Define your generation here. Generation What

كمال الدين حسين ووجوه دولة يوليو المحافظة

أثارت فضيحة خواطر الأستاذ الدكتور الهلالي الشربيني- نائب رئيس جامعة المنصورة ووزير التربية والتعليم في حكومة نظام الجنرالات الأخيرة-، الخواطر المليئة بالأخطاء الإملائية الفاضحة والركاكة في الأسلوب والتفاهة في المحتوى- الكلام والتحليلات عن مآلات دولة يوليو ومشروعها التحديثي الفاشل، وكيف أن النتاج الأخير لتطور الطبقة الوسطى المتعلمة في ظل دولة يوليو في مرحلتها السيساوية الحالية، قد صار كاريكاتيريًا مع اعتلاء شخصيات بهذا المستوى الهزلي مناصب قيادية في الجامعات ومؤسسات التعليم في مصر بمباركة وتأييد نظام الجنرال عبد الفتاح السيسي حاكم مصر ومؤسسات دولته المختلفة.. وقد نزعت بعض هذه التحليلات النقدية إلى الوقوف أمام محطة تولي الصاغ أركان حرب كمال الدين حسين- ضابط المدفعية وعضو مجلس قيادة ثورة يوليو 1952- منصب وزير التربية والتعليم في منتصف الخمسينيات واعتبارها نقطة تحول حقيقية ورمزية تدهور بعدها حال التعليم في مصر بشكل متسارع نتيجة ما صار إليه الوضع من ضعف مستوى أصحاب القرار والخلل في مناهج التفكير واستراتيجية التعليم وأولوية التحكم الأمني على حساب التنمية والتحديث، وهو ما أتفق مع خطوطه العامة بالتأكيد، وإن كان موضوع انهيار التعليم في مصر من الأهمية والخطورة والتعقيد بمكان أن يستحق تحليلًا مستقلًا ومفصلًا في موضع آخر.. لكن ما يهمني هنا في هذا المقال هو الوقوف أمام شخصية كمال الدين حسين، الموصوف برائد انهيار التعليم في مصر الذي عادت سيرته للأذهان من جديد، وتقديم تحليل تاريخي للأدوار التي لعبها رجل كان من أهم ضباط دولة يوليو في مصر ومن أكثر المعبرين عن مسيرتها وتاريخها ومنطلقاتها ومآلاتها، برغم ذلك لم ينل ما يستحقه من اهتمام من المؤرخين والإعلام والباحثين.. ومن الممكن القول إن مسيرة كمال الدين حسين كانت كاشفة عن التناقضات داخل نظام دولة يوليو؛ فعلى أرضية سلطوية مشتركة لدولة تحرر وطني استبدادية يجتمع عليها ويتفق عليها جميع فرقاء دولة يوليو تبرز قوة الميل المحافظ اليميني؛ حيث تمكن من فرض توجهاته وعرقلة ما يراه شططًا في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تدعو إليه اتجاهات أكثر راديكالية داخل النظام في مرحلة الخمسينيات والستينيات ثم فرض الهيمنة والسيطرة الكاملة لاحقًا.

كمال الدين حسين هو من الرعيل الأول المؤسس لتنظيم الضباط الأحرار، وكان عضوًا من خمسة أعضاء شكلوا أول لجنة قيادية للتنظيم سنة ١٩٤٩ (جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وخالد محيي الدين وحسن إبراهيم وعبد المنعم عبد الرؤوف).. كان شديد المحافظة على المستوى الديني والاجتماعي والثقافي، وكعادة الكثير من ضباط الجيش من أبناء جيله ارتبط عاطفيًا وتنظيميًا بجماعة الإخوان المسلمين خلال سنوات الأربعينيات (من أصل ١٣ عضوًا في مجلس قيادة الثورة سنة ١٩٥٢ ارتبط ثمانية أعضاء منهم تنظيميًا بجماعة الإخوان عبر مرحلة ما من حياتهم: جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأنور السادات وكمال الدين حسين وحسين الشافعي وخالد محيي الدين وعبد اللطيف البغدادي وحسن إبراهيم، وبعضهم مثل عبد الناصر والشيوعي خالد محيي الدين كانوا أعضاءً في النظام الخاص تحديدًا، وبايعوا حسن البنا على المصحف والمسدس).. بقي كمال الدين حسين على ميوله المحافظة والإسلامية حتى النهاية كما سنرى.

