Define your generation here. Generation What

دولار يطير: إلى 10 جنيه وما بعدها

كان ميسرة على الأرجح أكثر شخص يصيبه الملل في المكان. كل من في المكان باستثنائه يحدقون بشغف وفضول طوال أربع ساعات في شاشات الكمبيوتر التي تنقل التغيرات اللحظية في أسعار الأسهم. كلنا مضاربون ومحللو أسهم، وهو عامل بوفيه منشغل برغباتنا المتقطعة والمتباعدة في شرب القهوة أو الشاي ونحن منشغلون بشكل متواصل بأرقام لا تكف عن التغير. وهروبا من الملل قرر ميسرة أن يدخل فقاعة الأرقام معنا. لم يجد بابا أسهل من التنبؤ لدخول هذه الفقاعة وقرر أن يشارك الجميع تنبؤاته بأسعار الأسهم. كان موضوع تنبؤ ميسرة ذكيا لسهولته فكان يشبه رهانات الخيول لا ألعاب الورق. لم يكن ينبئ باتجاه الأسعار ولا إلى أين ستصل في رحلات صعودها وهبوطها. كان يتنبأ بـ”أحسن سهم في السوق”.  في البداية اهتم أغلب رواد المكان بتنبؤات ميسرة بأفق طبقي، عامل بوفيه يحلل ويتنبأ بأسعار الأسهم، لم يأخذ ميسرة من وقتنا طويلا ليجعل تنبؤاته اليومية موضوع اهتمام جدي. كان يهتم بالطريقة التي يقول بها تنبؤه وليس محتوى التنبؤ.

ذات مرة كان يسألني قبل أن يدلي بتنبؤاته “إيه أحسن سهم في السوق؟” كان تنبؤي وقتها أن السوق عموما ستهبط ولا توجد أسهم مرشحة للصعود فقلت له “أحسن سهم في السوق فلوسك”- كإشارة لأني لا أحبذ الشراء أو مبادلة النقود بالأسهم- أعجب ميسرة بالصيغة غير المباشرة للتنبؤ وبدأ من وقتها يدلي بتنبؤاته المالية بلسان حكيم إغريقي.

قابلت ميسرة منذ شهرين في هذه الشركة التي تركت العمل بها منذ سنوات. سألني سؤاله المعتاد “أحسن سهم في السوق إيه؟” فأجبته: الدولار. سألني تقصد الأسهم الدولارية؟ لا..الدولار. بيع أي سهم. البورصة كلها هتنزل، واشتري أي دولار يقابلك. سألني “هيوصل لكام؟” 10 جنيه ويمكن 12. امتى؟ على أول السنة.

تجمعني بالتنبؤ علاقة حب/احتقار قديمة. فقد أفنيت أول خمس سنوات من عشريناتي كمتنبئ بأسعار الأسهم. ولازلت حتي الآن أمارس التنبؤ كلعبة. ومع ذلك لطالما رأيت التنبؤ فعلا أحمق.  فهو قائم على تجاهل ما لا تراه من الصورة الحالية وكذلك قائم- بشكل أكبر- على تجاهل الاحتمالات الكثيرة التي يمكن أن تحدث بين اللحظة التي أدليت فيها بنبوءتك وبين اللحظة التي حددتها لوقوع نبوءتك.  فما بين اللحظتين من المحتمل بقوة أن يقع عدد غير متوقع من الأحداث غير المتوقعة والتي يمكن لواحد منها فقط أن يغير الصورة كثيرا. تخيل كمية الأحداث التي يمكن أن تقع بين هذه  اللحظة وبداية السنة التي حددت فيها أن سعر الدولار سيكون عشرة جنيهات. أو تخيل أحد المتنبئين باستقرار سعر الجنيه/الدولار والذي كان يبني نبوءته على أن إيرادات الدولة من الدولار مرشحة للزيادة نتيجة أن إيرادات السياحة مستقرة وفي اتجاهها للزيادة. كان هذا التنبؤ قبل وقوع حادثة السياح المكسيكيين بثلاثة ايام.

