Define your generation here. Generation What
“لقد ولد الوحش”- ملاحظات على الميلاد الجديد للمثقف الفاسد‪
 
 

في أواخر القرن التاسع عشر، وُلد وحش. ومع أن ذاك الوحش لم يَعلم في باديء الأمر من يكون، لم يدرك من هو وما هي ماهيته؛ إلا أنه كان يعلم جيدًا ما يحتاجه لكي يتحقق ويصبح له وجود: لقد كان بحاجة للإفصاح، والتعبير، والتوصيف، بحاجة لممارسة التنظير والتصنيف، والوصل والتواصل. كما علم أنه من المفترض أن يلعب دورًا محوريًا، يتربع به في موقع مميز يشرف على ميلاد نظام تاريخي جديد. كان يعلم أن لديه وظيفة محددة ودقيقة في التعبير عن سلطة جديدة تتبلور داخل النظام الاجتماعي الذي كان قيد التحول. وهكذا قد كان: أصبح هذا الوحش مضاربًا في بورصة المعرفة، متاجرًا في الهويات، صانعًا للأوهام، ودجالاً ماكرًا ذا شخصية منبسطة، تتفاعل مع خارجه بينما تبقى ذاته متضخمة. وكانت له- عن ضرورة- وظيفة تنظيم وتهذيب البنية المعرفية الجديدة.

واليوم، بعد ما يقرب القرن ونصف القرن، أجد نفسي وقد أطلقت لقب “المثقف الفاسد” على السليل والوريث المباشر لذاك الوحش. المصطلح ليس دقيقًا للغاية، ولكني أحببته وقررت استخدامه لأنه نقدي وجدلي، فهو يصف ويطلق الأحكام في ذات الوقت. استخدمت ذلك المصطلح لأول مرة أثناء حلقة نقاش نُظمت في سياق ملتقى الفنون “آرت دبي” عام ٢٠٠٧. ثم كتبت مقالًا عام ٢٠١٠ بعنوان: “دفاعًا عن المثقف الفاسد”1. افترضت فيه، مخطئًا، أن تلك الشخصية ذات الجذور التاريخية كانت على وشك الفناء، حينذاك رأيت منحى إيجابي في إعادة إحيائها، على الأقل نظريًا، كثقل موازن لقوى السوق التي تقدم نفسها (مع سبق الإصرار والترصد) كقوى مجردة وغير تاريخية. هذه السوق التي تحتل فيها “المشهدية” قيمة عليا في دورة تداول الأشياء. المشهدية في تلك السوق لها عدة أوجه في نفس الوقت: فهي عملة لها قيمة تبادلية بداخل هذه الدورة التجارية، ولكنها أيضًا أثر جانبي لهذا النسيج، أثر يطرح حدث المشاهدة كقيمة أو منتج قائم بذاته. وارتكز دفاعي عن الملقب بـ”المثقف الفاسد” حينها على تحليل للتاريخ الفكري المصري، في محاولة مني لفهم دور ومعنى تلك الشخصية في تشكيل النظام الاجتماعي، كنوع من التأكيد علي تاريخية المعاني الثقافية.

الآن، ونظرًا لأحداث السنوات الثلاث الماضية، أرى بوضوح خطأ دفاعي (حتي إن كان دفاعًا نظريًا) عن تلك الشخصية. هذا المقال محاولة لإعادة تقييم موقفي وتطويره دون التبرؤ منه كليًا. فما زلت أستند بقوة علي تحليلي السابق، ولكن مع إدراك جديد لمدى صعوبة تفكيك هياكل السلطة المتحجرة التي يلعب “المثقف الفاسد” في منظومتها دورًا محوريًا. يبحث هذا المقال في دور تلك الشخصية في تدعيم وإعادة تأكيد وإنتاج نظام سلطوي قاهر. كما يحاول رسم سياق تاريخي للحظة الراهنة وتحليل الأدوات والطرق الخطابية التي يمارسها من أطلقت عليهم لقب “المثقفين الفسدة”. لا أهدف بهذا المقال لإدانة هذه الشخصية (رغم وجوب لعنتها ألف لعنة)، ولكن ما أريده هنا هو رسم خريطة لهذه البحار العاصفة التي نضطر لخوضها يوميًا في واقعنا الحالي. غنيّ عن الذكر أن لحظة التحول التاريخية المعاشة هذه تتطلب على الأقل محاولة ملتزمة ودؤوبة لفهم الواقع المعقد والخَطِر، بالإضافة إلى طرح صادق لبعض المقترحات.

تتشابك بقوة ظهور تلك الشخصية مع ظهور ما يعرف باسم “الدولة المصرية الحديثة”، والتي اتفق معظم المؤرخين على أنها تشكلت على مدى ثلاثة وأربعين عامًا طويلة، حكم فيها الوالي محمد علي مصر (١٨٠٥-١٨٤٨).

شهدت فترة حكم محمد علي مجهودات حقيقية لخلق بيروقراطية تنظم وتدير بشكل أكثر كفاءة مشاع البلاد والرعية، التي رأتها بيروقراطية هذه الدولة كمجرد أصول وممتلكات. ولكن الأمر الذي أعطى تلك الدولة صفة “حديثة”؛ كان في الحقيقة أثرًا جانبيًا لظهور تلك البيروقراطية، فقد أصبحت العلاقة بين الإدارة والأهالي أكثر تداخلًا واقتحامًا. وبمرور الوقت صعب تمييز الحدود بينهما. وتطلبت عملية بناء تلك العلاقة الجديدة نظامًا خطابيًا جديدًا، يساعد على تفسير وتحديد ماهية كل من النظام والرعية2. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومع ازدياد ضعف العائلة العلوية، وتزايد تركيب شكل الدولة في ظل الاحتلال ثم الانتداب البريطاني، بدأت أجهزة الدولة في التركيز على إنتاج أصل جديد، وهو “الهوية المصرية”.

رواية كيف تمت إدارة ذلك الأصل المستحدث وتنظيمه وبيعه وشرائه على مدى القرن التالي رواية مأساوية ومعقدة ولن أتطرق لها هنا. ومع ذلك، قد يكون من المفيد لنا رسم الأطر العامة للنسخة الحالية من هذا البناء الفكري، وتحديد الآليات التي تعمل من خلالها عناصره المثابرة؛ فهذه الأطر والآليات وما تطرحه من مفاهيم (في تحجرها واستمراريتها العنيدة) مؤشر على وهن ثقافي أعم. وبما أن ظرف هذا الوهن هو ظرف عام فهو أقل تحديداً وأكثر خطورة من مجرد كونه نقطة فساد محصورة في مكان أو زمان واحد (اي أنه العنصر المشترك في جميع الحقب الحديثة، و ٕان كان اكتسب أهمية مضاعفة في القرن العشرين) لذا فهو يحتوي على عنصر متوطن في قلب فكرة النظام في حد ذاته، وهو العنصر الذي يعطيه هذه الاستمرارية.

في الفترة بين انتفاضة عام ١٩١٩ واسعة النطاق وحركة عام ١٩٥٢، اتسمت علاقة الدولة المصرية بقطاع كبير من رعاياها بالتوتر. في تلك الفترة تدفقت أشكال وألوان مختلفة من الخطابات العامة وانتشرت الأفكار السياسية المتنوعة (الإسلام كبديل سياسي، القومية بدلالاتها الفاشية والاشتراكية، الوطنية المصرية، والأفرع المختلفة من الماركسية إلخ3)، فضلًا عن انفجار المظاهرات الطلابية والعمالية والاضطرابات السياسية المستمرة. وفي سياق هذه الحقبة المضطربة تم تصعيد كوادر من الموظفين المحليين المتعلمين داخل أجهزة الدولة (وأحيانًا بالتضاد مع النظام الهرمي بداخلها)، مما خلق حاجة ملحة إلى وضع إطار جديد ينظم العلاقة بين كوادر البيروقراطيين تلك، وبين المؤسسات والمنظمات التي يعملون بداخلها4. صاحب هذا التطور داخل الدولة (وكانعكاس لها) خلافات جدلية ذات طابع فكري وسياسي، تبلورت حول تعريف كلمات مثل “الأمة” و”الوطن” و”الشعب”. انفجر هذا الجدال على صفحات الصحف والمجلات، وداخل النقاشات الحادة في المقاهي والحانات، وفي منشورات ورسائل وأطروحات مطبوعة ومنشورة. وفي ظل ذلك الجو المشحون، أصبحت السلطة تقاس ويستدل عليها بمدى قدرتها على فرض تعريف لهذه المصطلحات. ولكن يجب أن نشير أيضًا إلى أن هذه المصطلحات في حد ذاتها لم تخضع للمساءلة، فقد تقبل جميع اللاعبين إطار اللعب المحدد مسبقًا وتفاعلوا بداخله، ولذلك لم يكن صراع نظام السلطة مع معارضيها حول ما يمكن أن يكون شكل المجتمع، ولكن حول من يسيطر على تعريف كلمة الأمة أو الوطن اللتان تصيغان معاني السلطة في ذاك المجتمع5.

يشير مصطلح “المثقف الفاسد” في أحد جوانبه إلى أولئك الموظفين والشعراء والروائيين ومديري المتاحف والفنانين ومن على شاكلتهم ممن يدّعون الحديث دائمًا (علنا أو سرًا) باسم “مصر” (أي من يكون خطابهم الرسمي ضمنياً مبني علي فكرة وجود علامة جماعية مهيمنة تصيغ جميع المفاهيم والعلاقات بداخلها و هي ما يطلقون عليها اسم “مصر”). فأولئك هم الذين شكلوا الخطاب العام ووضعوا قواعده، وصاغوا مصطلحاته وبرروا طبيعة الأشياء بداخله. وفي ظل إرشاداتهم الدقيقة، جرى تشكيل النظام الاجتماعي. ومع ذلك، وُجد نظام (خطابي واجتماعي) آخر موازي، قد يبدو خفيًا على من يراقب الساحة الرسمية، ولكنه على قدر عالي من المرونة والتكيف. إنه ذلك النظام الرخو غير المعروف أو المعلن الذي يقتسم ذات الفضاء المجتمعي مع الأجهزة الرسمية6.

ما يمنح الخطاب صفة رسمية في النظم المركزية: هو بناؤه على مرجع تأسيسي أوحد مهيمن، له وظيفة تصنيف ما هو قَيّم وما هو غث، بغض النظر عن طبيعته. وهو ما ينتج أفقًا محدودًا من المعاني التي تفتقر للقدرة على العمل خارج المعايير المحددة مسبقًا. ولكن نجد على أرض الواقع، أنه حتى إذا أظهر الفرد ولاءً لذلك الخطاب الرسمي؛ فأفعاله وقراراته وتفاصيل حياته اليومية تبقى في تعارض صريح مع هذا النظام الخطابي. قد تكون تلك المفارقة صفة ملتصقة بكل الأنظمة الاجتماعية، ولكنها أكثر وضوحًا ومرئية في المناطق المتسمة بثقافات شعبية حادة وعالية وهستيرية7. يمكن فهم لحظة القطيعة والذبذبة اللتان شهدتهما مصر في الثلاث سنوات الماضية، باعتبارها لحظة منطلقة من تلك الفجوة بين نظام خطابي معلن وآخر حياتي ممارس.

لإيضاح طريقة عمل وتطوير تلك الآليات، يجب علينا الأخذ في عين الاعتبار التعريف والتفاصيل المحددة لمصطلح سأستخدمه هنا بطريقة خاصة وهو: “الحشود”، وأعني بها جموع البشر في مكان وزمان واحد عندما تتعامل مع نفسها ككيان موحد. نتعامل هنا مع هذا المصطلح (أي “الحشود”) كإشارة للوحدة الأساسية داخل النظام الاجتماعي، التي توازن بين حضور الفرد وحضور الجماعة.

في مقالي السابق، عرّفتُ ذلك المصطلح كالآتي: “الحشد هو نقطة تحول كتلة إلي جماعة لها إدراك موحد لوجودها، مجموعة من الخلافات والتوترات القادرة على صهر ذواتها لتشكل كيانًا معرف”. الحشود بهذا التعريف هي كيان موحد، ولكنها أيضًا موقع للتوترات والحلول في نفس الوقت. هي أيضًا لديها وعي ذاتي وقدرة على تعريف ذاتها كوحدة. هذه الحشود كثيفة وليست بسيطة، فطبيعتها المركبة تنفي اختزالها في صورة واحدة يمكن امتلاكها أو احتوائها. وعلى الرغم من أنها تعتبر تجلي للصيغة الجمعية، فهي ليست ممثلة للجماعة، مما يجعلها أقرب للكناية من المجاز، بمعنى أنها (أي “الحشود”) جزء من الجماعة وليست مجرد وصف لها8. يستغل “المثقف الفاسد” أدواته من الكتابة والتقرير والافتراضات المعلنة في سعيه الحثيث لتبسيط وامتلاك وتمثيل تلك الحشود، مع إصرار شديد على التعامل معها كمجاز يمثل الجماعة في صورة رمزية وليست ككناية عن جماعة لها وجود مستقل يفرض مستوي من التركيب والتعقيد لا يمكن استهلاكهما كما تستهلك الصور المبسطة. ولكن، وهنا المفارقة، نجد أن هذا البناء المركب للحشود (موازنتها بين الفرد وخصائصه، والجماعة وخصائصها) وكثافتها، تبقى عنصرًا جوهريًا في عملية بناء نظام السلطة المعرفية. فالأدوات الخطابية التي تُبنى عليها تلك السلطة (والتي هي أدوات هذا “المثقف الفاسد”)، مثل شكل البرهان أو الحجة، ومصطلحات الخطاب وبلاغته كما مفردات المجاز اللغوية: تحتاج لمخزون من التجارب الحقيقية تستند عليه لكي تتمكن من القيام بوظيفتها بفاعلية كأداة للسلطة. لكي تنجح السلطة في تحويل وجودها المفروض بالقوة إلي سردية تاريخية، ولكي تنجح في إنتاج الإيهام الضروري لنجاح أية عملية تطبيع للواقع، واعتبار الوضع الهرمي القائم طبيعي وغير مُصَنَّع، فيجب أن يستند النظام على ما هو “حقيقي” (أي الظروف التاريخية والمادية القائمة) حتى إن قام بتدليسها. وببالغ الدهاء، يقوم النظام من خلال أدواته الخطابية بتحقيق ذلك، من خلال نفي الصفة المركبة للحشد بينما يقوم باستغلالها في نفس الوقت.

من صفات تلك “الكثافة” أن تظهر بشكل يمكن إدراكه على سطح تلك “الحشود”. فيمكننا أن نعتبر هذه “الكثافة” مكونة من عدة شرائح: أولًا، هناك الأنظمة الخطابية المختلفة المتتالية تاريخيًا، والتي عاشت تحت سلطتها الحشود وتركت بهم “بصمة”، أي مخزون من المعرفة والتجربة. يعني ذلك أن الحشود تاريخية وتملك من الحدس ما يجعلها تدرك محيطها التاريخي، وهو حدس غير ميتافيزيقي لأنه مكتسب عبر تراكم قرون من الخبرات الحياتية: أي أنه ليس فطرة أو فطنة، بقدر كونه نتاج التعلم من خلال تجارب مريرة متتالية. للمفارقة؛ نجد أن رواسب الخبرة والتاريخ هذه هي بالظبط ما تحتاجه الخطابات السلطوية التي تستدعي الإشارة إلى ماضٍ مشيد وغير متغير لصياغة مستقبل ذو أفق محدد مسبقًا9. أي الخطابات التي تدعي أنها هي (وليس فقط ما تشير إليه) غير تاريخية تدور في فلك مجرد وثابت.   

ثاني خاصية من خصائص “الحشود” هي كثافتها المفصلة، والتي هي نتيجة تلاقي الإيماءات الفردية لكل عضو داخل الحشد، تلك الإيماءة التي تنبع من التاريخ الشخصي لذاك الفرد تصاغ هنا  ضمن الحشد الجامع. هذه الحدة أو التكثيف تعبر عن: الهوية الجماعية، والدوافع والنوايا الفردية في ذات الوقت. وبما أنها نابعة من الفرد، فهي أيضاً تعتبر تعبيرًا عن الرغبات والاحتياجات الأنانية له أيضًا. بناءً على ذلك؛ فالجماعة هي مجموع كل ما يكون عليه كل فرد فيها، في اطار سياق علاقات الفرد بالآخر داخل إطار جماعي. ومع ذلك نجد أن الرغبات الفردية والتماهي مع الهوية الجماعية دائمًا في حالة من التوتر المركب ذو الأصوات المتعددة، فالمساحة المشتركة دائماً تخلق تناقض ضمني.

علاوة على ذلك، بما أن الرغبات والنوايا تتحكم في الجماعة من خلال الفرد، فهي (أي الجماعة) ليست عمياء، بل هي قادرة على الوعي الذاتي والثقة وقوة الإرادة اللازمة لتأكيد مطالبها الأنانية. ولهذا فالحشود قادرة على مقاومة جماعية قوية وخلاقة وسامية، بذات القدر الذي قد يوقعها في فخ كراهية الآخر والقتل الجماعي والعصاب الفصامي الذي يتزامن فيه تعظيم الذات مع لذة الخضوع.

وأخيرًا، لتدخل “الحشود” إلى حيز الوجود، يجب أن تتواجد حالة من التوافق بين كل هؤلاء الأفراد. وتعمل هذه الكثافة بأسلوبين مميزين عن بعضهما. فمن ناحية، تعتمد على “عنصر إيمان خطابي” (وهو ما يخلق حالة التوافق المشار اليها سابقاً) وهو ترسب لمخلفات تراث الخطابات (الفاشلة) المختلفة (خليط من أحلام النهضة والتطور الحديثة بأشكالها السياسية المختلفة وخرافات الخلاص العتيقة، وكلاهما وجهان لنفس العملة قد عارضا النظام المهيمن ومنحاه شرعية في نفس الوقت). يمنح ذلك “العنصر الإيماني الخطابي” للحشد هوية. فهو عنوان، وصيغة فردية لتعريف الذات بالتماهي مع الجماعة. على الجانب الآخر، نجد أن الممارسة الاجتماعية السياسية الفعلية لتلك الأيديولوجيات (أي عناصر الإيمان التي تعطي الحشد هوية) غالبًا ما تتعارض مع ما يفترضه هذا العنصر الإيماني نفسه. بعبارة أخرى، لدينا حشود تمثل نوعًا من الطاقة المختزنة والإمكانيات (ذخيرة الأمة)، ولكن خصائصها ذاتها تتناقض مع الصيغ والأفكار التي تعلن ولاءها لها.

تلك الخصائص الجامعة والمناقضة لتعريف الهوية الحاكمة ذاتها، هي ما يسمح للحشد بأن يصبح في موقع الخضوع في المقام الأول. هذا التناقض ذاته، تلك العملية الخطابية الحساسة، هي ما عرفه وأدركه “المثقف الفاسد”، واكتسب مهارة شديدة في إدارته علي المستوي الثقافي.

بشكل ما، أنا أحاول هنا أن أشير إلى الأسس والقواعد المفاهمية التي تنشأ عليها التجربة اليومية للإقصاء والتصنيف والتنظيم الذاتي، والتي تكمن وتعمل في خفاء داخل جميع النظم الخطابية. وهي مبنية على تناقضات الهوية (أي عنصر الايمان)، وتشكيل الحشود (الرغبات الفردية في صيغة جماعية) لإنتاج ذلك الخطاب المُنَظِم والقادر على الإقصاء.

ولطرح هذا الخطاب على المجال العام بفعالية، يجب اللجوء للغة ذات صدى مع الجمهور العام. ولذلك، تتاح مساحة كافية وسياق مناسب لاعطاء تصريحات الموظفين وآراء الصحفيين وتفاهات كاتبي الأغاني الرسميين جميعاً معاني لغوية واجتماعية رنانة. هذا فضاء عام ولكنه ليس فضاء “المفكر العام” القادر على النقد وطرح الأسئلة الملحة والضرورية؛ إنه فضاء المنظرين ممن تعد تصريحاتهم ضرورية لتحويل الحاضر المعاش إلى تاريخ رسمي. تلك التصريحات التي تنتج من قبل جميع الأجهزة الرسمية، تدرك (بشكل ضمني) خصوصيات الحشود، وتعرف جيدًا الطرق الفعالة لمخاطبتها. ونتيجة لذلك، لدى هؤلاء المنظرين الموظفين المقدرة على وصف ما نشترك فيه جميعًا: فضاؤنا العام، من خلال أطروحة تفسر الواقع لصالح رؤية محددة: هي رؤية السلطة.

وإذا كانت مصر قد مرت بمحاولة حقيقية للقطيعة مع هذه البنية الخطابية عام ٢٠١١، فقد كانت بالضرورة محاولة لقطع الاتصال بذلك النظام بأشكاله الخطابية المختلفة. بالرغم من ذلك، وحتى الآن، من المثير للأسى الساخر أن تلك القطيعة نجحت حقيقةً في إعادة إحياء جميع هذه النماذج السردية السابق ذكرها. تلك النماذج التي كانت قد أصبحت مجوفة وفارغة منذ ثلاث سنوات فقط، قد استعادت اليوم عنفوانها وأهميتها. لماذا؟ أعتقد أن هناك مسببات تتخطى الأجوبة المعتادة الممثلة في غياب التعليم، و غياب الكوادر السياسية، وغياب الخبرة الجماعية. فالفضاء العام الذي شكله هؤلاء “المثقفين الفسدة”، أولئك الديماجوجيين، منظري الرداءة الجهلة، عبيد السلطة المدلسين المتبخترين بذواتهم، حمى وحافظ على نظام السلطة بعد اضطرابه. لقد أعادوا تشكيل أنظمة خطاباتهم عبر نشر لغة “الاستقرار”، والتي تضمنت عبارات كـ”هيبة الأب” و”المؤسسة الشريفة” و”مصر الخالدة”.

على الرغم من أن كلمة “الشعب” لا تزال أساسية في ذلك الخطاب، فاستخدام المصطلح يقتصر على إضفاء هالة شرفية فارغة بدون مضمون، مع الاستمرار في مخاطبة هذا الشعب كتابع سلبي.

يمكن قراءة “لحظة القطيعة” التي حدثت عام ٢٠١١، ليس كحدث ولكن كتجلي، أو نوع من التسامي عن الأوضاع القائمة. كما وُصف سابقًا: النظام الاجتماعي المنقسم بغير تهذيب بين ممارسات يومية ونظام خطابي رسمي منفصل عن الواقع، سيصل بالضرورة لمرحلة لا يمكنه التعبير فيها عن ذاته سوى في شكل تحركات جماهيرية وجماعية ضخمة- أي من خلال الحشد (لأن الحشد هو ذلك الموقع المضطرب الموازن للرغبات الأنانية غير المشبعة والصيغة الجماعية). في مثل هذه اللحظات، يمكن لأفعال ذوات مغزي أن تقوم بتجسيد المعاني. ولكن ما تجسده هنا ليس رمزًا لأمر قائم في المجتمع، بقدر كونها فكرة مستقبلية لما يحتمل حدوثه. لذلك نجد أن الفجوة بين القواعد واللوائح التي ينتجها الخطاب العام، والتنفيذ الفعلي لها في الحياة اليومية المعاشة، هي تلك المساحة المتناقضة الممتلئة بالوعود وإمكانية التحول، والمواتية في نفس الوقت لتجديد وإعادة بناء النظام المهيمن10.

