الجنرال والبرلمان: عن نفي السياسة وحضور العسكرة

“اعملوا قايمة موحدة”.. هكذا خاطب السيسي القوى السياسية المرشحة لخوض المعركة البرلمانية القادمة. يريد المشير قائمة موحدة يتم الاتفاق عليها من القوى السياسية المختلفة. التأويل الأول لهذا الأمر يفترض أن ذلك يعني غياب الديموقراطية. لكن الأهم هو أن الجنرال -كرجل عسكري يخوض معركة- لا يريد ولا يقبل بفكرتي الصراع والاختلاف. ثمة خطر على الدولة لا يتحمله واجب الوقت والمرحلة ولا تتحمله الحرب القائمة. ولهذا فهو اقترح على القوى السياسية التي -تعريفًا-  تدير عمليات الصراع والتدافع الاجتماعي حول المصالح المختلفة في المجتمع، وتمثلها، عمل قائمة موحدة. تقوم هذه النظرة على إلغاء ونفي ليس فقط السياسة بل الصراع. فالصراع وفق هذه النظرة هو صراع الدولة مع أعدائها، وما دونه خيانة محققة. لقد أخرج السيسي المكونات الأصيلة المشكلة لدولة يوليو حينما تمد على استقامتها. فخطاب السيسي متماسك وقادر على التمفصل مع المرحلة الراهنة التي تشهد إقبالًا غير مسبوق على الاستبداد والقمع.

فعلى الرغم من هزلية الخطاب في عصر تراجعت فيه الدكتاتوريات العسكرية والدول الشمولية، وبعد ثورة 25 يناير التي نادت بالديموقراطية والتنوع والتعدد؛ فإن عناصر الخطاب ودلالاته تجد أرضية خصبة لها في الواقع المصري وما تمر به البلاد من إرهاب وصعود للاستبداد والعسكرة، وشعور اجتماعي واسع بأن العسكر هم الحل، وأن على المؤسسة العسكرية انتشال البلاد من كبوتها. وعلى الرغم أيضًا من دكتاتورية الخطاب ومكونه الشمولي لم تعن القوى السياسية وما يسمى بـ “النخب المدنية” أنفسهم بمواجهة ومحاولة ردع هذه التصورات. فهذه المقولة -مرة أخرى- تنسف جوهر السياسة الذي من المفترض أن يقوم البرلمان بتجسيدها وتمثيلها في النظم الحديثة. فأصل فكرة البرلمان الحديث هو تحويل الصراع الاجتماعي والسياسي إلى آليات دستورية وسجالات سياسية تهدف إلى نزع العنف من الصراع وتحويله إلى تشريعات تمثل مصالح قطاعات مختلفة من الجموع.

الإشكالية الرئيسية هنا تعود إلى تصور العسكر عن الشعب والجموع؛ فالخيال السياسي للعسكراترية المصرية، يرى الشعب ككتلة صماء مبهمة عليها التوحد والانصهار الدائم من خلال جهاز الدولة الذي يحتكر وحده مسألة التمثيل السياسي للمجتمع ويتجسد من خلال مؤسسة الجيش. ويرتبط مفهوم الصراع بالتفكك وفقدان السيادة في منظومة هذا الخيال العسكري. كما أن العقيدة العسكرية لا تعرف التنوع، هي فقط تعرف وحدة الصف والتنميط والانصياع إلى أوامر القيادة، ولا مجال داخلها للاختلاف؛ حيث إن الاختلاف يعني الانشقاق. ويضاف إلى ذلك، أن النخب السياسية المصرية لا ترى في نفسها هي الأخرى قدرة على حمل السلطة وممارساتها بشكل واسع وعميق، ومن ثم فجل طموحها هو الالتصاق بالدولة ونظامها السياسي كجزء تابع عليه وليس كجزء مكون له. وساعد استقلال وهيمنة الحقل الأمني على الدولة والمجتمع المصري، في خلق أوليجاركية حاكمة (أي قلة حاكمة من الصفوة داخل النظام) هي فقط المعنية بالحكم، ويعد ما يسمى بـ “الشأن العام” هو أمر شديد الخصوصية ولا يناقش إلا في أروقة هذه الأوليجاركية المغلقة. ومع طول أمد دولة يوليو أصبحت النخب السياسية لا تسعى إلا إلى الفتات الذي تلقي به السلطة إليها. هذا بالإضافة إلى عجزها البنيوي المستمر لعقود طويلة عن تمثيل الجموع وقطاعات مختلفة من الشعب المصري، وبالتالي هي لا تستطيع تمثيله ومن ثم إدارة وخوض صراع مع وعن ما تمثل؛ لأنها لا تمثل أحدًا في نهاية الأمر. وهكذا ظلت العملية التمثيلية في دولة يوليو إما حكرًا على البيروقراطية الأمنية أو بعض قيادات الاتحاد الاشتراكي في النسخة الناصرية من دولة يوليو، أو الأوليجاركية الأمنية وبعض النخب المدنية في الحزب الوطني، والتي لحق بهم بعض رجال الأعمال منذ 2000، وشبكات العائلات والمحسوبيات في الدلتا والصعيد. وبالتالي لا مجال للعمل السياسي.

