Define your generation here. Generation What
معرض بانكسي…الحروب والصراعات العربية تتصدر “ديسمالاند”
 
 

“الطريقة التي اختار بها بانكسي عملي الفني كانت غريبة، والمكان كان غريبًا. لذا أشعر أن مشاركتي في المعرض كانت مثيرة للدهشة”، هذا ما قاله الفنان السوري تمام عزّام حول اختيار أحد أعماله ضمن أكبر عرض فني هذا الصيف.. معرض ” ديسمالاند”.

المعرض المقام تحت رعاية فنان الشارع الغامض “بانكسي” والذي وصف بأنه “أكثر المزارات البريطانية خيبة للأمل”، ضم أكثر من خمسين فنان. ظهر المعرض فجأة، وانتهى يوم السابع والعشرين من سبتمبر المنقضي. وأقيم في منتجع مهجور للسباحة بمنطقة ويستون سوبر مير Weston-super-Mare، وهي منطقة ساحلية بريطانية يقول بانكسي إنه قضى فيها أول 17 صيف في حياته.

عزام هو واحد من تسعة فنانين عرب اختارهم بانكسي للمعرض الذي استمر شهرًا كاملاً. وبينما قالت معظم وسائل الإعلام التي غطت المعرض إن المشاركين فيه من كافة أنحاء العالم، إلا أن نظرة فاحصة على موقع “ديسمالاند” تكشف أن المنطقة الوحيدة غير الغربية الممثلة بقوة في المعرض هي منطقة الشرق الأوسط.

معظم الفنانين المشاركين في المعرض إما أمريكيون أو بريطانيون، بالإضافة لفنان واحد من أستراليا، وواحد من أيرلندا، وأربعة أوروبيين. ثم هناك فنان إيراني وثلاثة إسرائيليين، ربما لمعادلة وجود ثلاثة فنانين فلسطينيين، وثلاثة سوريين وسعودي واحد ومصري، وثنائي فني من سوريا وجنوب إفريقيا.

وبالنظر للأعمال المعروضة في “ديسمالاند”، الذي يتناول أفكارًا ديستوبية (أو سودوية) كالحرب والديون والاستهلاكية والإعلام الفاسد، يمكنك أن ترى لم أطلق عليه “بانكسي” اسم: “حديقة الذهول”، واسما آخر- ربما يكون أقل إقناعًا- وهو: “منطقة جذب للعائلات، تظهر انعدام المساواة وما نحن مقبلون عليه من كارثة وشيكة”.

اختار بانكسي كل قطعة بنفسه، وجرى الاتصال بالفنانين من خلال هولي كاشينج، وكيلة بانكسي، التي لم تذكر اسمه عند اتصالها بالفنانين. يقول عزام- الفنان السوري- إنه عندما تم الاتصال به وافق على المشاركة في المعرض دون أن يعلم أن منسقه هو بانكسي. 

“التنين” فنان الشارع، والمصري الوحيد المشارك في المعرض، يقول: “تلقيت رسالة من المنظمين، وبعد مكالمة للاتفاق المبدئي جرت عبر سكايب، اتفقت معهم على الفور”. الفريق المنظم طلب من التنين عمله: “القُبْلة”.

العمل مبني على صورة فوتوغرافية التقطها الفنان استبان اجناسيو خلال مظاهرة جرت في شيلي. تبين الصورة رجلا وامرأة يقبلان بعضهما البعض بينما يغطيان رأسيهما ووجهيهما ليحميا نفسيهما من الغاز المسيل للدموع. وربما يكون هذا الغطاء، أو عرض ذلك العمل بجانب العديد من الأعمال الفنية العربية الأخرى، هو ما أثار الخلط لدى بعض المشاهدين للمعرض. فعلى سبيل المثال قالت صحيفة الإندبندنت في إشارتها للعمل إنه يمثل “قبلة مصرية إسلامية”.

kiss-tent-dismaland.jpg

Dismaland

عندما عرض العمل نفسه في معرض بعنوان “من الناس”، أقيم في العاصمة الأمريكية واشنطن في 2012، كتبت عليه عبارة “سنتقابل”، ولكن التنين يقول إنه يشير للعمل الآن باسم “القبلة”، وإنه بالمصادفة فالاسمان اللذان حملتهما اللوحة (سنتقابل – القبلة) يشتركان في الجذر اللغوي العربي. وبينما كان العمل لوحة مطبوعة في السابق، فمن أجل ” ديسمالاند” قرر التنين أن يعيد تقديم العمل من خلال الاستنسيل (إحدى طريق الطباعة وتستخدم في عمل الجرافيتي).   