“المثقف الفاسد” يدرك وجود تلك الفجوة جيدًا، ومن ثم يقوم بمهمته الحثيثة في المضاربة بسوق أشباح الأفكار الواهية الوهمية. يعيش في عالم من الاتفاقات والمواءمات، أولًا: ما بين المثقفين وبعضهم البعض، لتحديد الأدوار التي يلعبها كلٌ منهم، وثانيًا: بين الأوهام المتضاربة حول ما تمثله أو ترمز إليه الأفكار. تأخذ هذه المجموعة من الاتفاقات موقعها المساند بجانب مجموعة التوافقات الرئيسة، التي تسمح في الأصل بتأسيس النظام الاجتماعي. الخطاب الرسمي المدعوم من، والمعبر عن، السلطة القائمة وقواها يكتسب دلالته ومغازيه من خلال عنف ضمني يمارس علي  المجال الخطابي العام كله بدون أي استثناءات. فهو يطالب، ويأمر، يرتب، وينظم جميع ما يحيط به. لحظة القطيعة هي لحظة البحث عن اتفاقات جديدة. هي المطالبة باتفاق جديد أكثر ملائمة وقدرة على التطابق مع التغييرات البنيوية والهيكيلة الجارية اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا. وعلي النقيض من منظومة الاتفاقات المهيمنة، نجد أن ما حدث ما بين قوسين في مصر عام ٢٠١١، هو مثال مكتمل على فعل تواصل علي مستوي القاعدة بين الأفراد، حيث تم التراكم وبناء القوة والسلطة الموازية من خلال عنف تحولي مؤسس على انفتاح وعدم ثبات. وبالتالي فهو حدث يمكن اعتباره بمثابة مرادف مضاد (كامن وبانتظار الإشباع) للاتفاقات غير المعلنة داخل المجتمع، والتي ترتب وتصنف تعريفاتنا المناقضة لتعريفات النظام المهيمن. ويعني ذلك أن جوهر وأساس فعلي الرضوخ والثورة في حالة من التمازج والتضاد، حيث يكمن في كليهما محاولة للوصول لتفاهم ما مع عنصرٍ أساسيّ، ولكنه غير مكشوف، من التجربة التاريخية. حجتي هنا هي أن تجربتنا التاريخية (أي قدرتنا على إدراك تجاربنا الحياتية الجماعية وفهمها كتجربة تاريخية) مؤسسة على تشكيلات من التفاهمات والاتفاقات التي تحكم تجربتنا الاجتماعية. الفرق بين كلا الطرفين (الخضوع والثورة) هو أن الخضوع يشبع رغبة إظهار الإتفاقات الضمنية دون سعى لتفعيل وتحويل تلك الاتفاقات الجديدة إلي علاقات في الواقع، أي يسعي أن يعاملها كمجاز، تعيش في المتخيل فقط فيقوم بتفريغ ضروريتها وإلحاحها من خلال ذلك الاستهلاك الرمزي، بينما يحاول فعل التواصل الحقيقي على مستوى القاعدة (وهو هنا فعل ثوري) أن يمتلك ويدرك الأدوات المتاحة أي أن يجسد ظرفه التاريخي لإشباع ذات الرغبات، ولكن على مستوى “الحقيقة” أو “الواقع”. فالمتخيل دائمًا أكثر راحة وسهولة، لأن العالم الرمزي الذي يخلقه بعيد وغير متصل برغبات الأفراد الحقيقية. ولكننا نجد علي العكس أن “الحقيقة” خطرة ومتضاربة. هي تلك المساحة حيث لم تكتشف الرغبة لغة رمزية للتعبير عن ذاتها. وبالتالي تصبح مزعجة، ولكنها في نفس الوقت ربما لها إمكانية إحداث تحول حقيقي. ولكن مرة أخرى؛ نجد أن أولئك المتملقين ذوي الوجهين، قرود النظام، مصاصي الدماء، مجهضي الأحلام هم من ينجحون في خلط هذين الفعلين المتعاكسين في الخطاب العام. دورهم هو التعبير العلني في الفضاء العام عن حالة الخضوع كأنها حالة من التواصل الشعبي.

