Define your generation here. Generation What
فنانة الحُليّ زينب خليفة: رؤية واحدة لا تكفي.. والورش هي الحل
 
 

تعمل زينب خليفة بصناعة الحلي منذ 28 عامًا، تعلمت خلالها الكثير عن الحرفة التي تشهد تدهورًا منذ فترة، حتى إنها تفكر في طرق لإعادة إحيائها.

تصمم خليفة كل قطعة بنفسها وتشكلها بيديها كقطعة فريدة. وهي تصنع معظم حُليها من الفضة، ولا يتوقف عملها عند الحلي التقليدية كالأقراط والخواتم، فتصنع من القلادات وأزرار الأكمام وسلاسل المفاتيح ودبابيس الزينة حليات منمقة بسيطة وغريبة الشكل، وغير منتظمة بصورة جميلة، ولا تشبه التصميمات “العالمية” المصقولة اللامعة.

كما تمتزج في أعمالها النقوش الإسلامية والفرعونية والقبطية والشعبية في طرازٍ أسطوري خيالي، لتأخذ شكل الإنسان في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى تأخذ أشكالًا هندسية وخطوطًا ملتفة، فهناك أشكال أعين وأيدي وأسماك وثعابين وحروف عربية ووجوه كاملة، وأعمدة وجعارين وطيور وصلبان وأهلة. كما يوجد جانب قد يحمل شيئًا من الفكاهة، يطغى أحيانًا على الناحية العملية السهلة، كالخواتم المرصعة بأحجار بارزة يزيد طولها على سنتيمترين.

ومن ممارسات خليفة الفنية- كما وصفها الكاتب والمنسق الفني بسام الباروني، “العمل على المستويين الواعي وغير الواعي للإنتاج الثقافي، لتصبغ التراكيب المفاهيمية الجامدة بدفقات من الطاقة المعبرة”. وينطبق هذا الوصف أيضًا على تصميماتها للحلي.

ولدت خليفة عام 1951 لأب يعمل “بقال بالجملة” في حي العتبة بالقاهرة الكبرى؛ حيث عاشت طفولة شديدة الثراء، محاطة بأشكال الفن والتراث والحرف. وألحقت بمدرسة أمريكية مميزة شعرت فيها بالاغتراب. ثم انتقلت العائلة إلى حي المعادي في عام 1969، ودرست زينب الفلسفة في جامعة “عين شمس”.

اشتغلت بالحلي لاحقًا، بعدما رزقت بأطفال، وهي لا ترى أن التحول من الفلسفة إلى صناعة الأعمال الفنية والحلي نقلة كبيرة. فتقول إن الفلسفة دائمة التواجد في الحياة اليومية، بما في ذلك في كل أنواع الفنون، وهي موجودة في عملها؛ حيث تساعدها على رؤية الأمور من مختلف النواحي.

تحكي قائلة: “بدأ الأمر بشغفي تجاه الحلي. بدأت أجمع القطع القديمة من حلي الزينة، وتعلمت مع الوقت طريقة إصلاح القطع المكسورة”.

لا تحب خليفة أن تعتبر الحلي “كماليات”، وهي غير معنية بصنع قطع تكون بمثابة استثمار مالي أو تعبر عن طبقة من يرتديها، وهو أحد الأغراض الاجتماعية الرئيسية للحلي. كما ترى أن قطع الحلي تتحدث وتعكس شخصية من ترتديها وتضيف إليها.

المتجر في 1أ شارع سيد بكري، الزمالك، القاهرة

تجلس في متجرها الصغير المتواضع بالزمالك، تحدثنا بلطف وحرص بالغ على مشاركة معارفها ومخاوفها بشأن الصناعة التي تعمل بها، وتاريخها والتحديات التي تواجهها. كما تبدي القدر نفسه من الإقبال على الحديث عن مسار عملها.

تقول موضحة: “أريد أن يرى الناس أعمالي أكثر من أي شيء آخر”، عندها يصل مشتريان اثنان لمعاينة القطع المعروضة، يبدو أنها تعرفهما جيدًا، فتهب واقفة للحديث معهما. نرى على جدران المحل البيضاء بعض اقتباسات مخطوطة باللون الرمادي لكلمات من أغاني أم كلثوم وشادية. “يا حبيبي كحل السهد جفوني.. مذ نما طيفك عن عيني وغاب”.

تقول: “هذه القطع تتحدث إليّ، تفرض الأسلوب والمواد التي تلزمها. أرى التصميم في ذهني أولًا وإذا أعجبني أبدأ في رسمه وتنفيذه. لكن خيالي لا يكون صائبًا في كل الأوقات”.

عندما يراودها حس المغامرة ترتجل في عملها بالمواد الخام بشكل مباشر، لكنها في معظم الأحيان ترسم التصاميم أولًا ثم تقوم بتنفيذها. تحمل أحدث مجموعاتها اسم “المجموعة الفرعونية”، وقد رسمت تصميم كل قطعة منها على الورق أولًا من وحي المعابد والرسوم القديمة.

.

