشيرًا إلى أن هذا التساهل قد يحرم مصر من حقها في رفع قضايا تحكيم دولية في المستقبل إذا تطور النزاع في هذا الملف.

لكن ستيفان رول، الباحث في شؤون الشرق اﻷوسط وأفريقيا في المعهد اﻷلماني للشؤون الدولية واﻷمنية، يرى أن حل أزمة سد النهضة ليس على قائمة اﻷولويات الحقيقية للحكومة المصرية. “إذا نظرت من وجهة نظر الدولة، فإن تشكيل سياسة مصر فيما يتعلق بالنيل بواسطة رجال أمن وخبراء تقنيين [بعيدًا عن الجهاز الدبلوماسي] أمر كارثي”، يقول رول، مؤكدًا أن النظام المصري لا يتعامل مع أزمة محورية كهذه حتى لا يضطر لمواجهة “واقع لا شعبية له”.

يتفق شامة على أن الطريقة التي تتناول بها مصر ملف السد اﻹثيوبي تمثل “خطأ استراتيجيا”، ويشير إلى أن الخبراء يتحدثون عن سيناريوهات كارثية إذا اكتمل بناء السد دون اعتبار للملاحظات المصرية، معتبرا أن طريقة إدارة هذا الملف تمثل “نقطة عوار في أداء السياسة الخارجية المصرية”.

لكن “عوار أداء السياسة الخارجية المصرية” هذا يرتبط بسياستها الداخلية، سواء على مستوى ترتيب أولويات وأهداف العلاقات الخارجية، أو في آليات عملها.

يعتقد مرزوق أن الجهاز الدبلوماسي المصري يتأثر تأثيرا كبيرا بكونه جزءا من البيروقراطية المصرية التي تحتوي عمل الدبلوماسية. وأوضح مرزوق أن الجهاز البيروقراطي المصري مترهل ويحتاج لعملية تنظيف شاملة.

لكن شامة يضيف أن نظام السيسي وصل إلى الحكم بشرعية منقوصة، مع ضغط دولي متزايد وعلاقات فاترة مع أمريكا والاتحاد اﻷوروبي وتعليق عضوية مصر في الاتحاد اﻹفريقي، وفي ظل مواجهة غير مسبوقة بين الدولة والجماعات المسلحة على اختلاف درجات تطرفها.

وأكد شامة أن هذه الحالة جعلت تركيز السياسة الخارجية المصرية موجها بالأساس إلى ترميم هذه الشروخ في علاقاتها الدولية وخاصة على الجانب الغربي. يرجح شامة أن مصر تحاول إعادة علاقتها مع المعسكر الغربي “كما كانت أيام مبارك بناء على القاعدة المشهورة إننا نخدم مصالحكم في المنطقة في حدود معينة مقابل وقف التدخل الزائد في السياسة الداخلية المصرية”.لكن هذا تسبب، كما يرى، في اختزال الدبلوماسية المصرية في مجموعة من حملات العلاقات العامة. ويضرب شامة المثل على هذا النوع من حملات العلاقات العامة بزيارات السيسي الخارجية.

يعتقد ستيفان رول أن زيارة السيسي إلى ألمانيا مطلع يونيو الماضي مثلا كان مجهزًا لها بشكل جيد. فمتطلبات السياسة الخارجية المصرية من الزيارة كانت، كما يقول، واضحة تمامًا وهي “أخذ صورة [للاستهلاك  الداخلي] مع المستشارة اﻷلمانية أنجيلا ميركل، والحصول على قدر من الدعم لنظامه”. لهذا يرى أن الزيارة مثلت بالنسبة لنظام السيسي نجاحا كبيرا.

لكن نجاح أهداف حملات العلاقات العامة لا يعني نجاح السياسة الخارجية المصرية، “ولا يعني أنه تم حل مشاكل مصر، وهو ما يمثل خطرا على المدى المتوسط أو البعيد” كما يؤكد رول.

يتفق شامة على أن اختزال عمل الدبلوماسية المصرية في مجموعة من حملات العلاقات العامة أمر مقلق، ﻷنه “يحسر الأضواء عن ملفات أكثر إلحاحًا كموضوع سد النهضة اﻹثيوبي”، مشيرا إلى أن اهتمام مصر بمسألة انضمامها إلى مجلس اﻷمن مبالغ فيها. “أتمنى يكون هذا الاهتمام قاصرًا على الإعلاميين، وليس على صناع القرار”.

 
اعلان
 
 
محمد حمامة