Define your generation here. Generation What
مصر في بينالي فينيسيا المعماري لعام 2016: رسالة إلى وزارة الثقافة
 
 

بدأت الدول في جميع أنحاء العالم تنسيق اشتراكاتها في بينالي فينيسيا المعماري لعام 2016 والمخطط افتتاحه في شهر مايو المقبل.

لكن وزارة الثقافة المصرية لم تفصح بعد عن خطتها لكيفية تحديد مشاركتنا في هذه الفعالية ذات الشهرة الدولية. ونظرًا إلى المركزية الشديدة في طريقة عمل الوزارة، أدت استقالة مجلس الوزراء إلى تقليص احتمالات إجراء عملية اختيار شفافة قبل فوات الأوان.

يعد بينالي فينيسيا المعماري الذي يزوره نحو 250 ألف زائر على مدار ستة أشهر أهم فعالية من نوعها في عالم الهندسة المعمارية. وعلى الرغم من المشاكل المتأصلة في صيغة المعارض الدولية التي يقوم تنظيمها على الأجنحة المحلية—وهي صيغة تعود إلى القرن التاسع عشر—إلا أن هذا البينالي ملتقى جاد وطالما كان لمصر فيه جناح دائم في موقع متميز منذ عام 1952. ولذا ينبغي لمصر استغلال هذه المساحة على نحو مثمر.

تشارك مصر في البينالي المعماري منذ عام 1996، وقبل العمل بنظام المسابقة لتحديد المشاركين عام 2014 كان الاختيار يتم بالأمر المباشر من مكتب وزير الثقافة. ولقد انعكس انعدام الشفافية هذا على النتائج.

كانت هناك عروض لافتة للنظر، مثل عرض عام 2008 بقيادة المهندس طارق والي، والذي ركز على الهندسة الرياضية مع تقديم مواد بناء قصيرة الأجل.

لكن معظم العروض في جناح مصر جاء دون إشراف تنسيقي أو تصور لائق، كما غابت المهنية عن طريقة تجهيزها وافتقرت إلى الحيوية. فقد استعاضت وزراة الثقافة عن المنسق الفني “بمندوبين” لتمثيلها، ودعت معماريين غالبًا ما يستغلون هذه العروض لتقديم تجهيزات غير مدروسة جيدًا، بدلًا من تقديم عروض معمارية على أساس بحثي. وكانت النتيجة تراجع المعارض المعمارية المصرية في فينيسيا في مقارنة فجة مع العروض المحلية المجاروة التثقيفية والحيوية واللافتة للنظر.

تضمنت العروض المخيبة للآمال عرض عام 2010 بقيادة أحمد ميتو، الذي ضحى بالمحتوى والاشتباك الحيوي في سبيل تجهيز نحتي استعراضي صاحبه نص مختزل يزخر بالبديهيات. وفي عام 2012 قاد جمال عامر، أحد تلاميذ حسن فتحي السابقين، معرضًا تناول موضوع ذلك العام وهو “أرض مشتركة” من خلال بناء أقواس رديئة الصنع من الطوب في الجناح، بالإضافة إلى نص يستدعي التراث بأسلوب ساذج ويميل إلى الرومانسية.

أما عرض عام 2014 بقيادة أحمد عبد العزيز، وكان هذا أول عرض تحدده نتيجة المسابقة، فقد أخفق في تناوله المعيار الذي وضعه المنسق الفني للأجنحة المحلية ريم كولهاس، وهو استعراض تاريخ قرن من الحداثة المعمارية. ويبدو أن إقامة مسابقة لاختيار المشاركين لا تقدم حلًا وافيًا لمواجهة العيوب السابقة؛ فقد أقيمت المسابقة في وقت متأخر للغاية ولم يكن لدى الفائزين وقت كافٍ لتجهيز عروضهم، كما كانت ميزانية ذلك محدودة. ولقد ضيعت هذه النتيجة الضعيفة الفرصة على مصر لتطوير البحث القائم على تاريخ البلد الحداثي الثري.

DSC_9347.jpg

9347: Peru’s exhibition, In/formal: Urban Encounters for the Next 100, curated by Sharif s. Kahatt, investigated the relationship between formal and informal architectures that characterized the modernization process of Peru since 1946.

[معرض بيرو لعام 2014، (غير) رسمي: لقاءات عمرانية لمئة عام قادمة، نسقه شريف سمير قحاط، واستعرض العلاقة بين المعمار الرسمي وغير الرسمي أثناء عملية تحديث بيرو منذ عام 1946.]

DSC_6853_2.jpg

The 2014 Dominican Republic display by Laboratorio de Arquitectura Dominicana, on the 1955 World Fair set up by dictator Rafael Leonidas Trujilo. Archives and research questioned the role of architecture, particularly modernism, in serving political power

[عرض جمهورية الدومينيكان لعام 2014، قدمه مختبر الدومينيكان الهندسي (Laboratorio de Arquitectura Dominicana)، عن “معرض السلام والإخاء للعالم الحر” الذي نظمه الدكتاتور رافايل ليونيداس تروخيلو عام 1955، حيث طرحت الوثائق الأرشيفية والأبحاث تساؤلات حول دور الهندسة المعمارية، وعلى الأخص الحداثة، في خدمة السلطة السياسية.]

 

 

وهكذا نجد أنه بالنظر إلى سجل العروض المصرية السابقة في البينالي المعماري، إلى جانب عدم إعلان أي شيء حتى وقتنا الحالي، من المتوقع أن يفشل عرض العام المقبل في تناول المواضيع والنقاشات الهامة المطروحة بشكل مثمر. وهذا أمر يبعث على الخزي.

فإن رئيس البينالي المهندس أليخاندرو آرافينا يسعى إلى إقامة معرض “يركز على  أشكال المعمار التي تستطيع الهروب من الوضع الراهن بذكاء أو حدس غريزي، أو من خلال الاثنين في الوقت ذاته، والتعلم من هذه الأشكال.” والمطلوب من الأجنحة المحلية “تقديم حالات تطرح اقتراحات ومحاولات رغم الصعوبات بدلًا من الاستسلام للهزيمة أو المرارة.” كما يود آرافينا “التأكيد على الحاجة إلى التحرك في ظل الجدل الدائم حول جودة البيئة الحضرية، وكذلك وجود مجال لهذا التحرك.”

يهتم بينالي عام 2016 بتقديم ممارسين يقدمون خطط وحلول من أسفل المنظومة إلى أعلاها، بدلًا من محاولة فرض رؤى ساذجة من أعلى إلى أسفل. وستكون أعمال المشاركين الذين يقدمون أعمال تدخلية صغيرة وفعالة محور الاهتمام، وليس هؤلاء الذين يستعرضون مشاريع عملاقة مصيرها الفشل.

وفي إطار هذا الموضوع قد يتسنى لمصر تقديم معرض ناجح، نظرًا لثراء مجال العمل الذي يتم هنا في ظل ظروف صعبة على أيدي مجموعة من المهندسين والعمرانيين الذين يسعون إلى تحسين معيشة مجتمعاتهم والبيئة الحضرية.

ولقد كان الوضع الراهن المعاصر في مصر موضوع بحث العديد من الأبحاث ومشاريع التوثيق والمؤتمرات والمنشورات. ونظرًا لما يتسم به من انعدام مساواة بالغ أثار هذا الوضع استجابة من مبادرات شعبية وباحثين مستقلين وممارسين بمجالي الهندسة المعمارية والتخطيط ممن يسعون إلى وضع خبراتهم رهن خدمة الفئات المعدمة والمهمشة بدلًا من خدمة أصحاب النفوذ.

لقد أفسح العديد من الأفراد والمبادرات والجماعات المجال للتحرك وبذلوا جهودًا ذات شأن في تناول واقع مصر العمراني المعقد على نحو مثمر، بدلًا من الاستسلام للهزيمة أو المرارة.

فلننظر إلى عمل مجموعة “مَدْ” في مثلث ماسبيرو، أو جهود أمنية خليل في رملة بولاق، أو العمران موقف، أو مجهودات مشروع “الأثر لنا” في منطقة الخليفة بالقاهرة القديمة. فلننظر إلى دراسات يحيى شوكت في “وزارة الإسكان الظل” وما تقدمه من تقارير وفيديوهات توثيقية عن التحديات العمرانية. فلننظر إلى عمل “تكوين” لتنمية المجتمعات المتكاملة وإلى مبادرة التضامن العمراني “تضامن.” فلننظر إلى مبادرات “مختبر عمران القاهرة للتصميم والدراسات” العديدة لتخطيط وتوثيق وتقصي العشوائية والسيولة العمرانية.

كل هذه المبادرات وغيرها الكثير ممارسات ينبغي لها أن تحتل المنصة الرئيسية في جناح مصر في بينالي فينيسيا المعماري لعام 2016. وما يزال أمامنا وقت لإشراكها.

اعلان
 
 
محمد الشاهد