Define your generation here. Generation What
ثمن الحرب في سيناء
 
 
أرشيفية
 

أعلن المتحدث العسكري للقوات المسلحة أمس، الإثنين، نتائج اليوم الخامس عشر لعملية حق الشهداء على صفحته الرسمية في موقع فيسبوك: قتل 10 إرهابيين والقبض على 17 شخصًا من المشتبه فيهم وتدمير 25 مخبأ و28 عشة ووكر و7 عربات و14 دراجة نارية.

 

انطلقت الحملة في بداية شهر سبتمبر ونجحت- بفضل ضغط المتحدث العسكري وإدارة الشؤون المعنوية- في جذب اهتمام إعلامي أكبر مما تحصل عليه أخبار اضطرابات شمال سيناء عادة.

صوّر الجيش العملية الجديدة على أنها معركة أخيرة حاسمة في الحرب التي بدأتها الدولة ضد الإرهاب قبل عامين. ينشر المتحدث العسكري حصاد العملية يوميًا على صفحة فيسبوك الرسمية، ليعلن موت العشرات والقبض على عشرات آخرين كل يوم.

وتؤكد التقارير الإعلامية المصاحبة لهذه المنشورات على نجاح العملية الساحق وعلى أنها سوف تقضي تمامًا على الإرهاب بحلول 6 أكتوبر، ليتزامن ذلك على نحو رمزي مع ذكرى نصر أكتوبر العسكري.

لكن بالنسبة لسكان شمال سيناء مثلت بداية هذه العمليات إشارة البدء لمزيد من المعاناة.

يرى عصام، أحد القيادات المحلية في مدينة الشيخ زويد، أن الأيام التي عاشوها منذ انطلاق العملية كانت من أقسى ما مر بالمدينة على الإطلاق. ساد الخوف من القصف العشوائي بشكل مستمر، وانقطعت الكهرباء لمدة ستة أيام، كما انقطعت المياه في أول يوم للعملية.

ظهر المزيد من القوات الخاصة بالمدينة كما يقول عصام، وقد بدأوا إجراء تفتيشات مكثفة للبيوت أثناء النهار. أما ليلًا فلا يتوقف القصف وهجمات الصواريخ التي تصيب منازل المدنيين أكثر من مخابئ الإرهابيين- حسب رواية أربعة من السكان. يقول عصام إن منطقة الزهور حيث تقع نقطة عسكرية مركزية تم إخلاؤها، وصارت القوات العسكرية تحتل الأملاك المدنية.

تقع مدينة الشيخ زويد على بعد 10 كيلومترات من حدود سيناء، في قلب الحرب التي يشنها الجيش على بعض أهم معاقل الجهاديين في شبه الجزيرة.

كانت المدينة قد شهدت موجة سابقة من العمليات العسكرية المكثفة في الأول من يوليو، يومها دارت المعركة أمام عيون المدنيين مباشرة.

يصف السكان هجمات الأول من يوليو بعبارات مثل “الأربعاء الأسود” و”يوم الحرب”، وقد مات من جرائها 100 شخص على الأقل. وجاءت هذه الهجمة ردًا على هجمات متزامنة من جماعة ولاية سيناء الجهادية على النقاط العسكرية.

يقول عدد من السكان إنهم قضوا هذا اليوم يحاولون الهرب من الهجمات الجوية والألغام والصواريخ، ورغم المعاناة المستمرة التي ابتليت بها المنطقة على مدار عامين إلا أنهم يرون أن هذه المرة كانت الأكثر هولًا.

يذكر عصام أنه قد رأى الجهاديين يقطعون معظم الطرق باستخدام الألغام. توجه إليهم بعض السكان طالبين إزالة الألغام من أمام أملاكهم، لكنهم لم يلقوا أية استجابة. ويقول إن الجيش أيضًا لم يستجب إلى طلبات المدنيين.

بعض السكان مثل أحمد- شاب في العشرينات من عمره- يقولون إنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى منازلهم سوى في اليوم التالي بعدها رفض الجيش، حسب قولهم، إرشادهم إلى طريق آمن ليعودوا إلى منازلهم أثناء المواجهات.

ويضيف أحمد قائلًا إن تفوق الجهاديين في بداية ذلك اليوم يعود بشكل رئيسي إلى ما يصفه السكان بـ”المسلحين الأشباح” أو “الإنغماسيين” كما يطلق عليهم الجهاديون. ويوضح أحمد أن هؤلاء انتحاريون قد تلقوا تدريبات عالية المستوى على تكتيكات حروب الشوارع والهجمات المنفردة باستخدام الأسلحة الثقيلة لتشتيت الجيش أثناء المواجهات.

ويروي لنا أحمد عن أشرس الهجمات التي حدثت في محيط نقطة شرطة الشيخ زويد، حيث حاصر الجهاديون النقطة لساعات قبل بدء الهجوم بطائرات F16. كانت هذه أول مرة يتوغل فيها الهجوم في قلب المدينة على هذا النحو. وبحلول العصر شوهد المجاهدون في الشوارع يحتفلون بسيطرتهم على المدينة وهم يطلقون أسلحتهم النارية. لكن ضربة الجيش الجوية بدأت لتقلب الموازين حسب رواية السكان الذين رأوا الجهاديين ينزعون الألغام ويفرون من المدينة بعد موجة من الهجمات الجوية المكثفة.

في الأيام التالية أعلن الجيش عن عدة عمليات تستهدف معاقل الجهاديين بالمدينة، وكانت عملية حق الشهيد أبرزها من ناحية التغطية الإعلامية على الأقل.

وكان حصاد العملية حسب آخر رقم أعلنه الجيش، اليوم، قد ارتفع ليصل إلى 526 قتيلًا وإلقاء القبض على 617 شخصًا.

وتفيد التقارير الإعلامية وتصريحات الخبراء العسكريين بنجاح العمليات بشكل يومي، مؤكدة على أنها قد أصابت الجماعات الجهادية بحالة من التخبط جعلتها عاجزة عن المواجهة، وأن العملية تمهد الطريق لتنمية شبه جزيرة سيناء.

لكن عصام تساوره شكوك بشأن ذلك. “هم يفجروننا هنا في المدينة لأنهم غير قادرين على الاقتراب من أماكن الإرهابيين التي نعلمها جميعًا، في قلب الصحراء”.

بالنسبة للسكان فقد سادت الاضطرابات المنطقة التي يعيشون فيها.

يقول عصام إن السكان كثيرًا ما يذهبون إلى نقاط التفتيش العسكرية ليطلبوا من أفراد القوات المسلحة وقف إطلاق النار المباشر على مساكنهم، لكن بلا جدوى. ويقول إن الجيش يجبر أصحاب المحلات على إغلاقها بعد الظهر في معظم الأيام وهم يصحيون بهم: “روّحوا بيوتكم يا إرهابيين”.

وبدلًا من طلقات النار التحذيرية المألوفة التي اعتادها السكان على مدار عامين، تصاعد الأمر مؤخرًا ليصبح عليهم أن يستمروا في حياتهم وسط هجمات بالصواريخ.

يوضح أحمد مدى الرعب الناجم عن سماع إطلاق الصواريخ وأزيز مرورها قبل أن تهبط بعد دقيقة على هدف غير متوقع.

ونظرًا إلى قلة حيلتهم يلزم السكان منازلهم ويختبئون إما في الطوابق السفلية أو خلف حوائط سميكة. ويلجأ البعض إلى الاختباء طوال الليل في مزارع بعيدة غير مضاءة، وهم يعلمون أن الصواريخ قد تصيب بيوتهم في أية لحظة.

اختفت قرى كاملة ارتبطت بالجماعات الجهادية من على الخريطة من جراء القصف المكثف الذي تركها مدمرة ومهجورة بالكامل، ومنها “التومة” و”المهدية” و”المقاطعة” و”الجورة” وغيرها.

يقول عصام: “الجيش يعتبر كل من بالمدينة إرهابيًا. الناس تقول لهم [للجيش] ’لا نطلب منكم حماية، نحن نستطيع حماية أنفسنا، لكن لا تضربوا منازلنا‘”.

وعلاوة على معايشة السكان لحالة الحرب اليومية، أدى تراجع الخدمات إلى زيادة الصعوبات في حياتهم اليومية.

كان خط الكهرباء الرئيسي قد تم ضربه خلال هجمات الأول من يوليو تاركًا المدينة في ظلام تام لمدة 13 يومًا، حسب رواية عصام. كما انقطع الماء تمامًا أيضًا ولم يعد إلا بشكل جزئي بعد أسبوعين.

ويضيف عصام قائلًا إن بعض السكان جمعوا أموالًا لشراء مولد كهرباء بثمن باهظ نظرًا لكثرة الطلب. لكنهم لم يتمكنوا من تشغيله بسبب قلة الوقود، وقد منع دخول الوقود إلى المدينة قطعيًا منذ شهر سبتمبر الماضي؛ بحجة أن الإرهابيين يستخدمونه في هجماتهم.