ما الذي يمكن أن يفعله المتنبئ تجاه أحداث عشوائية مثل حادثة المكسيكيين، أو تخفيض الصين الأخير لسعر الفائدة الذي كشف وطوّر بشكل غير متوقع مدى التخوف العالمي من الكساد والذي يمكن أن ينعكس علي إيرادات قناة السويس الدولارية، أو غيرها من الأحداث التي لا يمكن أن يرصدها عقل قبل حدوثها. التنبؤ فعل جاهل في أغلب الأحيان ولكننا نستخدمه بغزارة سياسيا واقتصاديا باعتباره الوسيلة الأسهل لمواجهة اللا يقين. نحن لا نعرف متى سيخرج المواطنون اعتراضا على سياسات سلطة لطالما استغلتهم، ولا نعرف إلى أين ستتجه الأسعار في رحلات صعودها وهبوطها. لا نعرف- وغالبا لا نستطيع أن نعرف- وفي مواجهة هذا اللا يقين المغلق نتنبأ. نتنبأ حتى ننهي هذه المواجهة المزعجة مع هذه الصورة المعقدة والمتغيرة باستمرار والتي لا نستطيع فك غموضها. ومع ذلك أرى أن هذه العين الطائشة للمتنبئ بمستقبل سعر الجنيه/الدولار- هذه العين القائمة على التجاهل- يمكن أن تنفذ في الحالة الاقتصادية الراهنة أعمق بكثير من عين المحلل الاقتصادي. وحتى أفلت من التعميم السابق أقول إن السطور القادمة هي محاولة للرؤية بعين متنبئ هدفه الأساسي هو الربح من وراء حركات الجنيه/الدولار. هذه العين يمكن أن تلاحظ أوضاعا سياسية واقتصادية بشكل أدق من عين كثير من التحليلات الاقتصادية المتفشية في المنصات الإعلامية مؤخرا بخصوص مستقبل الجنيه/الدولار (غالبا لن أستطيع مع كل تعميم سأقع فيه لاحقا أن أخصص مساحة لأقول إني لا أقصد كل المحللين الاقتصاديين أو كل المتنبئين أو إن هذا الفعل ليس على إطلاقه سيئا أو جيدا فأرجو أن تفعل هذا نيابة عني فيما يلي).

“كنت أشتري مراهنا لا على أصول الشركات ولا قوة أسباب الصعود بل كنت أراهن على السلوك الجمعي للمستثمرين الآخرين. ولم يكن هذا موقفي وحدي، حيث كانت تسهل ملاحظة كثير من المستثمرين المخضرمين في السوق يشترون فقط تحسبا للصعود القادم متجاهلين أن الأسعار تخطت قوة الأسباب الأساسية.” هذا اقتباس من جورج سوروس، أغنى مضاربي العالم والملقب بالرجل الذي حطم بنك إنجلترا المركزي. بهذا الاقتباس الوارد في كتابه “كيمياء المال” وصف سوروس كيف كان يربح أثناء أزمتين حدثتا في البورصة الامريكية في الستينيات والسبعينيات، وينطبق ذلك على أرباحه من مراهناته ضد الجنيه الاسترليني وبعض العملات الآسيوية في التسعينيات. سلوك سوروس هذا هو سلوك شائع بين المتنبئين أو المضاربين باختلاف درجة إتقانهم. فقد طوروا طريقة لتجاهل الأسباب عن عمد. فالمضارب أو المتنبئ المحترف هو أقل من يبحث وراء الأسباب لأنه يعرف أن الأسباب الجوهرية أصعب من أن يتم حصرها بدقة، والأهم أنه يعرف أن قوة الحركات السعرية غالبا لا تتناسب مع قوة الأسباب الأساسية.

إن كنت من متابعي التحليلات والتغطيات الإعلامية لحركات سعر صرف الجنيه/الدولار- ولا أقترح عليك أن تكثر من ذلك- فنك غالبا سمعت أن انهيار سعر صرف الجنيه/الدولار مرتبط بانخفاض الاحتياطي النقدي الأجنبي. ولو تعمقت أكثر في متابعة تلك التحليلات- ولا أقترح عليك ذلك أيضا- ستسمع تحليلات تربط هذا الانخفاض في الاحتياطي بانخفاض إيرادات السياحة أو الصادرات أو إيرادات القناة أو تحويلات العاملين بالخارج او انخفاض المساعدات الأجنبية، وبالتالي فإن أي تغير في قيمة هذه البنود يمكن أن يكون سببا لارتفاع أو انخفاض سعر الدولار، ويمكن أن تضيف لهذه الأسباب أيضا تطبيق سياسات الصندوق والبنك الدوليين، ولك أن تتخيل كمية الأحداث التي يمكن أن تؤثر على هذه البنود فيتأثر بالتالي سعر الصرف. الآن لديك مجموعة لا بأس بها من الأسباب ومجموعة لا بأس بها أيضا من الأحداث التي تؤثر على هذه الأسباب. فلو كنت- أنت- محللا اقتصاديا بصدد تحليل ارتفاع سعر الدولار فكل ما عليك فعله هو أن تختار سببا أو حدثا يبدو جوهريا وفاعلا في هذا الوقت- وما أكثرهم- وتفسر به حركات الأسعار الحالية أيا كانت قوة هذه الحركة وأيا كان ضعف السبب. يكفيك أن يكون هناك سبب وأن تكون هناك حركة.

في كل حديث اقتصادي مشرق للسلطة المصرية (مشرق هو النوع الاخر من أحاديث السلطة التي لا يكون هدفها التملص من الحقوق الاجتماعية للمواطنين فلا تستعين بتكرار أن الوضع الاقتصادي كارثي) ستسمع كثيرا عن شئ اسمه تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وهو رقم في نمو دائم ويبلغ في متوسطه 18 مليار دولار سنويا، أي اكبر من إيرادات السياحة وقناة السويس والاستثمارات الاجنبية المباشرة مجتمعين. وغالبا فإن الحديث عن هذا الرقم يستدعي جملا مليئة بالحس الوطني الملتهب، مثل أبناء مصر الأوفياء بالخارج الذين يدعمون الاقتصاد المصري حتى ينهض من جديد. ولكن هل يدعم أبناء مصر بالخارج خزينة الدولة المصرية بـ18 مليار دولار سنويا؟ وفقا لمحافظ البنك المركزي الحالي فإن 10% فقط من هذه التحويلات تبقى في البنوك، أي أقل من 2 مليار دولار. والـ16 مليار دولار الباقية يرفض أصحابها استبدالها بالجنيه أو وضعها كإيداعات في الجهاز المصرفي. 16 مليار دولار، أي ما يزيد عن ثلاثة أضعاف القرض الذي “تحفى” السلطة المصرية للحصول عليه من صندوق النقد. 16 مليار دولار تدخل مصر ولا تستطيع الدولة ولا جهازها المصرفي أن تقنع أصحابها بتحويلها من دولار لجنيه لتحل مشكلتها مع الدولار.

منطق أنك لو أردت أن تقنع شخصا بالتخلي عن سلعة يملكها فأعطه سعرا مناسبا للتخلي عنها وإن لم يقتنع أعطه سعرا أعلى وواصل في رفع السعر حتى يتخلي عنها، هذا المنطق الذي هو افتراض أساسي في النظرية الاقتصادية التقليدية لم ينفع الدولة المصرية كثيرا في مساوماتها الدائمة مع المصريين العاملين بالخارج للتخلي عن الدولار. بل كان هذا الفرض يبدو معكوسا في سوق الصرف المصرية . فالـ10% التي يتحدث عنها هشام رامز محافظ البنك المركزي هذه الأيام كنسبة التنازل عن الدولار للبنوك المصرية من التحويلات هي نسبة متغيرة طوال الوقت. وفقا لهشام عكاشة رئيس مجلس إدارة البنك الاهلي  كانت نسبة تخلي العاملين بالخارج عن دولاراتهم للقطاع المصرفي ككل 75% من 2003 الى 2010. طوال هذه السنوات كان سعر الدولار ثابتا تقريبا أو يتراوح بين 5.70 و 6.20  جنيه، وبرغم ذلك- أو ولذلك- فإن المصريين العاملين بالخارج كانوا يستبدلون 75% مما بحوزتهم من دولارات. ومع كل قفزة في سعر الدولار كانت نسبة تخليهم عن الدولار تقل حتى وصلت هذه النسبة الي 5% في الفترة الاخيرة. هؤلاء الأشخاص الذين يوافقون علي بيع سلعتهم بستة جنيهات ولا يوافقون علي بيع نفس السلعة بثماني جنيهات سيظلون يفعلون ذلك الفعل الذي يبدو غريبا طالما توفرت ظروف معينة، وهي متوفرة في سوق الصرف المصرية.

في الأسواق المالية- أو أي سوق تشترى فيها السلع بهدف إعادة بيعها كالعقارات- ليس مهما “هتشتري بكام؟”. الأهم هو “هتبيع بكام؟”. هذا المبدأ يجعل الطلب والعرض في الأسواق المالية مختلفا كثيرا عن الأسواق الاعتيادية. فسهم سعره عشرة جنيهات ومتوقع أن يصل الى خمسة عشر جنيه سيكون الطلب عليه أكبر من نفس السهم عندما كان  بخمسة جنيهات ومتوقع أن يصل الى ستة. والذي يجعل الأشخاص في هذه السوق يتوقعون زيادات أو انخفاضات  في الأسعار المستقبلية هو-  بشكل أساسي- الحركات السعرية الحالية والسابقة. بمعنى أنه عندما يكون سعر الدولار ثابتا نسبيا عند ستة جنيهات (كما كان حاله من 2000 إلى 2010) تكون توقعات عارضيه وطالبيه عن حركته المستقبلية هي الثبات، وهو ما يفسر لماذا كان المصريون في الخارج يستبدلون 75% من دولاراتهم في البنوك الرسمية أو عدم وجود سوق سوداء نشطة في هذا الوقت. أما عندما يقفز الدولار من ستة إلى سبعة جنيهات يتوقع عارضوه (المصريون العاملون بالخارج بشكل أساسي) مزيدا من الصعود فيقل عرضهم له (يصعب إيجاد مصري بالخارج أو أي شخص أيا كانت درجة الالتهاب في حسه الوطني يقبل بيع شئ يملكه بسبعة جنيهات وهو يتوقع أن يصل سعره إلى ثمانية جنيهات الشهر القادم) ولنفس الأسباب يزداد الطلب عليه. وعندما يزداد طلب سلعة ويقل عرضها يرتفع سعرها مرة أخرى فتزداد التوقعات بمزيد من الارتفاعات المستقبلية فيقل العرض ويزداد الطلب فيرتفع السعر فتزداد التوقعات فيقل العرض ويزداد الطلب فتستمر هذه الدائرة في خلق زيادات سعرية متتالية.

هذه الظاهرة التي يشير اليها بعض الاقتصاديين باسم “التغذية الذاتية للتوقعات” تعني أن الحركات السعرية قادرة على تغذية نفسها بنفسها بدون الحاجة لتطور في الأسباب الخارجية. فالحركات السعرية تغذي التوقعات والتوقعات تغذي الحركات السعرية، صانعين دائرة مغلقة أو فقاعة يمكن للأسعار فيها أن تتجاوز قوة الأسباب التي أنتجتها. ويرجع كثير من المنظرين الماليين امثال شيلر و أكيرلوف الأزمة المالية في 2008 وكثيرا من الفقاعات المالية لوجود مثل هذه الظاهرة في الأسواق. هذه الظاهرة تتكرر وستتكرر في سوق الصرف المصرية- وأغلب الأسواق المالية- فمع كل حركة سعرية عنيفة للدولار ستجد انخفاضا في عرض أو تنازلات المصريين بالخارج عن الدولار وزيادة في الطلب عليه. اختر أي قفزة من قفزات الدولار في أي وقت في السوق المصرية وتابع كيف يقل عرض المصريين بالخارج للدولار، أي يزداد تمسكهم به، مثل قفزته في منتصف الثمانينات من 137 قرش إلى 225 قرش وما يقابلها من انخفاض في إجمالي تحويلات العاملين بالخارج عام 1987.

السلطة المصرية الحالية تطبق معكوس المثل الشعبي “تعبان نايم متدوسش على ديله”. فهي لأسباب تتعلق بفشلها في إدارة الاقتصاد العيني تحتاج في كثير من الأحيان إلى الدولار، وكلما احتاجت إلى الدولار تدوس على “ديل” المضاربين، بمعنى أنها تسمح لسعره بالتحرك فيتحول المصريون بالخارج، الذين هم مصدرها الأساسي للدولار، بشكل غريزي إلى التمسك به أكثر، فيزداد الدولار ندرة في السوق، فتحتاج السلطة له أكثر، فتسمح لسعره بالتحرك أكثر، فيتمسك المصريون بالخارج به أكثر. إن أي سرد مختصر لحماقات الإدارة الاقتصادية المصرية تجاه سعر العملة يحتاج لمساحة أكبر من هذا المقال الذي بات طويلا كفاية. ولكن تخيل أن من الإجراءات الرئيسية التي يعتمد عليها البنك المركزي لمواجة انهيار العملة هو تمرير إشاعة، نعم إشاعة أطلقها في نهاية فبراير الماضي أنه سيتم حظر التعامل بورقة الـ100 دولار. تصور المركزي أن هذه الإشاعة ستقلل من تمسك الناس بالدولار وسيهرعون لتغيير ورقاتهم فئة 100 سريعا قبل إلغائها. تشبه هذه الإشاعة كثيرا الإشاعة الرسمية  للسلطة التي تظهر مع كل انتخابات “اللي ميرحش ينتخب هيدفع 500 جنيه غرامة”. ولما كان ملاك الدولار أقل حماقة من الانتباه لهذه الإشاعة اخترع البنك المركزي شيئا اقل بؤسا اسمه بطاقة التحويلات، ثم اخترع وضع حد أقصى لإيداعات الدولار الجارية، وكلها وسائل تحاول بشكل غير مباشر أن تخفف من تمسك الأفراد بالدولار أو تخفف من الطلب عليه. وبالطبع كلما سمح المركزي بتحرك أسعار الدولار أو حتى أعلن عن نيته لتحريك الأسعار قل عرضه جدا وزاد طلبه وابتلعت حمى “التغذية الذاتية للتوقعات” التي حفزها المركزي بنفسه كل إجراءاته “العبيطة” ضد السوق الموازية.

