Define your generation here. Generation What
الشركات الصغيرة تدفع ثمن سياسات “المركزي”
 
 

اختارت مصر اتباع سياسات نقدية مثيرة للجدل للحفاظ على ثبات قيمة الجنيه أمام الدولار الأمريكي. ورغم نجاح هذه الإجراءات في تحقيق النتائج المرجوة منها في ما يتعلق بسعر صرف الجنيه، لكنها أثرت سلبًا وبشكل بالغ على أنشطة الشركات المحلية أيضًا. وخاصة الشركات الصغيرة التي لا تملك سوقًا واسعة للتصدير تمكنها من توفير حاجتها من العملة الأجنبية، دون الحاجة للبحث عن الدولار في السوق الرسمية أو الموازية.

في ظل انخفاض احتياطي النقد الأجنبي؛ لم يعد البنك المركزي قادرًا على الحفاظ على قيمة الجنيه من خلال بيع ما لديه من دولارات بسعر الصرف الذي يراه البنك مناسبًا. ولذلك لجأ إلى وضع ضوابط صارمة على شراء الدولارات وتحويل العملة الصعبة، ما أدى إلى تعثر الشركات المحلية بشكل كبير.

تعتمد الغالبية العظمى من الشركات في مصر على الواردات، فبالإضافة إلى مليارات الدولارات التي تنفقها البلاد على الطعام والوقود والسلع الاستهلاكية سنويًا، تستورد مصر أيضًا الماكينات وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المصانع، إلى جانب المواد الخام من البلاستيك إلى الكيماويات الدوائية. ولقد وصل عجز الميزان التجاري في مصر- أي الفارق بين قيمة الواردات وقيمة الصادرات بالدولار- إلى 38.8 مليار دولار في العام المالي 2014/2015.

ولأن دفع ثمن هذه الواردات يجب أن يكون بالدولار أو بعملة صعبة أخرى، يؤدي العجز في الحصول على الدولار إلى عجز في الموارد اللازمة للتشغيل والإنتاج، مما يعوق سير الأعمال التجارية.

ذكر تقرير أصدرته شركة الأبحاث البريطانية “كابيتال إيكونوميكس” في أغسطس الماضي أن الركود الاقتصادي في مصر وانكماش حجم التصنيع بنسبة 30% مقارنة بالعام الماضي، يعودان إلى اقتران قيود العملة بالعجز في موارد الغاز. كما أشار استبيان أجري في مؤتمر يورومني في مطلع سبتمبر الماضي، إلى أن سياسات العملة في مصر من أكثر المخاوف التي ذكرها رجال الأعمال المشاركون ضمن مشاكل الاقتصاد الكلي، متجاوزة في ذلك الترتيب مشاكل أخرى مثل العجز المالي.

كما صرح لنا أحد المصرفيين المصريين، طلب عدم ذكر اسمه نظرًا لحساسية موقعه، بأن “هذه السياسات تحتل رأس قائمة مخاوف المستوردين. فمخزون العملة الأجنبية محدود للغاية، ما يخلق العديد من الصعوبات أمام الأعمال الصغيرة والمتوسطة تعوق إدارة شركاتهم، حتى وإن لم يتعد حجم وارداتهم 10% من مستلزمات الإنتاج”.

ويقول أحمد رجب، رئيس مجلس إدارة مجموعة “بركة” التي تدير سلسلة محلات للبصريات في مصر: “لا شك أن ذلك قد أثر علينا. لقد تأثرت سلسلة التوريد على نحو بالغ”. جميع المنتجات التي تبيعها محلات بركة تقريبًا مستوردة من بلاد أخرى منها إيطاليا وهولندا والصين.