أصبح كمال الدين حسين عضوًا في مجلس قيادة الثورة بعد نجاح الحركة في الإطاحة بالملك والاستيلاء على السلطة في يوليو ١٩٥٢، وانضم إلى جانب جمال عبد الناصر في معركته اللاحقة ضد محمد نجيب داخل المجلس، وانضم إليه أيضًا في معركته ضد القوى الديموقراطية داخل الجيش التي طالبت بعودة الجيش إلى الثكنات وعودة الحكم البرلماني الديموقراطي، وحاولت التحرك ضد مجلس قيادة الثورة- مجموعة سلاح المدفعية سنة ١٩٥٣ ومجموعة سلاح الفرسان سنة ١٩٥٤-، وانضم إلى عبد الناصر أيضًا في معركته ضد القوى الديموقراطية والشعبية المدنية في المجتمع- حزب الوفد والشيوعيين والنقابات والجامعات والمثقفين والصحافة-، بالإضافة إلى الإخوان بين ١٩٥٢ و١٩٥٤، وهدف المعركة كان واضحًا وصريحًا: تأسيس نظام سلطوي جديد قائم على الانفراد بالسلطة المطلقة والوصاية التامة على الشعب والمجتمع وقتل السياسة ومنع التعددية والتنظيم المستقل والحريات، بحجة أن هذا ضروري من أجل تغيير المجتمع وهندسته من أعلى لتحقيق “أهداف الثورة”، كما حددتها هذه المجموعة التي نصبت نفسها بوصفها القيادة الطليعية الضرورية لإنجاز هذا التغيير الثوري التاريخي، القيادة التي “جاءت على موعدها مع القدر” حسب التعبير الناصري الشهير.. وانتهت المعركة بالانتصار الحاسم في مارس/أبريل 1954، ثم اكتمال وتتمة هذا الانتصار في نوفمبر ١٩٥٤، كما هو معلوم وكل ما حدث بعد هذا كان تحصيلًا لما هو حاصل. أيضًا انضم كمال الدين حسين إلي صف عبد الناصر في معركة الإصلاح الزراعي وتمصير الاقتصاد وضرب الإقطاع الزراعي والبرجوازية التجارية والرأسمالية- دارت هذه المعركة بين ١٩٥٢ و١٩٦٣-، وكان  الهدف الأول لها (بعيدًا عن ديباجات أهداف التنمية)، كان كما وصفه زكريا محيي الدين لاحقًا بمنتهي الصراحة: “السيطرة على موارد الرزق بهدف تأمين السلطة السياسية”.. ما أريد أن أثبته هنا هو أن كمال الدين حسين كان انحيازه واضحًا ومطلقًا للاستبداد والسلطوية من اليوم الأول، وأنه لم يكن مهتمًا بالحريات والحقوق والتعددية الديموقراطية في أي يوم من الأيام عكس ما ادعى بعد ذلك في رسالته الشهيرة بعنوان: “اتق الله يا عبد الحكيم”، والتي أرسلها لعبد الحكيم عامر سنة ١٩٦٥ معترضًا فيها على ممارسات الدولة البوليسية في الستينيات.

تقلد كمال الدين حسين العديد من المناصب الوزارية بداية من وزارة جمال عبد الناصر الأولى بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية سنة ١٩٥٦، وتولى أيضًا منصب أمين عام الاتحاد القومي (التنظيم السياسي الرسمي للنظام)، وفي وقت من الأوقات تولى كمال الدين حسين ٩ مناصب في وقت واحد، ألا وهي: رئيس المجلس التنفيذي والمشرف العام على الاتحاد القومي ووزير الإدارة المحلية ورئيس المجلس الأعلى للعلوم ورئيس المجلس الأعلى للفنون والآداب ورئيس المجلس القومي للبحوث ونقيب المعلمين ورئيس المجلس الأعلى للجامعات ورئيس المعاهد القومية.. ويلاحظ هنا ميله إلى تولي مناصب لها صلة بالتعليم والثقافة ومن ثم حرصه على إسباغ ميوله المحافظة على سياسات الإرشاد القومي والتربية وتوجيه الرأي العام للدولة الجديدة عكس الأسطورة الشائعة في التحليلات المستهلكة عن تقدمية وعلمانية دولة يوليو.

لعب كمال الدين حسين دورًا مركزيًا في أعمال مجلس الأمة والاتحاد القومي في أواخر الخمسينيات، وأي مؤرخ مطلع على محاضر جلسات هذا المجلس والاتحاد سيندهش من كم المحافظة السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية المهيمنة على ميول ومزاج النخب السياسية للنظام الناصري الجديد بشكل لا يختلف عن مناخ السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات إلا قليلًا…  وتألق كمال الدين حسين مرة أخرى في مداولات اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني الأول للقوى الشعبية سنة ١٩٦١، والمنوط به تقديم أول وثيقة فكرية تحدد برنامج عمل النظام- عشر سنين من الحكم اليوليوي والسلطة المطلقة بلا أي إيديولوجية أو برنامج عمل واضح وبلا تنظيم سياسي حقيقي والاعتماد الكامل على الارتجال والعشوائية والتجربة والخطأ، لكن طبعًا قوى المعارضة هي فقط من لا تستحق الحكم في مصر الآن فقط؛ لأنها لا تمتلك البدائل المسبقة كما تقول الأسطورة. أنصح بشدة بقراءة مداولات اللجنة التحضيرية هذه؛ لأنها كاشفة عن حقيقة الميول الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لضباط يوليو بصفيهم الأول والثاني، ونخب النظام البيروقراطية والتكنوقراطية والإعلامية والقوى الاجتماعية والاقتصادية الرجعية التقليدية، والتي كانت متوغلة داخل دولة يوليو الناصرية من القمة إلى القاع.. وهذا يشكل نفي الأسطورة لأسطورة أخرى روجها بعض الكتاب الناصريين واليساريين، فحواها هو أن انقلاب “الثورة المضادة” اليميني الرجعي- كما سماها الراحل الدكتور غالي شكري في كتابه “الثورة المضادة في مصر”- على “ثورة عبد الناصر التقدمية العلمانية” حدث فقط في سبعينيات السادات. ومن المهم التأكيد على أن كمال الدين حسين لم يكن معبرًا عن نفسه فقط، ولكن عن ميل عام وسط الكثير  من ضباط الجيش ونخب النظام الإدارية والتنفيذية والإعلامية والبيروقراطية والاقتصادية وقتها، ميل عام قوامه: الحساسية الشديدة ضد الاشتراكية والشيوعية والميل الواضح للغرب الأمريكي، والمحافظة الدينية والثقافية والاجتماعية.

عندما تمت كتابة الميثاق- على يد مجموعة قريبة من عبد الناصر ومعبرة عن توجهه الخاص- وإرساله إلى المؤتمر الوطني للقوى الشعبية لم يعجب كمال الدين حسين؛ لأنه كان له “وجه ماركسي”، فقرر تشكيل لجنة الرد على الميثاق من ١٠٠ عضو، وقامت بكتابة تقرير الرد على الميثاق والتقرير كان له “وجه إسلامي عربي”، وأنا هنا أستخدم تعبيرات كمال الدين حسين نفسه والمذكورة في شهادته في كتاب سامي جوهر “الصامتون يتكلمون”.. والاتفاق بين عبد الناصر وكمال الدين حسين والآخرين على أن الميثاق وتقرير اللجنة معًا يشكلان برنامج عمل النظام.. ومن الجدير بالذكر أن الاختلاف بين الميثاق والتقرير كان على ٣ محاور:

١- الميثاق تكلم عن “الاشتراكية العلمية”، وهو مصطلح ماركسي معروف، بينما تكلم التقرير عن “الاشتراكية العربية المتميزة التي تؤمن بالله وبرسالاته وبالقيم الدينية والخلقية”، وتكلم التقرير أيضًا عن ضرورة الحفاظ على قيم الأسرة والمجتمع. 

٢- الميثاق قال بضرورة إزالة الطبقة المستغلة: “ولكن إزالة هذا التصادم بإزالة الطبقة التي فرضت الاستغلال توفر إمكانية السعي إلى تذويب الفوارق بين الطبقات سلميًا”.