ولا يرى الجنرال داعيًا للسياسة ذاتها. أي لماذا نحتاج السياسة ونحن في معركة، ومعركة شديدة العسكرة من الطرفين، الإرهاب والدولة؟ هذه هي الأسئلة التي يطرحها المشير على الجموع بشكل علني. وبالتالي فجل ما يطلبه من الشعب لا يتعلق إطلاقًا بالصراع وتمثيل مصالحه، هو فقط متعلق إما بـ “الحب” مثل مقولته الشهيرة أنه ينبغي على المصريين أن يحبوا بعضهم أو بالتوحد حتى داخل البرلمان. وأشرت سابقًا في السلسلة نفسها، إلى أن الجيش هو الحزب السياسي للجنرال وحركته الاجتماعية. وبالتالي فالإنجاز والحسم لن يأتي من خارج أسواره بل من داخل المؤسسة العسكرية. وقد أعلن المشير منذ اليوم الأول أن الجيش سيضطلع بالعديد من المهمات التي من شأنها دفع عجلة التنمية والمشروعات الضخمة. وإذا كان الجيش هو المنوط بتحديد بوصلة المجتمع والدولة، فلن يكون هناك داعٍ للصراع السياسي؛ حيث لا محل له من الإعراب في هذه المعادلة. ولو كان السياق يسمح لما تردد المشير في إلغاء البرلمان وفكرة الانتخاب ذاتها. إلا أن الضغوط الدولية ستدفع رغمًا عن الجميع للوصول إلى محطة البرلمان.

 إن الانتخابات البرلمانية ستؤدي إلى تركيب نظام سياسي وتحديد آلياته وتفعيل الدستور. وطبقًا للدستور، فسيكون هناك نظام شبه رئاسي يتنازع فيه رئيس الوزراء السلطة التنفيذية بشكل فيه قدر كبير من الاستقلالية مع الرئيس. وسيعني ذلك أيضًا التنازع على السلطة التشريعية بين السيسي والبرلمان المنتخب. وبعيدًا عن الديموقراطية والسلطوية، فبالنسبة لرجل عسكري يرى نفسه مكلفًا بمهمة مقدسة، سيعني هذا كله مزيدًا من الإجراءات التشاركية بينه وبين تلك المؤسسات، وتنازع السلطات، اللذين سيتطلبان قدرًا كبيرًا من المساومات والمفاوضات، وهو ما سيؤدي إلى تحجيم لحرية حركته كسيد مهيمن على جهاز الدولة، وسيعني عبئًا جديدًا ممثلًا في نظام سياسي عليه أن يتحرك معه وبه. والجنرال يريد كل المساحة والسلطات الممكنة للمناورة والحركة والتشريع. يريد الجنرال سيادة كاملة على القرار غير منقوصة وغير مقسمة. فالرجل منذ تحكمه في مقاليد الحكم حتى أثناء الرئيس الشرفي عدلي منصور، والذي لم يكن أكثر من واجهة يحكم السيسي من خلفها هو ومؤسسة الجيش، أصدر أكثر من 300 قانون، من دون برلمان ودون أي تمثيل للجمهور، وكثير منها يخالف الدستور أيضًا. ولهذا أخذ السيسي كل ما يلزم من وقت لتحجيم قدرة البرلمان عن مراجعة تشريعاته لضخامتها، وحتى لا يقوم البرلمان بإعاقة مشواره في الإمساك بزمام الأمور والسلطة. فطبقًا للقانون لن يتسنى أكثر من أيام عدة لمراجعة تشريعات الرئيس السابقة، وهو أمر مستحيل في ظل 300 قانون وتشريع أخرجها السيسي إلى الوجود السياسي. أضف إلى ذلك أن السيسي أمسك مرة أخرى بإمكانية حل البرلمان من خلال تشريعه الأخير رقم 91 لسنة 2015، والذي ينص على أن لأي مواطن صاحب مصلحة تقديم طعن بعدم دستورية البرلمان، وأعاد للمحكمة الدستورية الحق في الرد في الوقت الذي تراه مناسبًا. والمحكمة الدستورية صاحبة تاريخ حافل في حل البرلمانات المصرية. فالمحكمة الدستورية قضت عام 1987 بحل برلمان 1984، وعام 1990 بحل برلمان 1987، وعام 2000 بحل برلمان 1995، وفي عام 2012 بحل برلمان الإخوان. وفي ظل حالة التماهي الواسعة بين السلطة التنفيذية والقضائية، سيظل حل البرلمان سيفًا مسلطًا على رقبة نوابه في حال الاختلاف مع الرئيس.

