Define your generation here. Generation What

هل يستحقّ المصريون وزارة للعشوائيات؟

لا يُخفى على مَن يعيش بالقاهرة مظاهر التدهور العمراني الذي تعاني منه معظم مناطقها. تستيقظ صباحاً وتنزل إلى شوارعها فلا تجد رصيفاً للسير. تحاول التنقل بالمواصلات العامة فلا تستطيع لازدحامها وانعدام آدميتها. وإن كنت من أبناء الطبقة الوسطى، وتتعامل مع المترو الذي يصعب ارتياده في ساعات الذروة، فقد تُضطر للتنقل بالتاكسي لتعيش ساعات محبوساً في شوارع القاهرة المزدحمة.

يحكي أحد سكان المناطق التراثية التي أصبحت متدهورة عمرانياً، أنه يستيقظ يومياً ليجد نفسه في طابور حتى يتمكّن من دخول المرحاض (المشترك لأكثر من ساكن). وحكت أم لثلاثة أطفال من منطقة بُنى أهالي عن رعبها اليومي خلال رحلة أطفالها من المدرسة وإليها، حيث يضطرون للعبور في أرض مهجورة تحتوي الثعابين، كما يستخدمها بعض أهالي المنطقة لتناول المخدرات. وماذا عن الآلاف الذين يعيشون في عشش من الصفيح والأخشاب، وغيرهم ملايين يعيشون في بيوت من دون أسقف، بنوها بأنفسهم من الطوب واضطروا، لضعف إمكاناتهم المالية، الى سقفها بشكل مؤقت بالأخشاب والألواح البلاستيكية. ملايين من المصريين شيّدوا بمجهوداتهم الذاتية شبكات المياه والصرف الصحي، ويعانون جراء ذلك من المياه الملوّثة في شوارعهم نتيجة عدم صيانة تلك الشبكات. ملايين المصريين والمصريات يبذلون قصارى جهدهم لجعل مناطقهم قابلة للعيش والمعيشة. فهل يحتاجون لوزارة لتطوير العشوائيات ومناطقهم أم لا؟ ألا تتطلب المعاناة اليومية للإنسان في سكنه وبنيته التحتية وخدماته وطرقه ومواصلاته وزارة تعمل على إصلاح وتطوير ذلك.

الزلزال

لم تنشئ الدولة وزارة أو جهة لتختص بأمور التدهور العمراني بعد إحدى أهم الكوارث الطبيعية التي مرّت بها مصر في زمنها الحديث. الزلزال الأرضي في 12 أكتوبر 1992، الذي كان بقوة 5.8 ريختر في القاهرة ومحافظات أخرى، وتسبب في وفاة أكثر من 350 شخصاً وإصابة أكثر من 6 آلاف، كما شرّد أكثر من 50 ألفاً أصبحوا بلا مأوى. انهارت مئات المباني وتصدّعت آلاف غيرها، وخاصة في الأحياء القديمة والتراثية، بجانب الجديدة منها، نتيجة سوء البناء والفساد بعد الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات. اضطرت الحكومة المصرية للإيواء العاجل للأسر المشردة، بداية في عدد من الخيام بشكل مؤقت، ثم نقلتهم إلى عمارات كانت مخصّصة للشباب. وبعد الزلزال، قرّرت الحكومة المصرية وإدارتها المحلية إلغاء إصدار قرارات الترميم في أحياء مصر الشعبية والتراثية، وعليه أخذت تلك البيوت في التدهور بفعل عوامل الزمن، وتناقَص بشكل مستمرّ عدد سكان تلك الأحياء.

صندوق للعشوائيات

تفاجأ العديد من سكان المناطق بتسجيل مناطقهم كمناطق غير آمنة، تدرّجت خطورتها من واحد إلى أربعة. حدث ذلك بعد حادث الدويقة (سبتمبر 2008 وكان ذلك في شهر رمضان)، حين انهارت صخرة ضخمة في المنطقة أدت الى وفاة أكثر من مئة شخص وإصابة مئات آخرين شُرّودا جميعاً من مأواهم. فأنشئ صندوق يختص بتطوير المناطق العشوائية يتبع رئاسة الوزراء. كانت مهامه الرسمية بحسب نص القرار: “حصر المناطق العشوائية وتطويرها وتنميتها، ووضع الخطة اللازمة لتخطيطها عمرانياً، وإمدادها بالمرافق الأساسية من مياه وصرف صحي وكهرباء. ويباشر الصندوق اختصاصاته بالتنسيق مع الوزارات والجهات المعنية ووحدات الإدارة المحلية، وعلى هذه الجهات إمداده بالمعلومات والخبرات والمساعدات اللازمة”. خلال سنوات عمله، أصدر الصندوق حصراً للمناطق العشوائية على مستوى مصر، محدّداً مساحاتها وأماكنها ودرجات خطورتها على حياة السكان. لم يُطوّر الصندوق أياً من المناطق التي اعتزم تطويرها بل هَجّر سكان بعض تلك المناطق إلى المدن الجديدة، حيث راحوا يعانون وما زالوا من انعدام فرص العمل والخدمات. أما المعلومات المجمّعة عن المناطق، فغير صحيحة لجهة خطورتها! ويَدّعي الصندوق أن الأرض أملاك دولة بينما هي أملاك خاصة.. ظل الصندوق يعمل منذ أوائل 2009 وحتى 2014. وحيث لم نشهد من الصندوق تطويراً لأي من المناطق، فهل أنشئ أصلاً كي يبرر بشكل قانوني تهجير السكان من مناطقهم واستخدام المناطق في مشاريع استثمارية؟

الوزارة

فجأة قرّرت الحكومة إنشاء وزارة دولة باسم “وزارة التطوير الحضري والعشوائيات” برئاسة الدكتورة ليلي إسكندر، وهي تضمّ في كيانها الإداري صندوق تطوير المناطق العشوائية. اشتهرت إسكندر بعملها في المجتمع المدني ومنظماته. ومنذ توليها في 2014، أجرت عدداً من الاجتماعات الاستشارية مع أعضاء من منظمات المجتمع المدني معنيين بشؤون العمران والسكن وحقوق الإنسان. تميّزت الوزيرة بتصريحاتها “المختلفة”، حيث، ولأول مرة في الحكومة المصرية، يأتينا مسؤول يقول “لا تهجير للسكان” و”سأعمل على تطوير المناطق حتى وجود آخر أسرة فيها”، وتحدّثت عن قيمة الإنسان وأن أهميته تأتي قبل الحجر. كما تغير شعار الصندوق من شجر ومبانٍ الى إضافة رسوم لبشر. كانت انتقادات الناشطين والباحثين العمرانيين والمعماريين أن كل التصريحات من المسؤولين قبل إنشاء الوزارة عنت نقل السكان من مناطقهم، ولم تهتم هيئات الدولة المختلفة بمشاركة ساكني المناطق في أي رؤى تطويرية لها بينما تردد معظم الوقت سكان المناطق على اجتماعات في الوزارة محاولة منهم للوصول لطرق وحلول لتطوير مناطقهم. وفاجأت الوزيرة الجميع حين زارت منطقة ماسبيرو في حي بولاق بعد عِلمها أن مجموعة عمرانيين ومعماريين عملوا لمدة عام بشكل بحثي مع السكان وأنهم توصلوا لرؤية تشاركية لتطوير المنطقة. ولشهور ظلت وزارة التطوير الحضري تعمل مع السكان والفنيين وفريق المعماريين ومع جهات رسمية مختلفة لتنفيذ المشروع. وقد تمّ عرضه مؤخراً كمسابقة معمارية عالمية.

تهجير الأهالي

وُجدت تناقضات عدة بين تصريحات وزارة التطوير الحضري والعشوائيات والجهات الأخرى المسؤولة عن الإسكان والعمران. لم يتضح أيّها يعبر عن توجهات السلطة. كان الإعلان عن مشروع تطوير نزلة السمان في أكتوبر 2014 من هيئة التخطيط العمراني بوزارة الإسكان مفاجأة لأنه جزء من مشروع القاهرة 2050 والذي اعتزمت تنفيذه لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم، قبل الثورة المصرية في 2011. المشروع عبارة عن مخطط سياحي استثماري في منطقة الهرم ونزلة السمان وأهرامات الجيزة، سيؤدي إلى إزالة آلاف الأسر من المناطق العمرانية والطالبية ونزلة السمان. لا تندرج تلك المناطق تحت أي من عناصر الخطورة الأربعة حتى تتم إزالتها. المفارقة الأخرى كانت شكاوى أهالي منشية ناصر والدويقة الذين كان من المفترض أن ينقلوا إلى حي الأسمرات بالمقطم، وأعلن أنهم وافقوا على النقل.. رغم رفضهم لاكتشافهم أن المعروض عليهم هو عقود مؤقتة لمدة 6 أشهر في حي السادس من أكتوبر الذي يبعد حوالي 60 كيلومتراً عن منطقة سكنهم وعملهم، ومن دون ضمانات لما سيجري بعد الأشهر الستة تلك، فهل سيتم طردهم أم ستكون الجهات المسؤولة انتهت من بناء شقق حي الأسمرات فينتقلوا إليها.. هناك انفصال وتناقض في القرارات بين وزارة التطوير الحضري ووزارة الإسكان والهيئات التنفيذية مثل المحافظات ووزارة الداخلية، وهو ما ظهر في التعامل مع أهالي عشش السودان في حي بولاق الدكرور، الذين تم إخلاؤهم قسرياً (باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع) بينما كانت هناك تأكيدات رسمية وتصريحات علنية تلتزم بغير ذلك

هل نحتاج لوزارة؟

لا يهم السكان من يَعِد ومن ينفذ، ولا سوء الإدارة المحلية المتسببة في كل هذا. يتعامل السكان مع الحكومة باعتبارها وحدة واحدة، وحتى إن أدركوا تلك الاضطرابات في إدارة الدولة، فهي لا تعنيهم، لأن المحصلة كانت طردهم. وأخيراً في سبتمبر الفائت، ومع تغيير الحكومة المصرية بعد تقديمها لاستقالتها، ألغيت وزارة التطوير الحضري والعشوائيات، وتقرر جعل كل أعمال صندوق تطوير المناطق العشوائية تحت إدارة وزارة الإسكان والمرافق. هو أمر مقلق لأن الخطط المُعلنة من قِبل الوزارة تنص على نقل سكان العشوائيات من مناطقهم. يقدر عدد سكان مناطق بُنى الأهالي (“العشوائيات”) المعرضين للخطر والذين يعانون من حرمان دائم في العمران والخدمات العمرانية بـ 12 مليون نسمة، ويختلف الرقم حسب المصدر وحسب تعريف المنطقة “العشوائية”. المؤكد أنه يوجد الملايين من المصريين والمصريات يعيشون حياة غير آدمية لا تتوافر فيها أسس البيئة المبنية الأساسية، من مسكن آمن أو خدمات تعليمية أو صحية أو ترفيهية. كما تنعدم خدمات تصميم الشوارع للمشاة والمواصلات العامة، ليس فقط لسكان مناطق بُنى الأهالي ولكن لكل أحياء الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

أفلا يستحقّ كل هؤلاء وهم يمثلون نسبة كبيرة من الشعب المصري، وزارة تُعنى بأمورهم؟ وخاصة أن تطوير المناطق ليس بالأمر الهين، بل يتطلب وقتاً وجهداً للتنسيق والعمل مع الأهالي. ضمّ صندوق تطوير المناطق العشوائية الى وزارة الإسكان، وإلغاء وزارة التطوير الحضري والعشوائيات يُظهر نيات الدولة وسياساتها في عدم التدخل في تطوير المناطق لشرائح بعينها في المجتمع، وأن الدولة سوف تلجأ من الآن وصاعداً إلى تهجير السكان قسراً من منازلهم أو نقلهم إلى الصحراء حيث المدن الجديدة وانعدام فرص العمل والحياة الكريمة.

*تم نشر المقال مسبقا في السفير العربي بتاريخ 7 أكتوبر 2015

اعلان
 
 
أمنية خليل