بينما رفض التقرير مبدأ إزالة الطبقة البرجوازية والإقطاعية المستغلة؛ حيث قال: “إن تذويب الفوارق بين الطبقات هو البديل السلمي لما نرفض الأخذ به من الصدام الدموي بين الطبقات”.
٣- يؤمن التقرير بإتاحة الفرصة لنشاط الفرد في الاستثمار والربح والفوارق في الدخل التي تترتب على هذا؛ حيث يقول: “في مجتمعنا الاشتراكي يعتبر العمل أساسًا لتقرير مكان الفرد في المجتمع وما دام الأفراد لا بد وأن يتفاوتوا في الاستعداد والنشاط؛ فإن النتيجة المنطقية لذلك أن يتفاوتوا فيما يحققون من نتائج.. “فالتقرير هنا أكثر يمينية من الميثاق بشكل واضح. 

وكان المفهوم داخل دوائر الحكم  أن الميثاق والتقرير سيتم تطبيقهما سويًا وأنهما معًا يشكلون برنامج النظام.. استقال كمال الدين حسين من بعض مناصبه في مجلس الأمة ووزارة التربية والتعليم أكثر من مرة في أواخر الخمسينيات لاعتراضه على مخالفات مالية وإجرائية، لكنه كان يعود إلى الصف بعد حل أسباب الخلاف، بيد أن الافتراق النهائي بين عبد الناصر وكمال الدين حسين حدث على ثلاث محطات.

1-  بعد مأساة الانفصال عن سوريا سنة ١٩٦١، قرر عبد الناصر تغيير شكل نظام الحكم فقرر تشكيل مجلس رئاسي سنة ١٩٦٢ من عبد الناصر رئيسًا وعضوية عبد الحكيم عامر وعبد اللطيف البغدادي وزكريا محيي الدين وكمال الدين حسين وحسين الشافعي، نواب رئيس جمهورية، وأنور السادات وحسن إبراهيم وعلى صبري- رئيس المجلس التنفيذي أي الحكومة- والدكتور نور الدين طراف والمهندس أحمد عبده الشرباصي وكمال رفعت (عشرة عسكريين ومدنيان).
كان الهدف المعلن لهذا التغيير هو إيجاد نظام جديد للقيادة الجماعية وصنع القرار الجماعي.. لكن كان الهدف الحقيقي هو بالطبع تقليم أظافر عبد الحكيم عامر وتقليص نفوذه في الجيش، وبخاصة بعد أدائه السياسي المزري في سوريا، عندما كان حاكمًا فعليًا لها- نائب رئيس الجمهورية بصلاحيات رئيس الجمهورية في الإقليم الشمالي السوري من الجمهورية العربية المتحدة، وانتهت قصته في سوريا بترحيله مطرودًا من البلاد بشكل مهين في طائرة حربية على يد انقلاب عسكري انفصالي خطط له ونفذه مدير مكتبه في سوريا المقدم عبد الكريم النحلاوي-، بالإضافة إلى كوارثه السابقة في حرب ١٩٥٦.. وتزعم عبد الناصر والبغدادي وكمال الدين حسين مشروع قرار لنزع حق تعيينات قيادات الجيش ووحدات الجيش من القائد العام للقوات المسلحة ونقلها للمجلس الرئاسي الجديد وقرار مثل هذا عمليًا كان يعني نهاية إمبراطورية عامر في الجيش.. ثار عامر وغضب واستقال واختفي في مرسى مطروح، وأعلنت قيادات الجيش تضامنها معه وكانت هناك علامات على بوادر انقلاب عسكري.. وكان على عبد الناصر أن يختار بين ضرورة المضي في طريق الإصلاح والمواجهة مهما كلفه الأمر من أثمان شاقة وبين استرضاء عامر والجيش للحفاظ على وحدته وتجنبًا لخطر الانقلاب العسكري.. ولأن عبد الناصر كانت تحكمه دائمًا اعتبارات الأمن والبرجماتية قصيرة النظر فاختار الاختيار الثاني وألغى القرار كأن لم يكن.. ورجع عامر ليصير أسوأ من ذي قبل فسادًا وتحكمًا. وانتهت آخر فرصة حقيقية لإصلاح الجيش وإصلاح علاقة الجيش بالنظام السياسي وتجنب كارثة ١٩٦٧ بعد تلك الأحداث بخمس سنوات.. اعتبر البغدادي وكمال الدين حسين ما فعله عبد الناصر هو إلغاءً لدور المجلس الجديد أصلًا، وتهميش لهم فقدموا استقالاتهم لهذا السبب وللسبب الآخر التالي ذكره.

2-  عبد الناصر بعد مأساة الانفصال في سوريا سنة ١٩٦١، وتآمر الرجعية ضد الوحدة (أكبر ضربة تلقاها نظام يوليو منذ نشأته، والتي أثبتت هشاشة قواعد النظام والفراغ السياسي الداخلي الذي يعانيه، وضعفه أمام أعدائه). أحس أنه “تصالح مع الرجعية أكثر من اللازم”- على حسب قوله. وأن هناك خطرًا حقيقيًا على النظام ومشاريعه الوحدوية والمعادية للاستعمار من البرجوازية الرأسمالية التجارية والصناعية المصرية الرجعية، والتي كان النظام متصالحًا ومتسامحًا معها من ١٩٥٢ وحتي ١٩٦١. (في الخمسينيات كانت سياسات النظام تركز بالأساس على ضرب الإقطاع الزراعي ورؤوس الأموال الأجنبية).. كان عبد الناصر متخوفًا من أن تضرب البرجوازية الرجعية- التي يراها هي ما دمرت الوحدة في سوريا- نظام يوليو في مصر نفسها.. عبد الناصر كان يقول وقتها إنه يحس أن “المليونيرات بيحكموا البلد وأنهم بعد ما كانوا ١٠ إلى ٢٠ واحد بقوا ٣٠٠ مليونير رأسمالي”.. بالإضافة إلى ذلك كان هناك تقدير اقتصادي صرف له وجاهته الشديدة ينفي قدرة القطاع الخاص ورغبته في الاستثمار في التصنيع؛ لأنه وبالأرقام المنشورة في التقارير الحكومية والرسمية وقتها؛ فحجم استثمارات الرأسمالية المصرية في الصناعة في أواخر الخمسينيات كان محدودًا جدًا برغم التساهل والتحفيز من النظام. ومن الممكن تفسير هذا بأن البرجوازية الرأسمالية المصرية كانت قلقة من انفراد ضباط الجيش بالسلطة، ورفضهم مبدأ الشراكة السياسية والطبيعة المتقلبة لقرارات هذه الطبقة الحاكمة المهيمنة، أيضًا كان تفضيل البرجوازية الرأسمالية المصرية وقتها في اتجاه الاستثمار في العقارات والخدمات أو تحويل الأرباح والمدخرات للخارج. كان تقدير عبد الناصر ومعه عزيز صدقي وزير الصناعة، وباقي مجموعة تكنوقراط النظام أنه لا تصنيع ممكن إلا عبر القطاع العام، ونظام عبد الناصر كان مقتنعًا اقتناعًا جازمًا أنه لا تنمية ولا تقدم دون تصنيع، وكان هذا بالطبع هو الاتجاه العام للتفكير في العالم النامي وداخل أروقة المنظمات التنموية الدولية وقتها.
فقرر عبد الناصر الانقضاض على هذه البرجوازية الرأسمالية بشكل منهجي مكثف وغير مسبوق عبر التوسع في تطبيق حزمة من القوانين والسياسات، كان قد بدأها بالفعل في يوليو ١٩٦١ قبل الانفصال بشهرين، كان أهمها قوانين وإجراءات التأميم لكل نشاط اقتصادي في البلد (فيما عدا الزراعة والنقل والتجارة الداخلية والمقاولات) في قوانين يوليو١٩٦١؛ فكان التوسع الشديد في التأميم في قرارات ١٩٦٣. رأى كمال الدين حسين هذا التصعيد على أنه اندفاع نحو هوة الشيوعية “اللي حتدمر البلد” وهو ومعه الكثير داخل النظام كان عندهم تحفظ شديد على فكرة سيطرة الدولة على الاقتصاد، بل وعلى سياسة التصنيع وجدواها أساسًا.. ودار اجتماع عاصف أخير بين مجموعة المجلس الرئاسي بعد جنازة صلاح سالم وأصر كمال الدين حسين على أن ما ورد في الدين الإسلامي كفيل برفع الاستغلال، لكن عبد الناصر أصر هو الآخر على الاندفاع نحو “التطبيق الاشتراكي” إلي أقصى مداه حتى ولو وصل به الأمر إلى تأميم المحال التجارية الصغيرة.. قدم كمال الدين حسين استقالته حينها، وتبعه بعد ذلك ولنفس الأسباب تقريبًا البغدادي وحسن إبراهيم، وهما أيضًا من الصف الأول لضباط يوليو، ومن أعضاء مجلس قيادة الثورة.. وباستثناء كمال رفعت ذي الميول اليسارية، فباقي أعضاء المجلس الرئاسي كانوا يتشاركون الرأي نفسه مع المستقيلين لكنهم بقوا في مناصبهم داخل النظام، أما لدوافع انتهازية مثل السادات أو للثقة في شخص جمال عبد الناصر، مثل زكريا محيي الدين، والذي اتبع سياسة يمينية انكماشية فيما يخص التصنيع والدعم عندما تولى رئاسة الحكومة لاحقًا سنة ١٩٦٥، واضطر عبد الناصر أن يقيله ويعين مكانه صدقي سليمان سنة ١٩٦٦.
3-  اعترض كمال الدين حسين على سياسة حرب اليمن وعلى الممارسات القمعية البوليسية لأجهزة عبد الحكيم عامر العسكرية- المباحث الجنائية العسكرية وغيرها-، التي سيطرت على النظام بشكل كامل في الستينيات لدرجة توليها بصفتها المؤسسية العسكرية إدارة مرافق مدنية مثل النقل العام والتموين وغيرها، بالإضافة إلى تصفية بقايا الإقطاع في الريف بعد قضية كمشيش الشهيرة، وما شهده هذا من قمع غير مسبوق ومظالم هائلة.. لكن يبدو هذا سببًا مفتعلًا من جانب كمال الدين حسين؛ لأن تاريخ الرجل لم يسبق وأن شهد أي انحيازات ديموقراطية من أي نوع، وسبق أن ساند عبد الناصر بقوة في معركته في أوائل الخمسينيات ضد القوي الديموقراطية من أجل تأسيس نظام قائم على الحكم المطلق كما تقدم.. في سنة ١٩٦٥ واحتجاجًا على اعتقالات وتعذيب الإخوان في قضية ١٩٦٥، المفبركة من شمس بدران والمباحث الجنائية العسكرية أرسل كمال الدين حسين إلى عامر رسالته الشهيرة المعنونة بـ “اتق الله يا عبد الحكيم” فقرر النظام تحديد إقامته في 14 أكتوبر 1965، ولم يسترد حريته إلا بعد وفاة زوجته وخروجه لتلقي العزاء فيها واختفى أي دور سياسي لكمال الدين حسين بعد هذا، اللهم إلا إطلالة بسيطة طريفة في مركز القيادة أثناء حرب يونيو ١٩٦٧، عندما حضر مع البغدادي وقال: إن عبد الناصر وعبد الحكيم المفروض ينتحروا ويضربوا نفسهم بالنار- كما ذكر في شهادته في كتاب “الصامتون يتكلمون”- والواقعة نفسها مذكورة في مذكرات البغدادي أيضًا.
قيل الكثير في نقد تجربة عبد الناصر الاشتراكية وكيف أنها فشلت بسبب عدم الجدوى الاقتصادية أصلًا لسيطرة الدولة على الاقتصاد والتوسع في القطاع العام الصناعي ولفشل السياسات الزراعية للنظام وللاعتمادية المطلقة على التمويل المسيس من الخارج- القروض الصناعية من الكتلة الشيوعية والمعونات الزراعية من الولايات المتحدة الأمريكية-، أو لأنها كانت رأسمالية دولة ولم تكن اشتراكية أصلًا، أو لأنها كانت اشتراكية دون اشتراكيين؛ لأنه وباستثناء عبد الناصر نفسه- وفقط في فترة الستينيات- كانت الأغلبية الساحقة من صناع ومنفذي القرارات في أجهزة الحكم والدولة- ويشمل هذا الضباط والتكنوقراط والبيروقراطيين وبرجوازية الدولة والقوى المتحالفة معهم من متوسطي ملاك الأراضي الزراعية- لا كانت اشتراكية ولا يحزنون. بل بالعكس كان همها الرئيسي هو مراكمة فوائضها الاقتصادية الخاصة، والتي أهلتها بعد ذلك لاقتحام عالم اقتصاد السوق بقوة بدءًا من السبعينيات.. وكل هذا أراه صحيحًا، لكن بالإضافة إلى هذا؛ ففي رأيي أن التناقض الرئيسي لهذه التجربة والذي حكم عليها بالفشل هو أنها كانت راغبة في بناء نظام تعمل سياسته لصالح طبقات الشعب المحرومة ولكن دون أي دور لهذه الطبقات لا في صنع هذه السياسة ولا في إدارتها ولا في الدفاع عنها.. سياسات هدفها التغير الاقتصادي والاجتماعي الواسع وتحقيق المكاسب لصالح الطبقات الشعبية لكن مع الرفض التام لإمكانية أن تنظم هذه الطبقات نفسها بشكل مستقل للدفاع عن هذه المكاسب والمشاركة في إدارة المنشآت وصناعة القرار السياسي والاقتصادي، ناهيك عن رفض وجود أي تنظيمات سياسية وأيديولوجية مستقلة سواء على اليمين أو اليسار حتى ولو كانت تشارك النظام أهداف التحول الاشتراكي نفسها، ومستعدة للتعاون معه لتحقيق هذه الأهداف.. عبد الناصر كان هاجسه الدائم الانفراد بالسلطة المطلقة، ومن ثم رفض فكرة تنظيم قوى الشعب لنفسها وظهرت كراهيته للأحزاب السياسية، وكان أيضًا ساعيًا نحو مرونة مطلقة وحرية حركة مطلقة، لذا كان يرفض أن يقيد حركته بالالتزام بأيديولوجية محددة وبحزب سياسي جماهيري حقيقي يقود مشروع للتغيير الاجتماعي الشامل من أسفل.. وبالتالي فقد فضل عبد الناصر الاعتماد على الزعامة الشخصية وعلى طبقة ضباط الجيش التي كان يغلب عليها ميول البرجوازية الصغيرة وعدم الكفاءة والعقلية الأمنية ومعاداة السياسة، وأيضًا على البيروقراطية وشبكات من الانتهازيين والمنتفعين وكتبة التقارير الأمنية تملأ أروقة أجهزة سياسية ورقية زبونية الطابع ومحدودة التأثير ولا ينطبق عليها وصف الحزب السياسي بأي معنى من المعاني مثل: هيئة التحرير والاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي العربي وتنظيم طليعة الاشتراكيين.. وربما كانت تفضيلات عبد الناصر هذه مناسبة لبناء وترسيخ سلطوية جديدة في سياقها التاريخي محليًا ودوليًا، لكنها قطعًا لم تكن مناسبة لبناء تحول اشتراكي ديموقراطي جماهيري شامل في السياق التاريخي نفسه، كما كان يزعم… وعلى المستوى الثقافي والأيديولوجي- وعلى عكس ما تقول أسطورة اليسار الناصري التقدمي- كان نظام عبد الناصر أبعد ما يكون عن العمل على اختراق البنى الثقافية والاجتماعية للقواعد الشعبية على امتداد البلاد ومحاولة تغييرها وتحديثها ناهيك عن تثويرها، بل كان أقرب إلى التوظيف البراجماتي الطابع للتقاليد والقيم والبنى المحافظة الموجودة داخل المجتمع وداخل مؤسسات الدولة الموروثة أيضًا وتعبئتها وحشد ولائها والاعتماد عليها لكسب التأييد السياسي للنظام. بالإضافة إلى هذا فالميل المحافظ كان متوغلًا ومتشعبًا بدوره داخل صفوف ضباط يوليو (الطبقة الحاكمة الأهم داخل النظام) والبيروقراطية الحكومية والجهاز السياسي للنظام.

أما بالنسبة لصديقنا بطل هذه المقالة، كمال الدين حسين (المعبر الأمثل عن ذلك الميل المحافظ داخل النظام اليوليوي) فأقول له إن غضبته كانت متعجلة بعض الشيء.. فسياسات النظام الجديدة في الستينيات (انحراف عن سياسات يوليو الأصلية من منظور كمال الدين حسين) كانت شكلانية الطابع ومليئة بالتناقضات والادعاءات غير الحقيقية وتفتقر إلى القيادات والكوادر المؤمنة بها، والأهم أنها لم تعمر كثيرًا وانهارت من داخلها وما هي إلا بضع سنوات حتى تم تصحيح هذا “الانحراف” وعاد قطار دولة يوليو إلى مساره التهجيني التلفيقي المحافظ الأصيل في صيغ مختلفة ومتوائمة مع متغيرات المراحل المختلفة بدءًا من السبعينيات الساداتية وحتى الأيام السيساوية الحالية.

اعلان
 
 
أشرف الشريف