 أخيرًا، إن وجود نظام سياسي سيعني إمكانية نقد حكم الجنرال، وبروز إمكانية الحركة ضده والصراع مع السلطة. والجنرال لا يريد حاجزًا بينه وبين الجمهور. هو والشعب والدولة، ولا ثالث لهما؛ حيث إن المشير والدولة جسد واحد. ولا يوجد في الساحة حاليًا ما يمكن أن يكون مرضيًا بالنسبة للسيسي. فما يسمى بـ “القوة المدنية” سيعني أمرين، فتح المجال السياسي ولو شكليًا للديموقراطية والصراع والمعارضة، والثاني، تناطح بعض القوى النيوليبرالية له على مستوى السيادة والتشريعات. فمثلًا هذا يعني مساحة لرجال مثل ساويرس لمناطحة السيسي ولو على مستويات صغرى. واتضح خلال العام الماضي مدى التوتر بين الجنرال ورجال الأعمال. فرجال الاعمال لم يتعاونوا بالشكل اللائق والمتوقع في انتخابات الرئاسة؛ حيث لم يقوموا بشحن موظفيهم وعمال المصانع لأماكن الاقتراع، كما كان متوقعًا، وبدت الصناديق خاوية على عروشها. وظلت المناوشات بينهم وبين الجنرال حول صندوق “تحيا مصر” الخاوي على عروشه هو الآخر. فتارة يدعوهم الجنرال للتبرع لصالح الوطن وحتى يتمكن من الإنفاق على المشروعات المختلفة مثلما ترى سياسته أهمية ووجوب الإنفاق وعلى ماذا ومتى. وتارة أخرى يلوح بالتهديد والوعيد مشيرًا إليهم “حتدفعوا يعني حتدفعوا”. ولكن الأخطر في هذا الشأن هو تكثيف القوة داخل مؤسسة الجيش واستحواذ الجيش على جميع المشروعات الكبرى والإنشاءات والمقاولات، وإعطاء مقاولات من الباطن لمن يرتضي. وإن ظلت الأوضاع على ما هي عليه سيكون هناك صراع للاستحواذ على السوق بين الجيش ورجال الأعمال. وحتى الآن لا يبدو أن الطرفين قد توصلا إلى صيغة مرضية لتقاسم السوق فيما بينهما.

كما أنه في حال ساءت الأمور في الداخل لأقصى درجة واضطربت الأوضاع الاجتماعية والسياسية، يمكن نظريًا للبرلمان سحب الثقة من الرئيس وإسقاط شرعيته. وتعد المشكلة الحقيقية أمام إنجاز البرلمان هو عدم تحالف الجنرال مع أي قوى اجتماعية واضحة حتى الآن. فهو غير راضٍ أو مقتنع، بل ربما لا يحترم القوى السياسية المدنية الموجودة، وهو رجل كان على رأس جهاز قام باختراقها ومتابعتها بنفسه على مدار السنوات الأربع للثورة المصرية. وهو كما أشرت ليس على توافق مع رجال الأعمال والقوى النيوليبرالية. كذلك لا يريد الجنرال رجال مبارك السابقين وشبكات المحسوبية والزبونية الريفية. فحتى الآن لا يبدو أنه قام بأي اتفاقات أو مساومات مع كبار العائلات في الصعيد والدلتا، ولم يقرب منه مجموعات جديدة، ولا يبدو أن أحدًا من أجهزة الدولة يضطلع بهذا الدور الذي كان يقوم به كل من أمن الدولة والحزب الوطني. كما أن رجال ونظام مبارك سيقدحان في شرعيته وسيعنيان مزيدًا من اللامؤسسية ومزيدًا من تفكك الدولة، وسيعرضه ذلك للهجوم الحاد والاشتباك معه مرة أخرى من قبل جمهور واسع.

لن يترك الجنرال السيادة على القرار مهما كلفه الأمر، ولا حتى بشكل إجرائي وشكلي لصالح برلمان هزلي أو نظام شبه سلطوي. فالمشير يريد أن يكون السيد وأن تخضع له الدولة بالكامل ويمسك بالوحدة السياسية وزمام الأمور بيديه. فلا مجال لأية أحلام ديموقراطية أو شبه ديموقراطية في عصره وتحت قيادته. لن يكون هناك شيء خارج الدولة وسطوة الجنرال.

اعلان
 
 
علي الرجّال 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن