Define your generation here. Generation What

ما وراء الإعدام؟ أسئلة الشريعة والسيادة والعدالة

التوسع غير المسبوق في إصدار أحكام الإعدام في قضايا يشتبك فيها السياسي مع الجنائي فتح بابا لنقاش – لم يزل محدودًا– حول عقوبة الإعدام نفسها، من حيث عدالتها وشرعيتها وجدواها، وإذا كان النقاش لم يزل منصبًا في مجمله على الشق الإجرائي المتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، ومطالبًا– بالتالي– بإيقاف مؤقت للعمل بالعقوبة بسبب الظرف السياسي القائم، فثمة أبعاد أكثر تأسيسية للعقوبة. يحسن أن تطرح للنقاش.

***

أول هذه الأبعاد يتعلق بالشريعة، إذ تكتسب عقوبة الإعدام قدرًا كبيرًا من شرعيتها بتصويرها كعقوبة شرعية، وهذا التصوير مشكل من جهات عدة تنجلي بالنظر في المدونات الفقهية وتاريخ القضاء الشرعي على حد سواء.

لم تعرف المحكمة الشرعية – على الأقل حتى الاحتلال البريطاني– إلا سبيلين لإثبات جرائم القصاص والحدود، أولهما إقرار المتهم أمام القاضي من غير استجواب، وفي ظل توجيه شرعي للقاضي بأن يحاول أولًا إثناء المتهم عن الإقرار، ثم يبحث فيه– إن أصر المتهم عليه- عن شبهة تدرأ العقوبة، كما حدث من محكمة القاهرة الشرعية سنة 1812، حينما اعترف أمامها بعض اللصوص بـ”أخذ” بعض أملاك الغير، فلم يعتبر القاضي الإقرار لعدم اشتماله على التصريح بلفظ السرقة[1]، كما اشترط بعض الفقهاء تكرار الإقرار مرتين أو أربع، وتنص كتب الفقه على استحباب عدم الإقرار، كما أنه للمتهم أن يتراجع عن إقراره في أية لحظة، وبالتراجع تسقط العقوبة البدنية إن كانت ثبتت بالإقرار، مع بقاء الحقوق المادية المترتبة عليه.

السبيل الثاني للإثبات هو شهادة العدول، واستدعى تعديل الشهود تنظيم المحكمة الشرعية على نحو معين، إذ صارت تستند إلى نوعين من الشهود، أولهما “شهود الواقعة” الذين يستند صاحب الدعوى إليهم في إقامة دعواه، وثانيهما “شهود المحكمة”، وهم بعض من ثبت لدى القاضي عدالتهم من أهل المناطق المختلفة، ممن يعرفون شهود الواقعة فيثبتون عدالتهم لديه وفق الشروط الصارمة المنصوص عليها في كتب الفقه والتي تنزع عن الشاهد العدالة بأدنى شبهة.

وبعد تعديل الشهود، تمحص المحكمة شهاداتهم بحثًا عن تفاوت بينها يؤسس لشبهة تسقط بها العقوبة، كما حدث في محكمة طنطا سنة 1860، حين اتهم بعض الأهالي قاضي البرلس بالاعتداء على والدهم ضربًا حتى الموت في قاعة المحكمة، وشهد أحد الشهود بأن المتهم استمر في ركل المجني عليه بقدمه اليمنى في معدته، بينما شهد الآخر أنه كان يضربه بقدمه اليسرى، وشهد ثالث بأنه شهد المتهم يطارد المجني عليه، ثم سمع استغاثات المجني عليه من غير أن يرى الضرب، فأهدرت المحكمة شهادة الثالث لأنها ليست “شهادة”، واعتبرت التفاوت بين شهادتي الأول والثاني مانعًا من الحكم بالإدانة[2].

وإجمالًا؛ فإن القدرة على استخراج الشبهة تظهر كأحد المعايير الرئيسية لكفاءة القاضي، فسجلات المحاكم تنطق بسعي القضاة لاستخراجها، كما في الواقعتين المشار إليهما، وكما في حكم مجلس استئناف بحري برفض حكم ابتدائي قضى بالحد على رجلين سرقا مخزنًا بشكل متكرر بفتح منفذ في أحد جدرانه، واعترفا بعد القبض عليهما بسرقة أردب وثماني كيلات من البرسيم، إذ رأى مجلس الاستئناف أن تكرار السرقة يعني إمكانية ألا يكون المسروق في أي مرة قد تجاوز النصاب، ورأى في ذلك شبهة تدرأ الحد[3].

يضاف إلى ذلك، في حالة القصاص، حق العفو الذي جعله الشرع بيد أولياء الدم، وهو حق كثر استعماله في استبدال الدية بالقصاص في مجتمعات قامت على أساس الروابط الأسرية الممتدة، وكان القاضي فيها حريصًا على استمالة أولياء الدم للعفو والقبول بالدية، وهكذا لم تكن عقوبة الإعدام (أو العقوبات البدنية بشكل عام)– باعتبارها عقوبات شرعية– منتشرة بشكل كبير في المجتمع، بل تشير دراسة عن محكمة في جنوب مصر إلى أن 5% فقط من قضايا القتل المنظورة أمام المحكمة الشرعية هي التي حكم فيها بالدية، و2% هي التي حكم فيها بالقصاص[4].

وهذه القيود الشرعية على العقوبات البدنية تبدو متناقضة مع الوضع القانوني في مصر؛ حيث تثبت الجريمة بالأدلة الظرفية والجنائية، ويحل ضمير القاضي محل المعايير الموضوعية الصارمة في قبول الشهادات وتعديل الشهود، ويعتبر إقرار المتهم أمام الشرطة والنيابة، ويتساهل في بعض الأحيان مع وجود شبهة حصوله تحت ضغوط من تعذيب وإكراه، بل ويتحمل المتهم عبء إثبات وجود الضغوط ولا تسقط العقوبة بالتراجع عن الإقرار، وهذا التباين بين عمل المحكمة الشرعية والمحكمة الحديثة يبطل دعوى الأخيرة استناد أحكامها إلى الشريعة، إلا (في ظل غياب آلية لتعديل الشهود) في صورة واحدة وهي الإقرار بشروطه المعتبرة في المحكمة الشرعية.

وبقي تعقيبان، أولهما أن مذهب المالكية لا يضع حدًا أقصى للعقوبات التعزيرية، فلا قيد فيه على سلطة الحاكم في إنفاذ العقوبات البدنية، خلافًا للجمهور الذي يمنع مجاوزة التعزير للحد، غير أن هذه العقوبات عند المالكية ليست عقوبات “شرعية” بمعنى أن تركها ليس فيه أية مخالفة للشريعة، وثانيهما أن عدم كفاية الأدلة في المحكمة الشرعية لم يكن يعني إفلات المتهم من العقوبة، وإنما إفلاته من العقوبة الشرعية مع إمكانية معاقبته سياسةً، أي بمقتضى سلطة الحاكم، ففي واقعة السرقة في 1812 المشار إليها في فقرة سابقة، أحال القاضي أوراق المتهمين لكتخدا (حاكم) القاهرة لعدم كفاية الأدلة، فحكم الأخير بقطع أيدي المتهمين، غير أن هذا الحكم هنا لم يكن حدًا وإنما سياسة، والفرق بينهما ستتناوله فقرة مقبلة من هذا المقال، غير أن المراد هنا هو أن الشريعة لم تكن نظامًا قانونيًا متكاملًا، وإنما كانت جزءًا من نظام قانوني، ولم تتسم– في كثير من الأحيان، بحكم التشدد في قبول الأدلة- بالردع الذي رأته السلطة السياسية وقتئذ لازمًا، فأنفذت الأخيرة عقوبات رادعة، غير أنها لم تدع في ذلك الاستناد إلى سلطان الشريعة كما يحدث في مصر منذ أكثر من مئة سنة.

***

البعد الثاني الذي ينبغي الالتفات إليه عند مناقشة عقوبة الإعدام هو السيادة، وهي– كما تفترض النظريات القانونية السائدة– واحدة لا تقبل القسمة، وتجسيدها الأهم حق انتزاع الحياة، غير أن البناء القانوني– على الأقل حتى منتصف القرن التاسع عشر– يشير بوضوح إلى عدم احتكار الدولة لمفهوم السيادة، وتنازعه بين ثلاث جهات، أولاها– كما يظهر في الحدود– الشريعة، التي لم تجعل لأي أحد حق العفو في هذه الجرائم إن ثبتت بالطريق المعتبر، فهي “حق الله” الذي ليس لبشر– وإن كان نبيًا– أن يتسامح فيه، كما في حديث “أتشفع في حد من حدود الله… وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”[5]، والجهة الثانية هي المجتمع، متمثلا في أولياء الدم في قضايا القصاص، إذ كان حق العفو بأيديهم. وفي هاتين الحالتين كانت الدولة أداة تنظيم وإدارة: مسؤولة عن إظهار سيادة غيرها من غير أن يكون لها دور في القرار، وأما الجهة الثالثة فكانت الدولة نفسها، التي كانت تنفذ– بسلطة الحاكم– أحكامًا بدنية تصل– على مذهب المالكية كما سبق- إلى القتل.

ولم تكن سيادة السلطة السياسية مستقرة، ففي خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ومع التطورات الرأسمالية وتأسيس دولة محمد علي ونشأة “جيش وطني”، والتنظيمات العثمانية التي ميزت بشكل أكثر جلاء (وإن كان جليًا من قبل) بين سلطتي الشريعة والسياسة، مرت مصر بمرحلة شبيهة– إلى حد بعيد– بما يسميه فوكو “الانتقال من السيادة إلى الحكومة”، إذ صارت شرعية الحاكم مستندة بشكل أكثر من ذي قبل إلى قدرته على تحسين أحوال الرعية الحياتية[6] (بعد أن كان غاية المطلوب منه من قبل كف أذاه عنهم)، وبالتالي لم يعد من السهل عليه انتزاع الحياة كإشعار بسلطته، ولذلك قلت العقوبات البدنية بشكل كبير خلال النصف الأول من القرن، ففي حين فرض كتخدا القاهرة– في القضية المشار إليها أعلاه– عقوبة تكافئ حد السرقة الذي رأت المحكمة عدم كفاية الأدلة لتطبيقه؛ فإن المجالس السياسية قد أظهرت في العقود التالية ميلًا متزايدًا للابتعاد عن العقوبات البدنية واستبدالها بالحبس والنفي، بمعنى أنه لم يعد للعقوبات البدنية مكان حيث استندت إلى سلطة الدولة.

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ظهر التناقض بين تلك القدرة المتناقصة للدولة على فرض العقوبات من جهة، وأهميتها المتزايدة كأداة للتنظيم والحكم، وبخاصة في ظل تمدد الرأسمالية الأوروبية في أعقاب ثورات 1848، وإذا كانت الدولة في أوروبا في هذه الفترة قد استندت في شرعيتها إلى هيمنة إيديولوجية (hegemony) أكثر من استنادها إلى الاستبداد (domination)، بسبب وجود درجات مختلفة من الديموقراطيات البرجوازية، وبسبب موقعها في علاقات الإنتاج؛ فإن الوضع كان مختلفًا خارج أوروبا، إذ احتاجت الرأسمالية الصناعية الأوروبية إلى تشكيل العالم خارج أوروبا بحيث لا يكون نظام الإنتاج متحدًا، وذلك لاحتياج الصناعة للمواد الخام المستوردة من خارج أوروبا، وأسواق لاستيعاب إنتاجها الفائض عن حاجتها[7]، وبالجملة فإن ذلك أدى خارج السياق الأوروبي لاستناد الرأسمالية إلى “استبداد بلا هيمنة إيديولوجية” “dominance without hegemony” بحسب جوها.

وهذا الاستبداد احتاج لدولة تسلطية تقوم به، وهو ما حال دونه التشارك في السيادة وحيازة الدولة الدرجة الأدنى منها، وبالتالي جرى خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبشكل أكثر تكثيفًا مع الاحتلال البريطاني، ترسيخ فكرة “سيادة الدولة” كسيد أوحد، وذلك من خلال تحويلها من جهة إظهار لسيادة غيرها كما سبق إلى محل لهذه السيادة، فصارت الدولة تستند في تصرفاتها إلى دعاوى دينية، وهو ما احتاج لتوسيع مجال عمل المحكمة الشرعية وضبطه على نحو مغاير لمنطقه.

ولم تكن مصر متفردة في هذا المجال، فالاستعمار البريطاني للهند واجه المعضلة نفسها، إذ كان المستعمرون يرون أهمية المحافظة على الشريعة كأداة قانونية تضفي شرعية على حكمهم، وكانوا في الوقت ذاته يرونها غير رادعة بالقدر الكافي بسبب صرامة ضوابط إثبات الجريمة، ولأن القاضي في الهند كان بريطانيا فقد كان يقوم قبل إصدار العقوبات البدنية باستشارة المفتي (الذي لم يكن رأيه ملزمًا للقاضي البريطاني، غير أنه كان مهمًا في إضفاء الشرعية الدينية على الحكم)، وفي قضايا القتل، كانت الاستشارة تقدم للمفتي على أساس مطالبة أولياء الدم بالقصاص لا الدية[8]، بمعنى أنها أسقطت حق أولياء الدم في العفو (الذي يعني في حقيقة الأمر الحفاظ على نصيبهم من السيادة)، الأمر الذي حول الدولة من أداة تنظيم إلى محل للسيادة (إذ صار الحاكم صاحب قرار العفو، أو صاحب الحق في انتزاع الحياة وإعطائها)، وذلك المسار يتشابه إلى حد بعيد مع ما حدث في مصر، سواء في “عصر رأس المال” (في منتصف القرن التاسع عشر) أو في عصر الاستعمار المباشر الذي تلاه، إذ أدخلت تعديلات في عمل المحكمة الشرعية ألزمتها بالنظر في قضايا القتل من غير ادعاء أولياء الدم (أو ألزمت أولياء الدم بالشكوى وطلب القصاص)[9]، ثم توسعت في تعريف أدوات القتل عن المنصوص عليه في كتب الفقه[10]، وأدخلت من الأدلة ما كان من قبل غير مقبول من المحكمة الشرعية كالطب الجنائي (المعروف بالطب الشرعي، والذي كان قبل تلك الفترة يسمى بـ “الطب السياسي”؛ لأنه كان دليلًا معتمدًا في المحكمة السياسية دون الشرعية).  

وهكذا استندت الرأسمالية إلى الدولة في تنظيم المجتمع على نحو يسمح بتمددها وخدمة مصالحها، واستخدمت الدولة الدين لإضفاء المشروعية على قوتها على نحو مكنها من احتكار السيادة، فصار القانون المصري الآن يجعل حق العفو عن العقوبات كافة بيد رأس الدولة ورئيس السلطة التنفيذية، ولم تعد ثمة عقوبات لا يملك هو العفو عنها، ولا عقوبات يملك غيره فيها حق العفو.

ومع هذا الحلول الكامل للسيادة في الدولة– التي صارت ترى لنفسها الحق في القتل وفق ما تراه خادمًا لمصالحها– ظلت الدولة تستعمل الشريعة، لإضفاء مزيد مشروعية على ممارستها السيادة، ومن ذلك النص على وجوب استشارة القضاة لمفتي الجمهورية قبل إصدارهم أحكام الإعدام، وهو قانون لا تتجاوز فائدته بحال إضفاء الشرعية الدينية على قرارات القضاة من غير أن يكون للحكم الشرعي تأثير فيها ألبتة، فالقاضي مضطر لاستشارة المفتي غير أن القانون لا يلزمه بالعمل باستشارته، والمفتي– كما يظهر من استقراء أحكام الإعدام الصادرة حتى قبل السنتين الأخيرتين، من حيث نوع الأدلة ونوع الجريمة- يتعامل– كما يبدو– مع الإعدام كعقوبة تغزيرية لا حدية، اللهم إلا في الأشهر الأخيرة التي صرح فيها المفتي– للمرة الأولى ربما– بالموافقة على حكم الإعدام باعتباره “حرابة”.

***

البعد الثالث لمناقشة عقوبة الإعدام يختص بالعدالة، وللفظ العدالة هنا مدلولات مختلفة، أولها وأكثرها مباشرة هو التأكد من ثبوت نسبة الجريمة للمتهم، وهذا الأمر يحتاج لضبط إجراءات التقاضي لإيجاد الضمانات اللازمة للمتهم، وهو ما ينصب حوله النقاش، غير أن اقتصار النقاش عليه مشكل من حيث إنه يتفرع عن تصور شديد المحافظة للعدالة يحصرها في ضبط الإجراءات ولا ينشغل بالانحيازات والسياقات الحاكمة لتلك الإجراءات، ولا يشتبك مع المعاني المختلفة للعدالة وما تعنيه من تصورات للحياة بأسرها لا للحق في انتزاعها فحسب.

فالعدالة في إطار العقوبات الشرعية واضحة المصدر والمعنى والسبيل، فمصدرها كلامي، ومعناها ترتب عقوبة معينة على فعل معين، وسبيلها التزام الإجراءات المنصوص عليها في الشريعة، بيد أنها عدالة محدودة النطاق كما يظهر مما سبق، إذ لا تتناول القسط الأكبر من تعاملات الحياة، الذي يقع في إطار ما تعارف العثمانيون على تسميته بـ “السياسة” ونظموه بما سموه “القانون.”

وفي إطار السياسة تطورت النظم السياسية من نظم تستند فلسفة العقوبة فيها إلى ضرورة إيقاع عقوبة على الجاني بدافع الانتقام منه- أي أنها نظم منشغلة بالأساس بإصلاح أخطاء الماضي لإعادة التوازن-، إلى نظم فلسفة العقوبة عندها أكثر اتصالًا بالمستقبل، تعمل إما على تقويم الجاني بحيث لا يعود للجريمة، أو الردع، بحيث لا تتكرر الجريمة في المجتمع سواء منه أو من غيره، وهذه المفاهيم المستقبلة التي تستند إليها العدالة هي مفاهيم سلبية تستهدف المنع، ويقابلها بالضرورة مفهوم إيجابي للعقوبة، وهو أن يكون في إيقاعها إزالة لعوائق تحول دون مستقبل أفضل (مقابل المعنى السلبي الذي هو وضع العائق في سبيل تكرار الجريمة)، ويظهر ذلك بأجلى صوره في لحظات التغيير الثوري، الذي يعني غياب بعض الأشخاص عن المشهد فيه فتح آفاق لمستقبل منسد بوجودهم نفسه، وذلك هو بالضبط ما دفع ببعض النواب في البرلمان الفرنسي بعد الثورة بأن يدافعوا عن المطالبة بإعدام الملك بقولهم: (إن جريمته هي نفس وجوده) “His crime is his existence”، فبقاء الملك على أية صورة يعني عندهم بقاء رابط لنظام سلب الأكثرين حياتهم (وإن أبقى لهم فيها الأنفاس)، فيكون انتزاع حياته مبررًا بكونه الثمن الأقل مقابل استعادة الأكثرين لحياتهم، أو لمنع ضرر مستقبل منه.

وهذا الانتزاع للحياة لا يمكن أن يقارن بعقوبات الإعدام المناقشة في الفقرات السابقة، بل يصعب أن يتسمى بحكم الإعدام أصلا، لأنه لا يدعي نسبة للشريعة بل يقوم على أساس “السياسة”، ثم هو لا يستند إلى شرعية الدولة ولا يغذيها بل لا يتصور وجوده إلا في اللحظات الثورية (أي في مقابل الدولة)، تعبيرًا عن الجماهير في ظرف غير فاشي (وإلا كان باسم الدولة أيضًا)، وإزاء أشخاص يتحكمون في جهاز الدولة ويستخدمون نفوذهم للحيلولة دون استعادة الجماهير إياه في الثورة، وهو نوع العقوبة الذي يبقي للعدالة معنى أعمق من معناها الإجرائي، والذي يحرر “حق الحياة” من معناه المادي إلى المعنوي، ويعري الانحيازات الطبقية التي تقوم عليها المناداة باحترام حق الحياة في إطار سحق الملايين من المستضعفين أمنيًا واقتصاديًا.

وليس ثمة طريق واضح لإيقاع هذه العقوبة؛ فإيقاعها عن طريق محكمة (وإن كانت ثورية) مشكل؛ لأن نظام المحكمة– كما يشير فوكو– يفترض الحياد (بوجود مدع ودفاع وقضاة، وبترتيب المجلس الذي يضع القضاة على مسافة واحدة من الطرفين، وأعلى منهما)، والظرف الذي تكتسب فيه هذه العقوبة شرعيتها هو ظرف مناقض لمعنى الحياد، إذ اللحظة الثورية هي لحظة انتصار إرادة الجماهير على قاهريهم، وأما الاستغناء عن آلية تحاكم فيفتح الباب أمام تحويل ذلك لانتقام شخصي[11]، يتصل بالماضي أكثر من اتصاله بالمستقبل، غير أن غياب آلية إيقاع العقوبة لا ينقص من أهمية التمسك بهذا الحق، إذ هو يسري بشكل أقل تعقيدًا فيما هو دون الإعدام، كما أن عدم مثالية الآلية لا يجعل من غياب هذا النوع من العدالة الشعبية بديلًا أفضل.


[1] Rudolph Peters, Crime and Punishment in Islamic Law: Theory and Practice from the Sixteenth to the Twenty-First Century, Cambridge University Press. 2005, p 107

[2] Ibid, 12-13

[3] Ibid, 140

[4] Ibid, 138

[5]  صحيح البخاري، 6406.

[6] Michel Foucault, The History of Sexuality: An Introduction. Volume 1,1978, Vintage Books, p 138

7 Timothy Mitchell, Carbon Democracy: Political Power in the Age of Oil, 2013. Vintage Books, p 16-17

[8] Rudolph Peters, Crime and Punishment in Islamic Law, p 110-111

9 Liat Kozma, Policing Egyptian Women: Sex, Law and Medicine in Khedival Egypt, 2011, Syracuse University Press, 14

[10]  يرصد الدكتور خالد فهمي هذه التحولات في الفترة من 1850 إلى 1880 تقريبًا في فصل غير منشور له.

 [11] ثمة مناقشة قيمة بين ميشيل فوكو ومجموعة من الماويين حول مفهوم العدالة الشعبية، وغياب اللازمة له، في الفصل الأول من كتاب  Foucault, M. Power/Knowledge:

اعلان
 
 
إبراهيم الهضيبي