يسأل عصام: “وماذا عن باقي سكان المدينة وعددهم 70 ألفًا؟”.

ويضطر بعض السكان من أجل تشغيل المولدات إلى الذهاب بالسيارة إلى العريش، على بعد 40 كيلومترًا، وتهريب الوقود إلى المدينة في زجاجات سعة كل منها لترًا واحدًا. وهناك آخرون يستخدمون وقود سياراتهم.

فيما تعد آبار المياه المالحة مصدر المياه الرئيسي في الشيخ زويد، إلى جانب وحدة تنقية المياه التي أنشئت قبل عامين لتكون مصدر المدينة الوحيد لمياه الشرب. ويقول عصام إن الوحدة على مدار العام الماضي لم تضخ المياه سوى مرة كل أسبوع أو عشرة أيام ليقوم الناس بتخزينها. ومؤخرًا صارت المياه متاحة مرة كل ثلاثة أسابيع فقط، وأحيانًا مرة واحدة بالشهر. ويقول السكان إن البعض قد لجأ إلى شرب المياه المالحة.

أما الخدمات الطبية في المدينة فشبه معدومة؛ سيارات الإسعاف محظورة، وبالأخص ليلًا، ويقال إنه هناك عجز في عدد العاملين والمعدات بمستشفى الشيخ زويد. أما الأطباء بالعيادات الخاصة فقد هرب معظمهم.

في وقت ولادة إحدى أقارب أحمد بالشيخ زويد رفضت سيارات الإسعاف الحضور. وهكذا اضطرت العائلة إلى الانتظار حتى الفجر، بعد انتهاء حظر التجوال، لأخذها إلى عيادة خاصة على بعد 16 كيلومترًا. مات الطفل بسبب تأخر الرعاية الطبية، وتعرضت الأم إلى مضاعفات جعلت فرص حملها مرة أخرى في المستقبل أكثر صعوبة.

كما أن شبكات الهاتف المحمول قلما تعمل، فلا يصبح هناك سوى الخطوط الأرضية وشبكات الإنترنت غير المستقرة كوسائل الاتصال الوحيدة.

ولقد ضربت موجة العنف هذه اقتصاد المدينة ضربة شديدة، حيث وصل الآن إلى حالة ركود تام تقريبًا. أصبحت السوق شبه مهجورة بعد أن كانت مركزًا حافلًا، في حين تراجعت الزراعة، النشاط الرئيسي بالمدينة، بسبب حظر التجوال الذي دام عامين والهجمات المستمرة.

كل هذت جعل الهرب واحدًا من الخيارات الوحيدة المتاحة.

يرى عصام شاحنات نقل محملة بأشخاص ومقتنياتهم تغادر المدينة كل يوم. وحسب تقديرات بعض السكان يزيد عدد من غادروا المدينة على نصف عدد سكانها، بالرغم من تصريحات الجيش المطمئنة التي يطلقها أحيانًا من خلال مكبرات الصوت التي تجول بالمدينة.

لكن الرحيل ليس أمرًا سهلًا. إذ ارتفع ثمن الرحلة من الشيخ زويد إلى العريش- المدينة الرئيسية في شمال سيناء- من 8 جنيهات إلى 100 جنيهٍ في الأيام التالية لهجمات الأول من يوليو. كما ارتفعت أسعار الإيجارات بالعريش بشكل هائل بسبب نزوح الناس من الشيخ زويد ورفح، حيث أخلى الجيش المنازل ليصنع منطقة عازلة للتصدي إلى تهريب السلاح والمجاهدين من غزة. وبالإضافة إلى ذلك يقول عصام إن من حاولوا مؤخرًا السفر برًا من سكان الشيخ زويد جميعهم تقريبًا تستوقفهم نقاط التفتيش بالقرب من العريش وبئر العبد وتعتقلهم لبضعة أيام.

يجد أحمد والعديد من السكان أنفسهم محصورين بين مطرقة وسندان. “عندما دخل الجيش الشيخ زويد فرحنا، وظننا أنه سوف يحمينا من الإرهابيين. لكننا الآن محصورين بين الاثنين: الإرهابيون يتهموننا بالتعامل مع الجيش، والجيش يقول إننا جميعًا إرهابيون”.

اعلان
 
 
هبة عفيفي