ومع ذلك، يظهر بجانب كل مثال لذلك الخطاب، شبح من الأمل. فيجب ألا ننسى أبدًا أن هناك نظامان على الأقل يعملان هنا، فبجانب منظومة خطاب السلطة المهيمنة، هناك “واقع اجتماعي” موازي ينجح في التواجد تحت أقسى الظروف.وحقيقة أن ظهور ذلك الواقع في شكل ما، تجعله قادر على هز أسس النظام الخطابي المهيمن‪.‬ نجد في هذا العالم الموازي الإمكانيات الكامنة التي لا يمكن أن تتحقق تحت ظل النظام الخطابي القائم، قد أصبحت ممكنة وموجودة وحاضرة ولكنها سرية. وهذا لأنها غير معنونة أو محتفى بها، مما يجعل ذلك العالم الموازي شديد القوة والإلحاح. ولكن يجب ألا نضفي عليها هالة رومانسية. فيجب أن ندرك أنه على الرغم من أنه فضاء ذو إمكانات كامنة رائعة، فهو فضاء فوق أخلاقي وليس معنياً بالحفاظ على أفراده، هو فقط يسعى لإيجاد لحظة توافق بين إنتاج الجماعة (بصفاتهم الكامنة سواءً كانت الهيستيريا الجماعية، أوالخوف والارتياب، أو القوة المذهلة لتعبير مستقل مجهول المؤلف، قادر على إعطاء شكل للواقع)، والبنية الفوقية الذي يعيشون تحت وطأتها11. أنا هنا لا أحاول أن أصف قوة الجماعة بقدر محاولتي أن أصف القدرة المادية لحالة ما على أن تتواجد، ويكون لها القدرة على أن تتخطى الآليات التي تقوم بإنتاجها وتشكيلها في نفس الوقت.

ما يهمني هنا هو نوع من “الشكلانية” وليس احتفاء تعبيري بالنفس. فهذه هي المساحة حيث تشتق الثقافة المنتجة جماعيًا موادها ومصادرها من البنية القائمة، وتنجح في إنتاج أشكال لا تتخطى الحدود الضيقة داخل حقل إنتاجها. أي أنها أشكال صممت لإشباع أهدافها النفعية كأدوات ترفيهية مثل النكات أو أغاني زفاف أو طرق الدفاع عن منطقة نفوذ. ولكن في ذات الوقت، تنجح تلك الأشكال بغير قصد في الهروب من أفق وظائفيتها لتتخذ (مصادفةً) شكلانية محددة ودقيقة، مثلاً على شكل أغاني أو أقوال مأثورة أو تعاويذ سحرية أو إيماءات جسدية تقوم دوماً بالتشكيك في البنية الرسمية وخطاباتها. نجد هذه اللحظات الشكلانية السرية في الحياة اليومية المعاشة لكل طبقات المجتمع وليست (كما يشاع)مقصورة على الطبقات الشعبية فقط12. وهي بوجودها تعلل وتشير علي اهتزاز ما فنجدنا الآن عند لحظة اهتزت فيها رواية التحقق الطبقي ذاتها. لم تهزها الثورة، ولكن الثورة نفسها أتت كتطور للانهيار الفعلي لتلك الرواية.

ما زلت شديد الأيمان بالأهمية المطلقة والدلالة الكبيرة لما حدث في يناير ٢٠١١. بل يكاد يكون ذلك التطرف الشديد في إعادة تشكيل النظام المهيمن هو في حقيقته إقرار وتكريس لقوة تلك اللحظة. فقد اضطرب الخيال الشعبي وأصبح يتوق للهدوء والاستقرار الراكد المألوف. ولهذا فقد نجحت الثورة.

على ذلك النحو، فإن أي نوع من الفعل السياسي يرغب لخلق لحظة تحول وتغيير، يتخذ نقطة القطيعة كمنصة انطلاق، عليه أن يأخذ في عين الاعتبار الصدى والرنين اللغوي الناتج عن التفوه بكلمة، أو إطلاق بيان داخل أفق محدود جرى تصنيعه عبر التراكم التاريخي، وتم تحديده من قبل البيروقراطية الفكرية للنظام المهيمن علي مدي قرنين من الزمن. هذا ليس تأييدًا لحدود أو معاني ذلك الأفق المغلق، ولكن يجب إدراك أن الكثافة التاريخية لهذه المنظومة، والتي تستند علي شخصية “المثقف الفاسد” لرسم خريطتها الخطابية، هي المؤسِسة لفكرة المعنى العام و الرسمي ذاتهما، على الأقل في سياقنا الحالي. فأن نحاول الخروج من هذا الإطار، وأن نمارس القطيعة، لابد أولاً الاعتراف بفكرة المعنى هذه كما هي عليه أخذينها في الاعتبار لكي نتجاوزها. علينا إذًا التخلي عن ادعاءات “التحرير”، ولوائح “التطور” المنزهة. يجب التخلي عن “الشعب”، و”الأمل”، و”الحلم”، و”الممكن”، من أجل إحداث التحول ذاته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نُشرت النسخة الاولى من هذا النص بالانجليزية في كتاب “ابرة  تسير لداخل كومة قش” تحرير مي أبو الدهب، بتكليف من بينالي ليڤرپوول، ٢٠١٤. ثم تمت إعادة نشره بعد ذلك في مجلة أي-فلوكس #٥٧ سبتمبر٢٠١٤.

*‫تمت ترجمة وإعادة صياغة هذا المقال بالتعاون مع مدى مصر‬.