الطرح السابق لا يهدف لاستبدال الأسباب التقليدية المتعلقة بالاقتصاد العيني مثل انخفاض إيرادات السياحة أو الصادرات أو غيرها، والتي يمكن أن تؤثر على سعر الصرف. لا أقصد استبدالها بسبب جديد اسمه “التغذية الذاتية للتوقعات”، فالطرح السابق مجرد محاولة  لإظهار أن الأسباب الأساسية (المتعلقة بالاقتصاد العيني) عاجزة عن تقديم صورة لما يحدث الآن أو ما الذي يمكن أن يحدث غدا. فالأسواق  المالية وبسبب آلية التغذية الذاتية للتوقعات وغيرها من الظواهر المشابهة تجعل هذه الأسواق على حد تعبير كينز وكثير من المنظرين الماليين مسكونة بأرواح الحيوانات، فهي أعنف وأقل منطقية من تصوراتنا عنها. وما يحدث في الاقتصاد العيني يمكن أن يكون مجرد إشارة البدء للحركات السعرية، غير أن الأسباب التقليدية لا تستطيع تفسير كل حركة وأي حركة أو التنبؤ بها. هذا الطرح يمكن أن يفسر باعتباره دعوة لتجاهل المحللين والخبراء الاقتصاديين أو بتسمية أدق المسببين الاقتصاديين. وهو أمر أفضل فعله.

ولكن  الهدف الأكثر جوهرية من هذا الطرح هو بيان أن وضع العملة المصرية أكثر سوءا مما يوحي به الوضع الاقتصادي السيئ أو الأسباب الأساسية للتدهور. وهو ما دفعني لاختيار عشرة جنيهات أو اثني عشر جنيه كقيمة مستقبلية قريبة للدولار عندما مارست حماقة التنبؤ. ففي ظل وضع اقتصادي كالحالي، وفي ظل طبيعة سوق العملة في مصر التي تضخم سوء الأسباب الأساسية، وفي ظل سلطة لا تملك أي وسيلة لإيقاف حمى المضاربات على العملة بل تحفزها بقراراتها غير المدروسة بتحريك الاسعار، في ظل هذا الوضع على الأرجح  لن تجد الأسعار ما يمنعها من الصعود. وعندما أقول إنها يمكن أن تتوقف عند عشرة جنيهات فإن ذلك ليس لأن الاقتصاد سيتحسن ولكن لأن عشرة جنيهات رقم مغلق والمضاربون عادة يهابون الأرقام المغلقة أو اثنى عشر لأنه ضعف الستة جنيهات التي بدأ الدولار رحلة صعوده الحالي منها منذ حكم محمد مرسي. هذه الأرقام- ولوقعها النفسي فقط- يمكن أن يكون لها تأثير على سلوك  المضاربين أكثر من كل الإجراءات “العبيطة” التي تتخذها السلطة ضد السوق الموازية وأكثر من التحسن الاقتصادي غير المنتظر قريبا. أعلم أنه يبدوعبثيا أن يكون مصير عملة 90 مليون شخص متعلق بالوقع النفسي للأرقام على المضاربين. ولكن هذا التصور العبثي- الذي لا أستبعد تحققه- يعكس صورة أكثر دقة، في نظري، عن وضع العملة المصرية والسياسات الاقتصادية للسلطة لمواجهة هذا الوضع.

 

اعلان