Define your generation here. Generation What
في اليوم العالمي للسياحة: مصر تغازل السياح الصينين …مع ابتعاد زوار الغرب عن البلاد
 
 

لو ذهبت اليوم لجولة في المتحف المصري بالقاهرة سيصعب عليك أن تتخيل أن هذا المزار العالمي الشهير كان منذ عشر سنوات فقط يمتلئ بالزائرين الأجانب. فحتى قبل أن تقع كارثة قتل السياح المكسيكيين في الواحات الغربية الشهر الجاري، كان هدوء ملحوظ يسود المتحف الذي لم تعد ترتاده منذ شهور سوى مجموعات دراسية من المصريين بشكل أساسي.

غير أنه في يوم زيارتنا، وفي قاعة واسعة خاوية من المتحف، وقف ثلاثة زائرين أجانب أمام تمثال حتشبسوت.

كان السياح الثلاثة من الصين، يزرون مصر في رحلة لأربعة أيام فقط. أحدهم، لونج ين البالغ من العمر 27 سنة، قال: “نحن نستمتع برحلتنا. لدينا أربعة أيام فقط هنا لذلك نرغب في القيام بأكبر قدر ممكن من الأنشطة. نزور مصر لأول مرة ولذلك نريد أن نرى كل شيء”.

يرى العديد من العاملين في صناعة السياحة المصرية أن الزوار الصينيين من أمثال لونج هم استجابة إلهية لدعائهم. فقد تراجعت السياحة ككل بعد الثورة، غير أنه وبينما أظهرت سياحة الشمس والشواطئ على البحر الأحمر بعض الإشارات عن حدوث انتعاش متواضع، إلا أن السياحة الثقافية استمرت في الركود. وتشير تقارير إلى أن إيرادات مزارات التراث الثقافي في مصر العام الماضي قد انخفضت بنسبة 95% منذ قيام الثورة.

السوق الوحيدة التي لم تنكمش بالنسبة للسياحة الثقافية هي السوق الصينية. فعلى عكس الانخفاض العام يبدو أن عدد الزوار الصينيين قد ازداد ليصل إلى ضعف مستواه ما قبل الثورة. 

ومنذ عام 2000، ارتفعت السياحة الصينية الخارجية حول العالم من 13 مليون إلى 165 مليون سائح سنويًا. وأثناء هذه الفترة تحولت الحصة الصينية من السياحة العالمية من كونها نسبة صغيرة نسبيًا لتصبح سوق الرحلات الخارجية الأوسع في العالم، وذلك بفضل الانتعاش الاقتصادي المتنامي والسياسة الحكومية الهادفة لتحفيز السفر الدولي.

وأظهرت مصر حرصا مبكرا على الاستفادة من هذه السوق المتنامية. فقد حدد وزير السياحة السابق هشام زعزوع (والذي عاد لتولي نفس الوزارة الأسبوع الماضي) هدفًا لجذب 200 ألف زائر صيني سنويًا مع نهاية عام 2015، وهو ضعف عدد السياح البالغ 109 ألف زائر صيني قبل عام من الثورة، وليس من المستبعد أن تتمكن مصر من تحقيق هذا الهدف.

ويقول جون كيستر من منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة: “تمتلك مصر الكثير لتقدمه في مجال السياحة الثقافية. إذا نشّطت الحكومة العمل مع شركات الرحلات واعتمدت المزيد من رحلات النقل الجوي فإن بالإمكان توليد فرص حقيقية”.

وتعتمد الحكومة حاليا على هذه الإجراءات بالتحديد. ففي فبراير الماضي أعلنت وزارة السياحة تسيير ثلاث رحلات طيران خاصة بين أسوان وكل من شينزين وشانجهاي وتشنجدو.

التحدث بلغتهم

ليست الحكومة وحدها من تعمل لجذب السياح الصينيين، وإنما يحرص المرشدون السياحيون حاليا على تسويق أنفسهم لدى هذه الطائفة الجديدة من الزوار.

عمل هاني حامد، البالغ من العمر 40 سنة، أغلب حياته في السياحة مثل أغلب أقرانه في مصر، حيث بدأ العمل كمرشد سياحي منذ 28 سنة. غير أن الاضطرابات السياسية التي شهدتها مصر منذ 2011 كان لها أثر مدمر على عمله. يقول هاني: “أكسب الآن ربع ما كنت أكسبه، وأسرتي تتكون من أربعة أفراد. أصبحت في أمس الحاجة لإيجاد سوق جديد”.

وكمراقب جيد لصناعة السياحة، توصل حامد إلى أن الزوار الصينيين يمثلون موردا غير مستغل بشكل جيد وفرصة اقتصادية مرشحة للنمو. يضيف هاني: “السوق الصينية تنمو منذ فترة، ولكن في الشهور الأخيرة ازدادت وتيرة النمو. فهي سوق السياحة الأكبر في العالم. ذهبت إلى دبي العام الماضي ورأيت كم الأموال التي ينفقونها، ولكننا هنا في مصر ليس لدينا ما يكفي من المرشدين السياحيين الذين يتحدثون اللغة الصينية للعمل معهم”.  

لذلك قرر هاني منذ بداية العام البدء في دراسة اللغة الصينية، حيث يقول المرشد السياحي (واسمه بالصينية جياو هو أو Xiao Hu): “لم يكن الأمر سهلًا. إنها أصعب لغة في العالم. ما زال عليّ أن أعتني بأطفالي إلى جانب العمل بدوام كامل كمرشد سياحي يتحدث البولندية. أحاول دراسة الصينية ساعتين في اليوم وأتمنى أن أصبح قادرًا العام المقبل على استقبال الجولات الصينية”.

على الرغم من الصعوبات، إلا أن الكثيرين يفكرون في اتخاذ نفس المسار. فوفقاً لـ”سونج يي جين”، مدرس هاني الذي يقدم دورات تدريبية في المركز الثقافي الصيني في الجيزة: “هناك الآن حوالي ألف مرشد سياحي يتحدث الصينية” في مصر.

ويضيف “اعتدنا تقديم دورة تدريبية تُسمى المرشد السياحي الصيني في مصر. سوف نعيد تكرارها قريبًا لأن هناك زيادة واضحة في الطلب عليها. لقد أصبح علينا فجأة أن نعتذر عن قبول بعض المتقدمين”.

واحد من هؤلاء المرشدين الألف هو محمد صلاح الدين، أو “كاي جين Kai Xin” كما يسمى بالصينية. ومثل أغلب العاملين في مجال السياحة هنا فقد درس علم المصريات واللغة الإنجليزية، وكان طموحه أن يصبح مرشدًا سياحيًا. غير أنه عندما تخرج في 2011 وجد أن السياح قد اختفوا.

يقول محمد: “بحلول الثورة كان الجميع قد فر خوفًا، ولكنها عندما انتهت لم يعد أحد. جميع السياح مازالوا خائفين فيما عدا الصينيين. الأخبار الصينية لا تقول أي شيء عن مصر، بينما يظن الأوروبيون وسكان أمريكا الشمالية أن مصر دولة خطيرة على عكس الصينيين، فكل ما يعرفونه عن مصر هو الأهرامات والمومياوات”.

قرر محمد العودة إلى الجامعة لدراسة اللغة الصينية، وعندما تخرج مجددًا اكتشف أنه قد اكتسب مهارة محل طلب كبير. “كل مرشد سياحي في مصر تعلم إما الإنجليزية أو الفرنسية أو أي لغة أوروبية أخرى. والآن يقولون (يا إلهي جميع الزوار الآن أصبحوا من الصين. لم يتعلم عدد كافٍ منهم الصينية”، يضيف محمد.  

هناك أسباب لذلك بالطبع، فاللغة الصينية لغة صعبة التعلم. فمن بين 20 دارس مسجلين في الدورة التدريبية التي يشارك فيها محمد كان هو واحدا من بين أربعة فقط أتموا الدورة حتى التخرج.

أمام أولئك الذين تخرجوا من الدورة فرصة جيدة الآن للحصول على مكافأة لجدهم، ليس فقط بسبب أعداد السياح الصينيين القادمين لمصر، وإنما أيضا بسبب نوعية الرحلات التي يذهبون إليها. فالسياح الصينيون أكثر استعدادا من نظرائهم الأوروبيين لإنفاق المال على زيارة المواقع الثقافية المصرية.

يقول كيستر من منظمة السياحة العالمية: “سياحة الشواطئ ليست لها شعبية كبيرة في الصين، لذلك لا يسافر السياح الصينيون كثيرا إلى منتجعات البحر الأحمر. إن قرروا أنهم يرغبون في الذهاب إلى الشواطيء فإن لديهم العديد منها بالقرب من بلدهم”.

في المقابل يميل الزوار الصينيون لقضاء المزيد من الوقت في زيارة معالم أثرية مثل الأهرامات ووادي الملوك.

يشرح لونج ين السبب: “الناس مهتمة بالاطلاع على الثقافات القديمة. فالصينون مهتمون بمصر أساسا من أجل الأهرامات والآثار، لأنها مزارات لن تجدها في أي مكان آخر”.

وبينما تفادى الكثير من الأوروبيين وسكان شمال أمريكا زيارة مصر بسبب المخاوف الأمنية، فإن ين يقول إن الصينيين “شاهدوا الثورة على التلفزيون، لكنني أرى الأمور أكثر أمانا اليوم. لم نعد نسمع عن مصر في الأخبار ولذلك فإن أغلب الناس لا يرون مشكلة في السفر إلى هنا الآن”.

يثير هذا حماسة المرشدين السياحيين المحليين بالطبع. فأغلب السياح الأوروبين والأمريكيين والعرب أصبحوا يبتعدون عن المزارات المصرية التقليدية، مفضلين الذهاب إلى البحر الأحمر.

يقول هاني: “عندما يأتي الأوربيون إلى مصر يشعرون بالسعادة لمجرد الجلوس في فندق في شرم الشيخ، ولكن الصينيين يزورون كل الأماكن. إنهم يذهبون إلى جميع المزارات ويشاهدون كل المواقع، وينفقون الأموال في أي مكان يذهبون إليه.”

 

اعلان
 
 
إدموند باور