المدن الجديدة غير مستديمة

تمثل المدن الجديدة العبء الأكبر على موارد الطاقة ومياه الشرب المحدودة في مصر، بالمقارنة بالمدن والقرى القائمة. فمنذ السبعينيات تقوم الحكومة ببناء مدن ضخمة في مناطق صحراوية بهدف توجيه التضخم السكاني إليها. ولكن بعد أكثر من ثلاثين عامًا واستخدام ملايين الأطنان من الأسمنت والصلب والقار  تبقى هذه المدن منخفضة الاستغلال، غالبيتها مدن أشباح شبه خالية.

مواقع سيئة وفاتورة دعم مرتفعة للنقل

كان المخطط لما سمي بالمدن الجديدة أن تصبح روافد متباعدة للمدن القائمة. وحيث إنها تقع على بعد ما يتراوح بين 20 و50 كيلومترًا من أقرب مركز حضري لها فقد كان التصور أنها سوف تجذب التزايد السكاني خارج زمام الزراعة؛ حيث المدن والقرى القائمة، إلى الصحراء الخالية حيث لا يمثل التزايد السكاني تهديدًا للأراضي الزراعية.

إلا أن أغلب المدن الجديدة ظلت خالية منذ بنائها بسبب مواقعها البعيدة وغياب خطة اجتماعية واقتصادية لتعميرها وعدم توفر المواصلات العامة التي تربط ما بين المنازل وأقرب المراكز العمرانية؛ حيث تتوفر فرص العمل والخدمات. بل إن حتى سياسة اقتصار بناء المصانع في مناطق صناعية مخصصة لذلك في المدن الجديدة مثل مدينة 6 أكتوبر والعاشر من رمضان لم تتسبب سوى في تفاقم الكثافة المرورية على الطرق الإقليمية المؤدية لهما. فتكلفة السكن في هذه المدن عادة ما تفوق القدرة المالية للعمال، ومع انخفاض الأمن الوظيفي لم يختر سوى قليلين الانتقال بأسرهم إلى المدن الجديدة الأقرب إلى مكان عملهم. يشهد على ذلك المشهد اليومي على محور 26 يوليو الذي يربط ما بين مدينتي 6 أكتوبر والشيخ زايد الجديدتين وبين قلب القاهرة؛ حيث ازدحام مروري صباحًا وعصرًا على جانبي الطريق بسبب آلاف البشر في طريقهم إلى مكان العمل وعودة منه.. بذلك أصبحت المدن الجديدة بمثابة ضواحي للمدن القريبة منها، والعكس، مما عمل على بث ملايين الأطنان من الملوثات الناتجة عن عشرات الآلاف من الرحلات اليومية، ورفع من فاتورة دعم الطاقة.

شدة انخفاض الكثافة تعني إهدارًا للطاقة

كان من المخطط أن تصل أقصى كثافة سكانية في المدن الجديدة إلى 60 فردًا لكل فدان – أو 14.300 فرد للكيلومتر المربع، ما يساوي تقريبًا نصف إلى رُبع الكثافة السكانية في المدن المصرية القائمة. ومع قلة الإشغال في المدن الجديدة؛ فإن الكثافة في الواقع أقل من ذلك بكثير، الأمر الذي يعني أن نسبة تكلفة إدخال المرافق في المدن الجديدة لكل فرد من السكان عالية نسبيا. والبرهان صورة القاهرة الكبرى ليلًا التي تم التقاطها من الفضاء. فسوف نجد أن المساحة ذاتها بقلب المدينة القديم؛ حيث الكثافة المرتفعة، تستهلك في إنارة الشوارع قدرًا شبيهًا من الطاقة بما تستهلكه المساحة نفسها بالمدن الجديدة المحيطة بها، ولكن كثافة السكان أقل بكثير.

صورة من الفضاء للقاهرة ليلًا

صورة من الفضاء للقاهرة ليلًا

كذلك فإن الانخفاض الشديد في الكثافة السكانية يعني أيضًا انخفاض كفاءة المواصلات؛ حيث ثبت أن الجدوى الاقتصادية للمواصلات العامة داخل المدن وبين المدن وبعضها منخفضة للغاية مما ألغى أو أرجأ عددًا كبيرًا من المشروعات التي كان من المخطط تنفيذها، مثل مشروع ربط مصر الجديدة بالقاهرة الجديدة.. كما أن اعتماد التخطيط للمدن الجديدة على نموذج فصل الأنشطة؛ حيث المناطق السكنية والتجارية والإدارية والترفيهية منفصلة تمامًا عن بعضها، أدى إلى وجود مسافات كبيرة بينها، بعضها غير قابل لتجاوزه سيرًا على الأقدام للوصول إلى المدارس أو أماكن التسوق أو أماكن العمل. فبعض الشوارع يصل عرضها إلى 90 مترًا، مثل محور مدينة القاهرة الجديدة الرئيسي والذي سمى محور التسعين فخرًا بهذا الإنجاز العمراني، ولكن دون أماكن لعبور المشاة.  

فمع ندرة أو غياب المواصلات العامة داخل المدينة ظهر الميكروباص أو التوكتوك كحل للفئات المتوسطة ودون المتوسطة، أو الاعتماد على السيارة الخاصة للفئات الأعلى من المتوسطة، والتي تمثل غالبية سكان المدن الجديدة.

انخفاض الكثافة وفصل الأنشطة يعني أيضًا ارتفاع معدلات التلوث وانبعاثات الكربون وارتفاع فاتورة دعم الطاقة أكثر مما في الأماكن متوسطة الكثافة وحيث الأنشطة المختلطة. بالإضافة لفصل الأنشطة، فتحدد هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لوزارة الإسكان كثافات منخفضة للغاية بمشروعات المجتمعات المغلقة؛ حيث نسبة المباني تتراوح ما بين 30 و50%- أي تصل المساحات الخالية إلى 70%، الأمر الذي قد يستدعي توفر الطاقة والمواد لرصف مساحات واسعة من الأرض لا استخدام لها سوى أن القانون ينص على ضرورة بقائها خالية، وقد يتم زرع نسبة منها فتصبح مساحات خضراء شديدة العطش تستخدم كحدائق أو ملاعب للجولف. هذا النوع من الزراعة يمثل استنزافًا لمورد مياه الشرب، الشحيح أصلا في مصر، في غياب شبكات للمياه العكرة داخل المجتمعات المغلقة، ناهيك عن الكم الهائل من الطاقة المستخدمة لمعالجة وضخ المياه لجعلها قابلة للشرب، ثم استنفادها على الزراعة. وحتى في المشروعات التي تخطط لاستخدام مياه الصرف لري هذه المساحات الخضراء؛ فإن انخفاض نسبة الإشغال عادة ما يعني عدم توفر مياه صرف صحي كافية ومن ثم تستخدم مياه الشرب.

المضاربة في العقارات وأزمة الطاقة

المنازل الخالية- في حد ذاتها- تمثل استنزافًا كبيرًا للموارد دون أي مقابل يذكر، باستثناء الربح من المضاربة. بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لم يتجاوز عدد السكان في المدن الجديدة في مصر في عام 2013 المليون نسمة أو حوالي 250 ألف أسرة. في الوقت نفسه تقدر هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وجود مليون وحدة سكنية بالمدن الجديدة . أي أن 750 ألف وحدة سكنية خالية تمثل عامان كاملان من إنتاج المسكن في مصر، بعد كل ما استهلكته من الطاقة ومياه الشرب في بنائها؛ حيث إن الخرسانة المسلحة لا تقبل سوى مياه نقية لخلطتها، كما أن الأسمنت والحديد من المواد كثيفة الطاقة في إنتاجهما.

مخاطر التغير المناخي

المخاطر التي تتعرض لها المناطق الساحلية المنخفضة نتيجة ارتفاع منسوب البحر وهبوط الأرض والعواصف لم توقف المليارات المخطط استثمارها في بناء مدينتين جديدتين على الساحل الشمالي لدلتا النيل.  

فقد بدأت عمليات البناء فعليًا لمدينة شرق بورسعيد التي تتسع لما بين 3 و4 ملايين شخص. هذا رغم أن المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية العمرانية سبق وأن حذر من مخاطر الموقع في عام 2010 والذي وصفه بـأنه غير صالح للتوطين، بسبب نحر البحر واحتمالات غمر المنطقة بمياه البحر نتيجة للاحتباس الحراري، ونوعية التربة الرطبة، وزيادة التكلفة الاقتصادية عند البناء وتنفيذ أعمال البنية الأساسية، بالإضافة إلى إهدار الثروات الطبيعية بالمنطقة من رمال سوداء وملاحات وأسماك.. ولكن رغم هذا الاعتراض، موقع المدينة الجديدة لم يتغير.

أما المدينة الجديدة الأخرى، المنصورة الجديدة، فقد تم تخصيص الأرض لها وبدأت عملية التخطيط في الفترة الأخيرة. فستشيد المدينة على مساحة يبلغ طولها 22 كيلومترًا من الأرض الساحلية المنخفضة، غرب مدينة جمصة. ومن المتوقع أن يسكن بها خمسة ملايين نسمة وسوف يستثمر مبلغ قدره 60 مليار جنيه في الموقع نفسه الذي شهد في شتاء 2013 عاصفة رياح قوية وصفت بالإعصار اجتاحت مدينة جمصة وتسببت في اقتلاع أبراج الضغط العالي وأسقف المصانع والشجر.

ورغم أن عددًا من الدراسات المختلفة تناولت الخطر المتوقع من ارتفاع مستوى البحر في دلتا النيل وهبوب النوات الشرسة إلا أن وزارة الإسكان تجاهلت كل تلك الأدلة. فلمواجهة تلك المخاطر سوف تحتاج مدينتي شرق بورسعيد والمنصورة الجديدة إلى استثمارات ضخمة في بناء حواجز الأمواج لحماية المدن الجديدة من ارتفاع مستوى البحر وأمواج العواصف والنوات مطردة الشدة. كما أن حواجز الأمواج سوف تستنفد كمية عالية من الطاقة ومياه الشرب؛ حيث إنها تصنع من الخرسانة المسلحة، فيما يمكن أن تفشل في حماية المدن. فهل يستحق الأمر إنفاق أموال طائلة لبناء تلك المدن الجديدة في مواقع مهددة وغير مستقرة؟

العدالة الاجتماعية والتخطيط المستدام أو الإفلاس

لقد وصلت مصر  إلى النقطة التي أصبح علينا عندها أن نختار بين أن نستمر في الانحدار في الطريق نفسه من خلال توجيه الموارد الشحيحة نحو المدن الجديدة، بعيدًا عن المدن والقرى القائمة التي تسكنها الغالبية العظمى من المصريين إلى أن نجد أنفسنا في مواجهة أزمتي طاقة ومياه شديدتين، ومعها إفلاس الدولة، أو أن نتخلى عن نهج المدن الجديدة الذي أثبت فشله، ونبدأ من جديد.

لكي نفعل ذلك يجب أن يتوقف العمل تمامًا على بناء المزيد من المدن الجديدة إلى حين تلبية احتياجات المدن القائمة ووضع خطة متكاملة ومستديمة لبناء توسعات عمرانية جديدة إن تطلب الأمر. فيجب توجيه الانتباه إلى المدن الجديدة التي تم بنائها فعليًا والتي تحمل إمكانية تحقيق قفزة في الكفاءة وتوفير ضخم في استخدام الطاقة، وحيث يمكن للدروس المستفادة منها أن تطبق على التوسعات الجديدة.

الأولوية الأولى يجب أن تكون استغلال الكم الهائل من الوحدات السكنية الخالية؛ حيث إن ذلك سوف يخفف من الضغوط على مصادر الطاقة والموارد المستخدمة في بناء وحدات سكنية جديدة. وعندما نصبح فعليًا في حاجة إلى وحدات سكنية جديدة، يجب أن يكون التوسع رأسيًا بدلًا من أفقيًا في المدن الجديدة التي لا تتجاوز مبانيها الدورين أو الثلاثة؛ فإن سعة هذه المدن قابلة للمضاعفة، مما سيوفر استنفاد مزيد من الطاقة على تعمير أراضي جديدة وتمهيدها ومد الطرق والمرافق لها. كما سوف تلعب كثافة السكان الزائدة من استغلال الوحدات المغلقة والتوسع الرأسي، دورًا مهمًا في رفع جدوى مشاريع المواصلات العامة المزعوم تنفيذها بالمدن الجديدة، وبالتالي خفض الاعتماد على السيارة الخاصة الأكثر تلويثًا وأقل كفاءة.

يجب تصميم شبكات المواصلات العامة بحيث تحقق أعلى فائدة بأقل تكلفة. على سبيل المثال، منظومة الأتوبيسات السريعة ذات الحارات الخاصة والتي تستخدم الغاز الطبيعي، وهي أقل تكلفة من الترام أو القطار المعلق أو خطوط مترو الأنفاق التي أثبتت أنها عالية التكلفة وبطيئة التنفيذ. هذا بالإضافة إلى وضع خطط الانتقالات داخل المدن، فيجب أن تتوفر وسائل تنقل داخلي بأسعار متاحة للجميع بالإضافة إلى إصلاح العيوب التي تعيق السير قدمًا أو استخدام الدراجات، مثل تعميم الإشارات المرورية في جميع التقاطعات، وتشجيع الأنشطة المختلطة في بعض المناطق؛ حيث يمكن تحويل الوحدات السكنية على الشوارع الرئيسية إلى وحدات تجارية أو إدارية حسب الدراسات.  

هناك مكاسب أخرى يمكن تحقيقها من خلال ضبط سوق العقارات ومراقبة أسعار المساكن للحد من ظاهرة المضاربة العقارية وفتح مجالات أخرى للاستثمار لخفض الطاقة المهدرة في بناء وحدات جديدة ليس لها غرض سوى أنها بورصة مادية. بالإضافة إلى ذلك يجب أن تسعى عملية ضبط السوق إلى أن تكون أسعار الوحدات السكنية بالمدن الجديدة متاحة لجميع فئات المجتمع، وبخاصة في مواقع المناطق الصناعية.

كل هذه الحلول هي في النهاية حلول تحتاج إلى تعديل لممارسات التخطيط الحالية التي أدت بنا إلى الوضع الكارثي الذي نحن فيه الآن. فبالإضافة إلى الحلول التخطيطية، يجب إعادة هيكلة إدارة المدن الجديدة غير الديموقراطية لتصبح إدارة تشاركية بين السكان والموظفين القائمين على إدارتها لتلبية احتياجاتهم. فالمدن الجديدة غير تابعة للإدارة المحلية ولا يوجد بها مجالس شعبية منتخبة حيث يتم تعيين رؤساء أجهزة المدن وأعضاء مجلس الأمناء.

من دون ثورة في التخطيط سوف تستمر المدن الجديدة في أن تكون عبئًا ثقيلًا على بلد ذي دخل أقل من المتوسط، شحيح الطاقة والمياه؛ حيث تأتي هذه المدن على حساب الأغلبية لصالح الأقلية المترفة.

*نُشر هذا المقال للمرة الأولى بالإنجليزية في موقع مؤسسة هينريخ بوول.

اعلان