 

1 ظهرت أول نسخة من هذا النص في “كيف نبدأ؟ تخيل تأثير جوجنهايم أبو ظبي”. وهو مشروع رسالة ماجستير للقيمة والناقدة التركية “أوزج إرسوي” في مركز الدراسات المتحفية لجامعة بارد. نشرت نسخة ثانية في العدد الثامن عشر من مجلة إي- فلاكس في سبتمبر ٢٠١٠

2 تحت حكم محمد علي، قادت الطموحات التوسعية والحاجة لتأسيس سلالة حاكمة من نسل “محمد علي” إلى عملية إنتاج الخطاب هذه.

3الحقيقة أن المنظومة الفكرية المهيمنة قامت باستيعاب اللغة الخطابية لجميع هذه التيارات وأعادت طرحها من خلال آليات السلطة وتحت مسميات جديدة، ولم يتم هذا على المستوى الرسمي من خلال الخطاب السياسي للدولة فقط ولكن أيضاً على المستوى الثقافي. فنجد مثلاً في الأدب والسينما رواية فتحي غانم “الرجل الذي فقد ظله” (صدرت عام ١٩٦١-١٩٦٢) مقارنةً بالفيلم الذي أخرجه كمال الشيخ عام ١٩٦٨ (وهو من انتاج المؤسسة المصرية العامة للسينما، أي الدولة) وقد تم تفريغ المحتوي النقدي و السياسي لها وتحويله إلي سردية شخصية وغطاء للعواطف الوطنية.

4 الرؤى الاستشراقية المؤسِسة داخل النظام التعليمي والثقافي والتي وضعها “الخبراء” الأجانب الذين ارتقوا أعلى المناصب داخل البيروقراطية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، استَقْدمت عنصراً جديداً لنظام التعريفات المتشابك والمتصارع هذا. ولذلك انتهى بنا الأمر مع جدال ثلاثي الأطراف حول طبيعة الدولة ومواطنيها.

5 في المستقبل، كان هذا ليتسبب في عواقب وخيمة، فأصل فكرة التحرر القومي والاستقلال فرغت من كل الإمكانات الكامنة بها.

6 وليس المعني هنا المعارضة التقليدية (سياسية كانت أم فكرية) ففي أنظمة السلطة التي أتحدث عنها هنا، النظام ومعارضته أقرب لبعضهما الآخر من ما يتخيلان، فهما يشتركان في استثمار عميق لخلق ولاء لهوية قومية وطنية بغض النظر عن ماهيتها المفترضة.

7 من المهم الإشارة إلى أن ذلك الملمس، تلك الهستيريا الصاخبة، ليست خاصية ضمنية غير تاريخية كامنة في “الشعب”، ولكنها تأطير شديد التطور للظروف المادية التي تعيش في ظلها الحشود.

8 هذا الاختلاف الذي قد يبدو طفيفًا في اللغويات، هو في الحقيقة عاملٌ مؤثرٌ للغاية، فنجد أن خاصية جوهرية للأنظمة الخطابية التي ينتجها ” المثقف الفاسد” لخدمة النظام هو خلق ارتباك مقصود بين الكناية والمجاز.

9 لاحظ بلاغة الجدال الذي يوضح بشدة ذلك الظلم والخضوع كقدر محتم للشعب. تكتسب هذه الأطروحة مصداقيتها عبر الإشارة إلى تجربة مشهود لها بالصدق، ولكنه صدق قصد به باطل، لأنه يصور هذه الحالة كحالةثابتة وغير متغيرة، بينما في الحقيقة هي حالة شديدة التفاصيل دائمة التحول وقوبلت باستمرار بمقاومة (يتم تجاهلها أو اختزالها في السرديات التاريخية الرسمية عن قصد) حثيثة ومستمرة.

10 الأمر ليس ثنائية بسيطة لأفكار يؤمن بها ويسعى لها على جانب، وحقيقة الحياة اليومية على الجانب الآخر. كما أنها ليست مجرد نفاق أخلاقي. إنها بالأحرى صفة بنيوية للواقع المجتمعي المتواجد في ساحة مشتركةيمكن أن نطلق عليها اسم “مصر”

11 بشكل ما، هذا هو عكس آليات الاغتراب والتجسيد، وهي آليات نفسية لخلق عالم متوهم. أعلم أني أقترب بشدة من الشعبوية هنا من خلال طرح إيمان مبسط في قدرة الجماعة على إنتاج تجارب حقيقية.

12 ربما لأن الطبقات الشعبية مستثمرة بقدر أقل في السردية السائدة (لأنها تحقق لهم فائدة أقل في نهاية المطاف)، بينما تعد الطبقات الوسطى محورية في صياغة ذلك السرد، وتستفيد منه الطبقات العليا والسلطويةمباشرة.

اعلان