ويرى رجب أن أهم هذه المشاكل هو الحد الأقصى الذي يفرضه البنك المركزي على إيداع العملة الصعبة وتحويلها خارج البلاد (50 ألف دولار شهريًا وعشرة آلاف فقط يوميًا). ويضيف قائلًا لـ”مدى مصر”: “هناك حد للتحويل خارج البلد يقيد عملك. ونظرًا لعملنا في مجال الموضة، نحتاج إلى تحويل نحو 25 مليون دولار سنويًا. لكن الحد المسموح لنا به هو 600 ألف دولار فقط”. ورغم أن سياسات البنك المركزي قد ركزت على الدولار الأمريكي لكونه أكثر عملة شائعة في التجارة العالمية؛ إلا أن رجب يقول إنه يواجه مشاكل مماثلة مع عملات أخرى مثل اليورو.

لم تتأثر الشركات التي لا تتجاوز احتياجاتها من الواردات حد التحويل المسموح (600 ألف دولار سنويًا) بهذه القيود بشكل نسبي. ويعطى البنك المركزي الأولوية إلى واردات الغذاء وسائر السلع الأساسية في الحصول على الدولار. وفي المقابل أعفى كثير من المصنعين من الالتزام بحد التحويل، من خلال المعاملة الاستثنائية التي أقرها البنك بعد فحص طلباتهم. وكذلك تلتف بعض الشركات متعددة الجنسيات حول هذه الضوابط، من خلال اعتمادها على فروعها بالخارج لتحويل تكاليف الواردات بالعملة الصعبة، بحيث تبقى مصر خارج الدائرة المالية بالكامل.

لكن الشركات الأكثر تأثرًا هي تلك التي تماثل شركات رجب، التي تحتاج إلى قدر من العملة يزيد على المسموح به قانونًا، والتي تجري جميع عملياتها التجارية في مصر. تضطر هذه الشركات إلى الاختيار ما بين تقليل الواردات- ما يعني تقليل حجم الأعمال والأرباح- أو اللجوء إلى ممارسات قد تكون غير قانونية، مثل إنشاء شركات وهمية تتولى التحويلات المالية. يقول رجب: “في نهاية الأمر علي أن أدبر أموري”.

حتى الأعمال المعفاة من قيود التحويل تأثرت بعض الشيء كما يقول علاء سريو- رئيس مجلس إدارة مجموعة ساسكو لتصنيع الأدوات المكتبية. تعتمد الشركة على البلاستيك المستورد في التصنيع، ورغم توفُّر البلاستيك المصري، إلا أنه ليس بالجودة الكافية حسبما يرى سريو.

تحتاج الشركة بشكل عام إلى استيراد سلع تبلغ قيمتها نحو 600 ألف دولار أمريكي شهريًا. وتفعل ذلك من خلال خطي ائتمان في بنكين مختلفين، يقدمان للشركة خطابات الائتمان اللازمة لصفقات الاستيراد.  

يقول سريو: “لا توجد قيود للمصنعين على خطابات الائتمان، وهذا يمكنهم من التحويل حسب حدود الائتمان المحددة في البنوك، لذا لا توجد لدينا مشكلة”. ومع ذلك فإن عملية الحصول على خطاب الائتمان تضيف أسبوعين إلى مدة إجراءات الاستيراد، كما تضيف المزيد من المصاريف البنكية نظرًا لوجود خطي ائتمان.

ولأن الشركات في حجم ساسكو لديها مخزون عملة صعبة وارد من أسواق التصدير، فهي تستطيع الحصول على خطوط ائتمان بالنقد الأجنبي من البنوك. لكن الأمر لا يكون بهذه السهولة في حالة الشركات الأصغر حجمًا.

حتى مطلع العام الجاري كانت الشركات الصغيرة التي تجد صعوبة في الحصول على العملة من البنوك تتوجه للسوق السوداء لشراء الدولارات ثم تودعها في البنوك للحصول على خطابات ائتمان تمكنها من مباشرة الاستيراد. لكن البنك المركزي سد هذه الثغرة في شهر فبراير عندما منع الشركات من إيداع ما يزيد عن 50 ألف دولار شهريًا في حساباتها، وكان الغرض من هذا القرار القضاء على السوق السوداء، ولقد نجح في ذلك بشكل كبير وفقًا لرجال الأعمال. يقول سريو: “اختفت السوق السوداء لمدة أربعة أو خمسة شهور، ثم بدأت تظهر مجددًا منذ أسبوعين أو ثلاثة أسابيع”.

ويبدو أن عودة السوق السوداء مرتبطة بتصريحات وزير الاستثمار أشرف سالمان الأخيرة التي قال فيها: إن تخفيض قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار “لم يعد اختيارًا”. مضيفًا أن هذه الخطوة قد أصبحت حتمية. حتى رجال الأعمال مثل رجب- مالك مجموعة البصريات، يقرون بأن البنك المركزي كان عليه التدخل للسيطرة على سوق العملة، رغم ما حمله ذلك من أثر سلبي على شركته. يقول رجب: “كان من اللازم فعل شيء لمواجهة السوق السوداء”. فوجود سعرين للصرف في البلد أمر يخيف المستثمرين، ويجعلهم يخشون إدخال العملة الصعبة بالسعر الرسمي.

ومع ذلك فالحفاظ على ضوابط رأس المال له ثمنه أيضًا. مثل هذه القيود تزيد الصعوبات أمام الشركات المحلية القائمة على استيراد مواد الإنتاج، كما تخيف الاستثمارات الجديدة. يقول سريو: “إن لم يتمكن الناس من إخراج أموالهم من البلد لن يقدموا على الاستثمار. لن نحصل على الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي نحتاجها من أجل الحصول على الدولار”.

عندما طرح الحد الأقصى للإيداعات النقدية، توقع المحللون أن يكون ذلك تمهيدًا لتخفيض قيمة الجنيه، حيث توقعوا قيام البنك المركزي بتعويم الجنيه تدريجيًا، بعدما يتمكن من السيطرة على السوق السوداء. لكن ذلك لم يحدث حتى الآن في ما عدا تخفيض طفيف جاء في شهر يوليو، ما زاد من غضب الخبراء، وبصفة خاصة وزير الاستثمار.

يقول أنجوس بلير مؤسس معهد سيجنت للبحث: “في ظل تخفيض العملة الذي يحدث في كل مكان بالعالم، تبدو سياسة مصر للحفاظ على قوة عملتها غير ملائمة. إن مصر مثال رائع على الاستثمارالناجح. ومن الممكن أن تصبح مثال على النجاح الباهر إذا تخلصت من قيود رأس المال”.

مع ذلك يستمر البنك المركزي في الحفاظ على ثبات الجنيه، حتى مع صعود قيمته أمام عملات عالمية أخرى مثل اليورو. يقول بلير: “هناك مخاوف من التضخم، وهي مخاوف في محلها”. إذا هبطت قيمة الجنيه أمام الدولار واليورو سوف يعني ذلك أن كل جنيه مصري سوف يشتري عدد أقل من السلع المستوردة، وسوف يؤدي ذلك حتمًا إلى ارتفاع الأسعار في السوق المحلية. لكن يمكن معالجة هذه المشاكل من خلال طرح إجراءات لتخفيف آثار التضخم على المواطن العادي.

ولقد دفع الإصرار على الحفاظ على قيمة الدولار مقابل الجنيه إلى الإجراء الذي اتخذه البنك المركزي المصري بفرض ضوابط للعملة من أجل السيطرة على السوق السوداء. يقول بلير: “من الصعب أن تجد خبير اقتصادي لا يرى أن مصر تحتاج إلى تخفيض مدروس للعملة”.

لكن الحكومة محصورة حاليًا في فخ التمسك بأسعار الصرف العالية والضوابط الصارمة، بينما تضطر الشركات إلى دفع ثمن ذلك الاختيار.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن