Define your generation here. Generation What

منازلنا…ومقاومة الاستقلالية

بدأ الأمر عندما سافرت إلى الأسكندرية في يوليو الماضي. كنت أقيم في “بنسيون” صغير بمحطة الرمل. بدا تصميمه المعماري قديما من الداخل، ينتمي لمنازل ما قبل يوليو 52، حيث الأعمدة القليلة الضخمة في الوقت نفسه والأسقف المرتفعة المزخرفة على الزوايا والنوافذ الطويلة، بالإضافة لقطع أثاث كلاسيكية تشعر أن غالبيتها مستوحاة من مثيلاتها الأوروبية التي تنتمي لنفس الفترة.

لفت انتباهي اتساع الغرف وتعددها. كان البنسيون عبارة عن شقة منزلية من خمس حجرات وحمامين ومطبخ وصالة كبيرة؛ أي أن هذا المكان كان يوما شقة لأسرة. لاحظت أيضا أنني لا أستطيع سماع صوت الموسيقى الذي تركته عاليا في غرفتي عندما خرجت إلى الصالة. أعادت لي هذه التفاصيل شكوى أختى من صوت الموسيقى (التي عادة ما تكون هادئة) الذي يصل من حجرتي لحجرتها. هناك مشكلة إذن في منزلنا تتسبب في أن تكون الأصوات مسموعة بين الغرف بينما يبدو أن البنسيون، والذي كان في الأصل شقة، لا يعاني من هذه المشكلة.

ربما علينا عند محاولة فهم إشكالية ما أو تفكيكها أن نبدأ بإخراج الحالة أو النموذج الدلالي من خصوصيته. الأمر إذن يرتبط بشكل مباشر بتصميم المكان الذي نعيش فيه، فهو ما يسمح أو لا يسمح بالمدى الذي يمكن أن تصل له الأصوات، كمثال. ولكن هذا لا يتعلق فقط بالأصوات، بل يمكن أن يشمل معظم تفاصيل العيش.

تصاميم بيوتنا “المعاصرة” تفتقر للخصوصية داخل المنزل، أي ما بين غرفه. ففي أغلب الأحوال ولأسباب تجارية يُراعى في تصاميم الشقق أن تتعدد فيها الغرف مع تجاهل ملحوظ لفكرة الفضاءات. تتكدس قطع الأثاث في منازلنا دون فرصة كبيرة لأن يتحرك المرء بشيء من الارتياح. ناهيك عن افتقاد الخصوصية بين شقق نفس البناء أو بين الأبنية المجاورة.

انظر مثلا كيف تكشف تصاميم المساكن الشعبية- بتعمد أو بجهل- عن رغبة المسؤولين عن إنشائها في أن يكون الجميع مراقبا من الجميع. حتى في المنازل التي يطلق عليها “بُنى أهالي” تجد محاولات دائمة لاستغلال كل فضاء ممكن والبناء عليه، دون التفكير فيما إذا كان هذا البناء سيتمتع بشيء من الخصوصية فيما يخص علاقته بالأبنية من حوله.  

 

لن أتحدث هنا عن “العشوائيات”. الاسم يكفي ليجعلنا نتخيل أوضاعها وانتفاء أي شيء له دلالة على الخصوصية بين أبنيتها أو بداخل تلك الأبنية. ربما تكون الصورة التي انتشرت مؤخرا على الانترنت لحشد ضخم من الشباب نصف العاري يحتفل بمباراة أو زفاف- كما اختلف من نشروا الصورة- في شارع ضيق بين أبنية سكنية تكاد تكون متلاصقة بمنطقة بولاق، التي تعاني من العشوائيات مثل الكثير من مناطق القاهرة الكبرى، دلالة على انعدام فكرة الخصوصية في تلك المناطق بدون أي مبالغة.

صورة بولاق.jpg

شباب يحتلفون بمنطقة بولاق

لن أتحدث أيضا عن “الكومباوندات”، التي يظهر من إعلانات التليفزيون الخاصة بها أن الشيء الأكثر تميزا فيها هو الشعور بالخصوصية والهدوء، وهو الأمر الذي تفتقده معظم أحياء القاهرة والمدن الرئيسية في مصر.

لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالمشاكل التي تعاني منها تصاميم منازلنا ليست عيوبا تقنية وفقط، وليست دلالة على انعدام رؤية وخيال فني وفقط، ولكن الأمر في كثير من الأحيان له علاقة بسياق اجتماعي وثقافة شعبية. عندما تنظر لتصاميم منازلنا من الداخل لن تجد أي تنوع في الاحتياجات. فمعظمها مصممة بالأساس لتكون منازل “أسرية” في المقام الأول، أي تناسب أسرة من زوج وزوجة وأطفال. لو كنت مغتربا ستحتاج لأن تبحث عن شركاء إيجار لتتمكنوا من العيش في شقة، لأن الغالبية العظمى من المغتربين بين المحافظات ليس في إمكانهم توفير إيجار شقة أسرية بمفردهم دون شريك سكن.

لا يمكنك الحصول إذن على شقة باحتياجات الفرد الواحد. ليس هذا متوفرا إلا بنسبة تكاد تكون منعدمة، والتي تسمى “ستوديو” وعادة ما تكون تكلفة إيجارها باهظة. في ألمانيا (وهي مثال مُحبِط، أعرف) تصل نسبة المنازل التي تسمى “منزل الفرد الواحد” إلى 45% من الخيارات العمرانية المتاحة.

ربما يكون السؤال الأكثر منطقية أمام هذه الملاحظة هو: لماذا ليس من بين تصاميم منازلنا ما يسمح بأن يكون هناك خيار لأن يعيش المرء بمفرده؟ هل للأمر أسباب تجارية بحتة ؟ هل أصحاب شركات المقاولات لا يضعون هذا الخيار التجاري أمامهم لأنه غير منتشر ثقافيا ومجتمعيا وبالتالي غير مربح؟ لماذا إذن هو غير منتشر ثقافيا ومجتمعيا؟ هل لأننا مجتمع يخشى الاستقلالية؟ الفردانية؟ الخصوصية؟

المعادي ودار السلام.jpg

المعادي ودار السلام

يمكن تخيل نظرات الريبة التي ستحيط بشاب يعيش وحده في مجتمع كمجتمعنا، ناهيك عن شابة أو امرأة منفصلة عن زوجها. هناك دائما شعور أنك مراقب ممن يسكنون حولك، خاصة في الأحياء الشعبية.

لا مفر إذن من مواجهة حقيقة أن نمط الحياة في مجتمعاتنا (النمط الثقافي والاجتماعي متضمنا الجانب الديني) لا يجد أن من المسموح أو المعتاد أن يعيش شاب وحده، فما بالك إن كان الراغب في العيش وحده “امرأة”. أستطيع تخيل كيف يمكن لهذه الممانعة المجتمعية الثقافية الشعبية أن تقتل محاولة بحث كل منا عن تجربة تخصه، بعيدا عن الحماية السلبية من الأهل أوالأسرة، سواء كانت محاولة البحث تلك في نفس مدينتهم أو في مدينة أخرى.

من جديد، تؤسس هذه الممانعة لفكرة تترسخ في وجداننا لتظهر في النهاية على صورة التصاق الأبناء بأسرهم حتى بعد الانتهاء من دراستهم، فتكون النتيجة إعادة إنتاج أسر تشبه في التكوين والاحتياجات الأسر التي عشنا فيها كل حياتنا، وكأنها عملية قولبة ميكانيكية يتبعها اعتياد نابع من الاحتياج والضرورة على تصاميم شقق أسرية تتشابه أو تكاد تتطابق مع تلك التي عشنا فيها كل حياتنا. وأمام ذلك كله تتضاءل فرص التنوع في الخيارات العمرانية التي يتيحها المجتمع.

سأتجنب الحديث عن مناطق الزمالك ووسط البلد والمعادي، لأنها استثناء فيما يخص النظرة المجتمعية للشخص الذي يعيش وحده، ولو أنها هي أيضا تعاني من نقص لافت في التنوع العمراني فيما يخص إمكانية العيش بمفردك. ربما تكون اللمحة الأرستقراطية لهذه الأماكن أو توفر الأمن بكثافة لحماية السفارات والبنوك ومؤسسات الدولة التي تقع في تلك المناطق تجعل الأمر مختلفا أو تجعل أجواء العيش في هذه المناطق أكثر أمنا وتقبلا لما يمكن أن يكون غير متقبل في أحياء القاهرة الشعبية مثلا. ولكن الأمر يظل ترجيحا من عدة ترجيحات. ففي النهاية تظل هذه المناطق بمثابة استثناء للعيش شبه الآمن في القاهرة. والاستثناء لا يبني فهما دقيقا للحالة إلا إن كنا واعين إلى أنه يمكن من خلال هذا الأستثناء فهم المضاد له، ومن ثم تأمل واقع متأزم وخانق في مفاهيمه التي تتعلق بإدراك المجتمع أن هناك حاجة ملحة للتنوع والخروج من القولبة التي يظل عمراننا أحد نتائجها المباشرة.

ربما يبدو الحديث حول الأمر شيئا من الرفاهية أمام ارتباك سياسي واجتماعي في الداخل المصري، وانهيار ديموغرافي في البلاد من حولنا، والذي يظهر بشكل أكثر حدة في أزمة اللاجئين السوريين. هذه الأمور تبدو أكثر إلحاحا. لكن هذا النص الذي يمكن اعتباره مجازا “إضاءة” ربما يكون محاولة لفهم جذور التقييد الإجتماعي لكلمات مثل الاستقلالية، الخصوصية، الفردانية، وما يترتب عليها من حرية اختيار الفرد، خاصة تلك التي لها علاقة بانحيازاته الجنسية، أو الدينية، أو الفكرية.

عملية بناء استقلالية فردانية لن تبدو منطقية إن أردنا تحقيقها على مستوى الدولة وعلاقتها بالمجتمع والأفراد إن لم نبدأ السعي من أجل استقلال أولي بعيدا عن نطاق حماية الأسرة والأهل. هذا هو ما يخلق خياراتنا ويؤسس لبناء قناعات حول رؤيتنا لطريقة العيش التي يحتاجها كل منا، وليست الطريقة التي يفرضها المجتمع ومن وراءه أو قبله الدولة دون أن تضع في اعتبارها إن كانت هذه الطريقة في العيش تحترم خياراتنا أم تنتهك خصوصيتنا.

 

اعلان
 
 
محمود حسني