تستكمل خليفة الحكي، فتقول: جرت العادة أن يُصنع نموذج للورشة ليقوم الحرفيون بالعمل على أساسه. كانت هذه تجارة عائلية في ما مضى. وكان لدى كل صانع حلي مساعد صغير في السن، كان هذا نظامًا جيدًا؛ حيث تنتج عنه أفكار وتصورات جديدة. لكن النظام اختلف الآن تمامًا.

يعمل معها فريق مكون من خمسة أفراد في ورشتها في الجمالية؛ حيث تعلمت أسس العمل في ورشة قريبة بالمنطقة نفسها خلال فترة الثمانينيات، وأسست أول ورشة خاصة بها بالقرب من حارة اليهود، التي كانت في وقت من الأوقات محل تجمع صناع الحلي، وبخاصة من العائلات اليهودية، وكان جمال عبد الناصر يعيش هناك في فترة شبابه. هجر صناع الحلي الحارة بعد نشوب حريق كبير.

[رسوم لتصاميم الحلي لزينب خليفة (الصورة إهداء من زينب خليفة)

توضح: “عندما بدأت العمل كان لكل شخص تخصص. فهناك من يعمل على السلاسل، وهناك من يعمل على الحلي العربي، وهناك من يتخصص في الخط الفرعوني”.

كانت تستعين برجل يقوم بتثبيت الأحجار يدويًا، وهي مهارة لها قيمة كبيرة بالخارج، لكنه كان يضطر إلى سرقة ما كان يتبقى من الفضة والذهب ليستمر في حرفته. وهو الآن يعمل في مجال مختلف تمامًا. تقول: “من الصعب جدًا أن نجد الآن حرفيين ماهرين، لكن ذلك لا يقتصر على مصر فقط. هذا أمر مؤسف وقد حاولت التواصل مع المسؤولين في هذا الشأن لكن بلا جدوى”.

تشعر خليفة بالقلق بسبب إغلاق الكثير من الورش في الجمالية، تقول إنه من الجيد أن تكون هناك ورش صغيرة إلى جانب المصانع. فالورش مكان يتعلم فيه الناس. “حتى في لندن ونيويورك وجدت أن الورش أفضل في معظم الأحيان. ففي المصانع يكون هناك مصمم تقتصر مهمته على التصميم ولا يشرف على العملية بأكملها، وهذا شكل مختلف تمامًا من الإنتاج”.

.

وعند سؤالها عن كيفية تحسين الوضع؟ قالت: “كانت هناك تجربة ناجحة للغاية في الهند؛ حيث قاموا بإعفاء كل الحرفيين في “جايبور” من الضرائب، وأدى ذلك إلى زيادة الإنتاج بالتبعية. ثانيًا: التوعية الصحية مهمة، ولذلك قد تكون الدورات التدريبية على عادات النظافة والتهوية الجيدة في الورش فكرة جيدة لتجنب الأمراض الشائعة بين أفراد الحرفة، مثل: السل والشلل الرعاش”.

وتضيف: “على الحكومة الاعتراف بأهمية هذا الاقتصاد الموازي غير الرسمي ومساعدته على الازدهار، وينطبق ذلك على معظم الحرف، وليس على صناعة الحلي فحسب. لكن بدلًا من أن تفعل الحكومة ذلك تقوم بنقل الورش إلى أحياء أخرى”. وتشير خليفة إلى مشكلات متعلقة بالفساد، وتقترح أن تدع الحكومة الناس وشأنهم طالما تعجز عن المساعدة من خلال توفير أنظمة تهوية، مثل التي قامت هي بتركيبها في مشغلها.

كما تغيرت الصناعة أيضًا من نواحٍ أخرى، نتيجة لتغير الظروف الاقتصادية التي أدت لتغير في المفاهيم. فلم تكن أمها تعتبر الذهب من عيار 18 ذهبًا حقيقيًا، لكنه أصبح الآن العيار السائد في مصر.

تقول خليفة: “المواد الخام متوفرة طالما تستطيع دفع ثمنها، لا توجد مشكلة من هذه الناحية. لكن المعايير تختلف من مصمم إلى آخر. أُفضل استخدام الذهب النقي من عيار 24 قيراطًا والفضة من عيار 999 قيراطًا، وأخلطهما في ورشتي لإنتاج عيارات مختلفة. قريبًا سوف يكون هناك سوق لتداول الذهب يزيد من سهولة الحصول على المواد الخام. كما أن الذهب المعاد تصنيعه (كسر الذهب) متاح، وهذا أمر جيد. يحتاج فقط إلى معالجة كيميائية بسيطة ليعود إلى حالته الأصلية”.

تقوم خليفة بصفتها فنانة باستكشاف أمور أخرى في هذا الصدد، مثل المعارض التي تقام في حفلات زفاف الطبقة المتوسطة. “أهوى المشاركة في المعارض؛ حيث أجد مجالًا للعب وإطلاق العنان لنفسي، لأني لا أكون مقيدة بكل هذه المواد الباهظة وأطلق العنان لخيالي”.

شاركت خليفة في عدد من المعارض بمركز الجزيرة للفنون وجاليري الفلكي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وأتيليه القاهرة. تقول: “أول معرض تجهيزي installation بالقاهرة كان معرضي. كان ذلك في التسعينيات. صممت حفل زفاف برجوازي من علب الصفيح”.

 عملان من أعمال زينب خليفة الفنية

في عام 2005، كتب الباروني عن العمل المعروض في ستوديو الفنان في جاليري تاون هاوس قائلاً: إن خليفة “تصنع ما يمكن وصفه بـ (الحيوانات الرامزة البصرية المعاصرة)، مستخدمة صورًا سبق استعمالها لرموز من أشكال القوى الموجودة في كل مكان، والتي تشكل وعينا بأنفسنا والمجتمع على نحو يكاد يكون قسريًا”.

كما قال إنها قدمت “معرضًا يحتوي على الكيتش بشكل خفي، ومرتبط بالتعبير الاجتماعي السياسي بشكل جذري، كما يمكن أن نراه يحتوي على الكيتش بشكل جذري، ومرتبط بالتعبير الاجتماعي السياسي بشكل خفي”.

حسن خان، ما يظن هيثم أنه يريد، الاتفاق، 2011. (الصورة مهداة من حسن خان)

كما تعاونت خليفة مع ابنها الفنان حسن خان في تصنيع بعض القطع لأعماله الفنية في ورشتها. من ضمن القطع التي عملت عليها “الاتفاق” (2011)، وهي مجموعة من الأغراض مقدمة إلى جانب مجموعة من القصص المليئة بالحنين لأبطال يشعرون بخيبة الأمل.

وصممت أيضًا في عام 2013، مجموعة من الأغراض لسلسلته الفوتوغرافية “مصادر موثوق بها”، والتي ظهرت في مجلة ArtForum. تضمنت السلسلة أيضًا صورة لخليفة صاحبها النص التالي: “صورة لأمي التقطت بكاميرا هاتفي المحمول يوم 4 أغسطس 2013، بعد ست سنوات من التردد والتفكير في الأمر”.

صورة من صفحة مجلة ArtForum لسلسلة حسن خان Trusted Sources

تعمل خليفة حاليًا مع عامل سباكة على تجهيز معرض عن 60 عامًا من البروباجندا يتضمن مونتاجًا صوتيًا.

وعند سؤالها عن الجيل الشاب من صانعي الحلي قالت: “إن الناس الآن للأسف يسعون وراء كسب الرزق فقط، ويطغى ذلك على طموحهم. ويعود جزء من ذلك إلى ظروف المعيشة التي أصبحت أكثر صعوبة”. وكان هذا هو السبب الرئيسي وراء حلمها بتوفير التعليم على مدار السنوات الأربع الماضية، خصوصًا بالنسبة للشباب المعدم.

تقول: “أحلم بافتتاح معهد يعلم الأطفال فن تصميم الحلي. أريد أن يتعلم هؤلاء الأطفال هذا الفن في ورشة مثلما تعلمته أنا وعزة فهمي“.

مؤخرًا، قامت نادين خان ابنة خليفة، والتي تعمل بالإخراج السينمائي، بتجميع فيديو مدته خمس دقائق كمبادرة لجمع التمويل للمؤسسة المخطط إنشاؤها، ونرى فيه الورشة والمنطقة المحيطة بها.

Zeinab khalifa Foundation-Fund Raising.

تقول خليفة: “نحتاج إلى المزيد من الناس في المجال لإثراء السوق. المنافسة بالنسبة لي تعني أن أقوم بتحسين منتجي النهائي”. هكذا أجابت عند سؤالها عن المنافسين. وسألناها أيضًا عن سرقة أعمالها، فقالت: “بصراحة قليلًا ما يتم تقليد أعمالي. حدث ذلك لي مرة عندما كانت لدي ورشة في خان الخليلي. ولكي أحافظ على الملكية الفكرية لتصاميمي عليّ أن أكون ملمة بالقانون، وللأسف معرفتي القانونية محدودة. إذا سألتني عن رأيي بصراحة في ظل الظروف الراهنة؛ سوف أقول لك إني أتمنى أن يقوم الناس بتقليد تصاميمي. النسخ المقلدة من أعمالي تسعدني”.

“في الماضي كانت هناك حرفة مصمم النماذج أو التصاميم، لكن الآن هناك قوالب وإنتاج جماعي وكتالوجات تأتي من إيطاليا يستطيع الحرفيون تقليدها ببساطة. كان النظام من قبل عضوي وينتج مواهب جديدة باستمرار”.

وتختتم: “نحتاج إلى التنويع وإلى أشخاص منفتحين على رؤى مختلفة، فلا تكفي رؤيتي فقط”. موضحّة أنها ترحب بانضمام مصممين آخرين للعمل معها: “أتمنى لو كان هناك آخرون، لكن للأسف لا يوجد. إذا أسست المدرسة سوف ينضم آخرون إلى المجال. أهدف إلى الاستعانة بأشخاص لديهم رؤية”.

اعلان
 
 
جينفر إيفانز 
أماني علي شوقي