عندما تلقى الاتصال، كان التنين يباشر العمل على قطعة فنية حول تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. يقول: “تحدثنا حول تضمين هذا العمل في المعرض، ولكني لم أتمكن من إنهائه في الوقت المطلوب. ولكنني انتهيت منه الآن على كل حال”.

قطعة عزام أيضًا تدور حول قبلة، وهي جزء من سلسلة فنية. في نسختها الرقمية تستعيد تلك القطعة لوحة جوستاف كليمت (1907-1908) التي تحمل عنوان “القبلة” أيضًا. أقام عزام عرضا لتلك اللوحة على حائط لمبنى هدمته الحرب في سوريا. الموقع الإلكتروني الذي يعرض عزام أعماله من خلاله يذكر أن صورة العمل لقيت إعجاب ما يزيد عن 20 ألف زائر، وأنها تمت مشاركتها على الشبكات الإجتماعية 14 ألف مرة خلال خمس ساعات فقط بعد أن وضعها أحدهم على الشبكات الاجتماعية في 2013.

Tameem Azzam.png

Tameem Azzam

تضم السلسلة أعمالا يمكن تمييزها بسهولة، مثل العمل الذي ضم لوحتي “الصرخة” لإدفارد مونش، و”ليلة مرصعة بالنجوم” لفان جوخ، وجمعهما في عمل واحد عبر برنامج الفوتوشوب. لعامين كاملين بعد مغادرته لسوريا، لم يستطع عزام الذي يمتهن الرسم أن يرسم أي شئ. وبخبرة امتدت لعشر سنوات في مجال تصميم الجرافيك، قرر عزام أن ينتج أعمالاً تنتمي للفن الرقمي (ديجيتال آرت): “حتى أستطيع الاستمرار كفنان”. 

يرى عزام أن القطعة التي تستخدم لوحة كليمت “القبلة” انتشرت لأن الكثير من الناس ظنوا أنها لوحة حقيقية. فريق بانكسي عرف أنها صورة منفذة عبر برامج الحاسب (تركيب صورة اللوحة على المبنى الذي تعرض للقصف). “لكنهم ( فريق بانكسي) أحبوا الفكرة”.

يشرح عزّام: “عندما أنهيت عمل (القبلة) انتشرت الصورة على الإنترنت بشكل كبير وهذا تسبب في توقف السلسلة. لم أستطع أن أكمل العمل بعد ذلك، لم تكن هناك فائدة من الاستمرار بعد أن انتشرت تلك الصورة”.

حتى اليوم، لم يقابل عزام المصور الفوتوغرافي الذي عمل معه على السلسلة. كان عزام قد رأى صور إيهاب الجابي، التي انتشرت تحت اسم مستعار، فقام بالاتصال به. فقط عندما غادر الجابي سوريا استطاع تمام عزّام أن يذكر اسمه الحقيقي على الأعمال.

“القبلة” عمل غير مفضل لدى صاحبه، ولكن “ألطف شئ يتعلق بها هي أنها القت الضوء على باقي السلسلة” كما يقول عزام. 

مشارك سوري آخر هو فارس خاشوق، جاءت مشاركته في “ديسمالاند” بعمل من ضمن سلسلة ملصقات قام بتنفيذها. وتضم المعروضات ستة من ملصقاته التي أنتجها حول الثورة السورية.

Fares Cachoux - Houla.jpg

Houla

عندما تلقى خاشوق اتصالا من فريق بانكسي، عرف منهم أي ملصقات يودون أن يضموها للمعرض. طلب فريق بانكسي خمسة ملصقات بعينها، وبعدها طلبوا ملصقًا سادسًا. أصروا على اختياراتهم، رغم أن خاشوق اقترح عليهم تضمين ملصق “الحولة” ( قرية سورية تعرضت لمجزرة على يد قوات الأسد ومرتزقة موالين له في مايو 2012). ملصق الحولة هو الملصق الذي بدأ به خاشوق سلسلته وهو أكثر ملصقات السلسلة شهرة. 

يخلد الملصق ذكرى المذبحة التي شهدتها القرية الواقعة شمال حمص السورية، وقتل خلالها أكثر من 100 شخص بينهم أطفال، تم ذبحهم بالأسلحة البيضاء. هذا الملصق والملصقات التي تبعته في السلسلة، يظهر فيه الأشخاص كظلال “سيلويت”. على اليسار من الملصق يقف بشار الأسد حاملاً سكين جزار خلف ظهره، وأمامه يقف طفل مذعور ممسكًا بلعبة.

“حمص” هي مسقط رأس خاشوق، وهي مهد مبكر للثورة السورية. خاشوق، الذي عمل مخرجًا فنيًا في إحدى الوكالات الإعلانية، يشرح أن القتل والتدمير في حمص وصل إلى نقطة جعلته يتخلى عن العمل في الإعلانات وغيرها من الأمور التجارية، ليوجه انتباهه لسوريا. وكان ملصق “الحولة” هو أول أعماله.

يشرح خاشوق: “المجزرة التي شهدتها الحولة في أوائل الثورة عام 2012، أثرت على الرأي العام السوري. وأثرت عليّ شخصيا فقد اعتدت صيد الأسماك في تلك القرية”. 

لم يكن في خطة خاشوق أن ينتج سلسلة كاملة؛ بعد ملصق “الحولة” أنتج الفنان السوري ملصقين آخرين، لينتج ثلاثية فنية. لكنه أكمل العمل لسببين يذكرهما، أولهما: أنه وجد أن الملصقات أحدثت صدى واضحا، وثانيهما أن سوريا كانت تنزلق أكثر فأكثر نحو الدمار.

Fares Cachoux - Homs.jpg

Homs

القطع الفنية التي باعها خاشوق خلال معرض “ديسمالاند” جرى تسويقها من خلال منظمة “فنانون من أجل سوريا”، التي تجمع المال لمساندة اللاجئين السوريين.

يقول فارس خاشوق: “في تاريخ الحروب الصعبة، سيكون هناك مرحلة ما قبل الحرب السورية وما بعدها”. يشير خاشوق لملايين الساعات التي يحتفظ بها يوتيوب لمشاهد الجرائم التي ارتكبها النظام السوري والجماعات المسلحة في حق المدنيين خلال العام الماضي.

“ولكن الفنانين بإمكانهم أن ينقلوا ما يحدث في سوريا دون أن يصدموا الناس”، هكذا يعتقد خاشوق، الذي يظن أن الفن بإمكانه أن يجد قاعدة من المشاهدين أوسع بكثير من مشاهدي الصور المفزعة التي تنقلها الإنترنت للحرب.

 

الأول على مستوى “الزبالة”؟

 

في ديسمالاند، معظم أعمال الفنانين العرب موزعة في معرض جانبي يحمل اسم “جزيرة حروب العصابات”، مجموعة في خيمة. وكثير من تلك الأعمال موضوعة بشكل متقارب. الفنانان الفلسطينيان سامي موسى وشادي الزقوق تلقيا معاملة استثنائية، حيث وضعت أعمالهما في قاعة العرض الرئيسية.  

يقول المعلق سلطان القاسمي، جامع الفن الإماراتي البارز: “المعرض كله حول الحرب فعلياً، ولكن تلك الخيمة كانت عن الحرب أكثر من أي شئ آخر”. كان القاسمي متواجدًا في المملكة المتحدة لأن قاعة “وايت تشابل” للفنون بلندن كانت تستضيف معرضًا مكونًا من الأعمال التي تقتنيها مؤسسة بارجيل للفنون التي يملكها القاسمي. يقول: “بدت الخيمة كساحة نضال، شكل من أشكال مواصلة الحياة رغم الصعوبات، بدت وكأنها مظلة حامية في وسط منطقة حرب”.

كان من بين الفنانين العارضين أيضًا عمار عبدربه من سوريا، وثنائي فاوندلاند السوري- الجنوب إفريقي، والفنانة السعودية هدى بيضون، وفنان الكاريكاتير الإيراني مناع نيستاني. وبالقرب من أعمالهم المعروضة، وضع بانكسي أعمال الفنان الفلسطيني البارز سليمان منصور لتكون محور عمل فني منفذ بطريقة التجهيز Installation. منصور هو واحد من أكبر الفنانين المشاركين سنًا في معرض ديسمالاند، وهو يعمل على لوحاته المجهزة بطريقة الوسائط المتعددة منذ 40 عامًا.

وتعليقًا على التركيز على الفنانين العرب في المعرض المنتهي قال سلطان القاسمي: “أعتقد أن هذا يرجع لكون المعرض يعكس ما تقدمه الأخبار. في ديزني لاند أنت تذهب لتهرب وتحيا في عالم خيالي، هذا المعرض يعتمد على ترسيخ ما يجري في عقل المتلقي بشكل أكبر. فقضايا اللاجئين الحاضرة بقوة في الأخبار حاضرة بقوة كذلك في هذا المعرض. هذا تكرر مع صراع الشرق الاوسط وقضايا الجريمة ومصوري الفضائح والدعاية والديون”.

يواصل القاسمي: “كل هذه القضايا تجد صدى لدى زوار المعرض. والشرق الأوسط أكثر من أية منطقة أخرى ممثل بقوة الآن في الدوائر الأوروبية، بسبب قضية اللاجئين وبسبب الحروب الأهلية وكذلك بسبب داعش”.

بالنسبة لخاشوق فإنه إذا ما كان معرض “ديسمالاند” موضوعه قمامة العالم، فمن المنطقي أن يكون العالم العربي هو الأكثر حضورًا، أو كما يقول: “نحن الأوائل في ترتيب القمامة”.  

وبينما لايرتاح البعض لفكرة التركيز على مشكلات المنطقة دون الإشارة لدور القوى والدول الأخرى المتدخلة في الصراعات القائمة في المنطقة العربية، لا يجد خاشوق مشكلة في ذلك. يقول: “المسؤول الأول عن الموقف الحالي هو النظام السوري، لم يكن من الممكن أن تصل سوريا إلى تلك النقطة لو أن النظام تصرف ببعض الاحترام والتواضع تجاه شعبه”.

حتى بعض الجدل الإعلامي حول المعرض تركز حول الشرق الأوسط. فبمجرد علمه أن هناك ثلاثة إسرائيليين مشاركين في المعرض، ومنهم واحد خدم بالجيش الإسرائيلي؛ قام الفنان الفلسطيني شادي الزقزوق بتغطية عمله الفني بقماشة بيضاء مكتوب عليها بالإنجليزية: “ارقدي في سلام يا غزة.. قاطعوا إسرائيل”.

ورغم ذلك قال سلطان القاسمي إن عمل الزقزوق تم بيعه إلى جامع أمريكي بارز للأعمال الفنية، هو نفسه الذي يشتري أعمال بانكسي. يقول القاسمي إنه عرف بذلك عندما حاول شراء عمل الفنان الفلسطيني، موضحًا: ” العمل لم يشتريه مجرد جامع للأعمال الفنية، أو حتى محب شرق أوسطي للفنون. أعتقد ـنها نقطة تحول مهمة لهذا الفنان أن يشتري عمله جامع أمريكي معروف عنه أنه لا يشتري سوى أعمال الفنانين الأوروبيين والغربيين البارزين”.

تمت دعوة الفنان الفلسطيني هاني زعرب للمشاركة ولكنه رفض في النهاية.

يقول زعرب إن العقد الذي عُرض عليه كان أغرب عقد رآه في حياته، حيث لا يسمح للفنان بأي تدخل في الطريقة التي تعرض بها أعماله، كما عرضوا دفع جنيه إسترليني واحد للفنان مقابل عرض عمله. كما لم يتم تحديد مكان أو توقيت العرض في العقد.

يضيف زعرب: “من المستحيل أن يرضى أي فنان بذلك، لم يطلب مني أبداً القبول باتفاق مماثل في خلال مسيرتي الفنية كلها، اتفاق يستغفل الفنان لدرجة ألا يعرف أي شيء.”

النص الذي يضمن لديسمالاند الاحتفاظ بالسرية التامة لطريقة عرض الأعمال أكد لزعرب شكوكه بأن أعماله ستعرض بجانب أعمال فنانين إسرائيليين. “يحدث هذا للفنانين الفلسطينيين باستمرار. نكتشف في آخر لحظة أو أثناء العرض نفسه أن أعمالنا تعرض بجانب أعمال فنانين إسرائيليين. بالطبع إذا كان العرض عالمي فمن الطبيعي أن يشارك فيه فنانون إسرائيليون وليس هناك مشكلة في ذلك. المشكلة هي في وضع الأعمال الفلسطينية والإسرائيلية بجانب بعض، وكأنه بغرض المقارنة. وكان هذا هو الوضع في ديسمالاند حيث أنه لم يكن عرضًا عالميًا، ولكن اقتصر على ست أو سبع جنسيات فقط.”

يعتقد زعرب أن شهرة بانكسي هي التي دفعت فنانين آخرين للموافقة على المشاركة في العرض والقبول بما يسميه شروط عجيبة.

اعلان
 
 
نايرة أنطون