Define your generation here. Generation What

هل كسل اليونانيين وجدية الألمان سبب كافٍ لفهم الأزمة اليونانية؟

“بعض الإصلاحات الاقتصادية تم تنفيذها، وللمرة الأولى نحن نري علامات مبشرة لاقتصاد يعود للنمو. نحن لدينا الانطباع بأن الاقتصاد اليوناني بدأ في مرحلة التعافي، وأنا متفائل بالمستقبل ومتأكد أن عدد أعضاء الاتحاد الأوروبي سوف يظل على الأقل 17 إذا لم يزد على ذلك”.
الوزير الألماني بيتر التمير، في حديث مع هيئة الإذاعة البريطانية، عام 2012.

لا حديث يعلو الآن بين الاقتصاديين في العالم أكثر من كارثة الاقتصاد اليوناني. بالتأكيد ليس هذا أول مقال يتناول المشكلة اليونانية في الصحافة المصرية فقد سبقه العديد من المقالات المتميزة  في جريدة “الشروق”.. وغيرها. وفي ظل حالة الترقب العالمي إلى ما سوف تؤول إليه الأحداث في المنطقة الأوروبية، لا مفر من هذه القضية إلا بالخوض فيها والتعليق عليها. يحاول هذا المقال أن يلقي الضوء على جانب جديد لم يُتناول بعد في الصحافة المصرية. من التفسيرات الشائعة لكارثة الاقتصاد اليوناني، أن الشعب اليوناني شعب كسول بينما الشعب الألماني جاد ومخلص في العمل، وأحد الدلائل على ذلك هو الفائض التجاري الضخم (الفرق بين قيمة الصادرات والواردات) في ميزان المدفوعات الألماني الذي وصل إلى 250 مليار دولار في عام 2014 (الأكبر في العالم)، بينما تعاني دول جنوب أوروبا العجز التجاري المستمر منذ الأزمة العالمية. الأمر المثير هو الجدل الشيق بين الاقتصاديين عما إذا كان الفائض التجاري الضخم في ألمانيا هو أحد الأسباب الرئيسية لضعف الاقتصاد اليوناني ودول جنوب أوروبا وهو ما يتناوله هذا المقال.

في تقرير الخزانة الأمريكية عن عام 2013، ظهرت فقرة أثارت غضب الألمان بشدة. تتحدث هذه الفقرة عن أن الفائض التجاري الضخم في ألمانيا مُضر للدول الأخرى، ويتسبب في خفض النمو ورفع البطالة ليس فقط في المنطقة الأوروبية بل أيضًا في الاقتصاد العالمي. كما كتب محافظ البنك المركزي الأمريكي، بن برنكاني، هذا العام مقالًا بعنوان: “الفائض التجاري الألماني هو المشكلة”. السؤال الآن: كيف يمكن أن يتسبب نجاح الصادرات الألمانية في إفقار دول جنوب أوروبا ويؤثر في نمو الاقتصاد العالمي؟ بالتأكيد جملة “صُنع في ألمانيا” لها جاذبية خاصة بين المستهلكين حول العالم، وقدرة على تحويل الطلب المحلي من المنتجات المحلية في جنوب أوروبا إلى المنتجات الألمانية في ظل التجارة الحرة في المنطقة الأوروبية. ولكن يوجد سببين آخرين بالإضافة إلى عنصر الجودة على حسب برنكاني، السبب الأول هو العملة المشتركة في المنطقة الأوروبية؛ فسعر العملة يتحدد على مستوى جميع الدول الأعضاء في الاتحاد مما يفيد الصادرات الألمانية في حالة انخفاضه. فسعر اليورو المتدني يخفض من سعر الصادرات الألمانية بشكل تلقائي ويزيد من جاذبيتها. على عكس الوضع قبل ظهور العملة الموحدة اليورو، فمع كل زيادة في الطلب على المنتجات الألمانية حول العالم ترتفع قيمة العملة الألمانية مقارنة بالعملات الأوروبية الأخرى مما يزيد من سعر المنتجات الألمانية ويقلل من الطلب عليها. مما يعني أنه من المحتمل أن مشروع العملة الموحدة قد أفاد ألمانيا أكثر من دول جنوب أوروبا التي تعاني إجراءات التقشف المفروضة عليها من الدائنين. السبب الآخر هو الإنفاق الحكومي المنخفض وسياسة المالية المحافظة التي تتبعها الحكومة الألمانية، مما يقلل الإنفاق على الواردات داخل ألمانيا. ومن المدهش أن محافظ البنك المركزي الأمريكي قدم مقترحات عدة للحكومة الألمانية لخفض الفائض التجاري، ومنها رفع الأجور داخل ألمانيا الذي لم يرتفع إلا بمعدلات ضعيفة في العشر سنوات الأخيرة في ظل السيطرة على التضخم. والفكرة من وراء رفع الأجور هي زيادة تكلفة المنتجات الألمانية، وبالتالي ارتفاع أسعارها في الأسواق وانخفاض قدرتها التنافسية. كما طالب بالتخلي عن سياسة المالية المحافظة وزيادة الإنفاق الحكومي على البنية الأساسية، مما سوف يؤدي إلى زيادة الواردات ورفع الأجور، وبالتالي خفض الصادرات. الجدير بالذكر أن الاقتصادي الشهير بول كروجمان، توصل إلى النتيجة نفسها في مقال يحمل عنوانًا مثيرًا: “هؤلاء الألمان الكئيبون” في جريدة “النيويورك تايمز”.

على الجانب الآخر، ترفض الحكومة الألمانية هذه الانتقادات. وأود أن أستعرض هنا ما قدمه أستاذ الاقتصاد البروفيسور فاوست- رئيس المركز الأوروبى للبحوث الاقتصادية، الواقع في مانهايم بجنوب وسط ألمانيا- للرد على هذا التصور. أولًا يقول البروفيسور فاوست إن حجم الصادرات الألمانية إلى دول المنطقة الأوروبية قد انخفض بين عامي 2007 و2012، من 65% من إجمالى الصادرات الألمانية إلى 57%، بينما لم تنخفض صادرات الدول الأوروبية إلى ألمانيا في الفترة نفسها. من ناحية أخرى يدافع البروفيسور فاوست عن تجمد الأجور في ألمانيا بحجة أن هذا من الضروري لخفض معدلات البطالة وتشجيع الشركات في ألمانيا على التوظيف. وأضاف أن معدلات الأجور لا تحدد كما تحدد في الدول اليسارية بالسلطة، ولكن تحدد في ألمانيا بالتفاوض الجماعي بين نقابات العمال وأرباب العمل. كما يرى أن الاستثمارات الاقتصادية لا تحدَّد بناءً على حجم الفائض التجاري في ميزان المدفوعات، ولكن بمعدل العائد المتوقع من المشروعات. أما بخصوص الإنفاق الحكومي المنخفض، فيؤكد نقطة بالغة الأهمية، وهي أن ألمانيا دولة تعاني مشكلة نقص الشباب وارتفاع في أعداد كبار السن وبشكل كبير في العشر سنوات المقبلة. بمعنى أن الهرم السكاني في ألمانيا قاعدته هي كبار السن وقمته هي الشباب، عكس الحال في مصر، وتلك مشكلة خطيرة لأن مع ارتفاع أعداد كبار السن يزداد الإنفاق الحكومي على المعاشات والتأمين الصحي. نتيجة لذلك يري البروفيسور فاوست أنه من المقنع جدًا أن تُخَفض ألمانيا إنفاقها الحكومي الآن لزيادته في المستقبل مع ازدياد أعداد كبار السن. لا ينسى البروفيسور فاوست أن يذكر أن القروض الألمانية لليونان وغيرها من دول جنوب أوروبا تم إنفاقها بسخاء على الاستهلاك والرفاهية.

لا أدري أي فريق سوف يميل إليه القارئ، ولكن اختصار كارثة الاقتصاد اليوناني في أن اليونانيين كسالى والألمان جادين في العمل قد يبدو الآن كلامًا سخيفًا للقارئ، وهو كلام سخيف بالفعل.

اعلان