Define your generation here. Generation What

عن العمران والعشوائيات والتشكيل الوزاري الجديد

اتخذت الحكومة المصرية منذ منتصف التسعينات خطاً نيو-ليبرالياً واضحاً في تعاملها مع الاقتصاد. انعكس هذا التوجه بصورة مباشرة على قطاع التنمية العقارية نظرا لكونه قطاعا محوريا في تكوين وتراكم الثروة في مصر. بالطبع كانت لذلك تجلياته في مشروعات المنتجعات والمجتمعات العمرانية المسورة وبيع الأراضي لذوي الحظوة، والذين كونوا من هذه المشروعات – وما زالوا – ثروات طائلة على حساب باقي المواطنين.

في ذلك الوقت قررت الدولة أن تترك عمران القاهرة البائس للبسطاء ليعيشوا فيه. ونتيجة لتحكم الدولة في منح الأراضي للمواطنين، ونتيجة لسياساتها التي حرمت الغالبية العظمى من المواطنين من الحصول على الأرض والمسكن بسعر معقول، بدأت مناطق العمران غير الرسمي (أو ما نطلق عليه العشوائيات) في الانتشار، ببساطة لأنها كانت الحل الوحيد الممكن من خلاله أن يحصل المواطنون على السكن بسعر معقول بالقرب من فرص العمل المتاحة لهم.

بعد موضوع الأراضي ذلك، تفتق ذهن مجموعة من المقربين من لجنة سياسات الحزب الوطني، والهيئة العامة لتخطيط العمراني، عن توجه جديد. بعد بيع معظم الأراضي المميزة حول القاهرة (في القاهرة الجديدة و6 أكتوبر والشيخ زايد)، بدأت الأراضي ذات الموقع المتميز والقيمة المرتفعة داخل القاهرة نفسها تجذب اهتمام الحكومة في ذلك الوقت، بعد أن كانت منسية لعقود. كان الفقراء يسكنون معظم هذه المناطق، مثل مثلث ماسبيرو، ومنشية ناصر، وعزبة خير الله، وعزبة الهجانة، وبولاق الدكرور، وحكر أبو دومة، وجزيرتي الدهب والقرصاية، إلخ.

وبذلك ظهر للوجود مشروع “القاهرة 2050”، وبالرغم من احتوائه على العديد من المشروعات الجيدة، خاصة في قطاعي الحوكمة العمرانية والنقل العام، إلا إن أغلب مشروعاته سيطرت عليها فكرة إخلاء القاهرة من الفقراء وبيع الأراضي القيمة التي يقطنونها للمستثمرين. على سبيل المثال، إحدى مناطق العمران غير الرسمي الكبرى بالقاهرة والتي يسكن ويعمل بها ما يصل إلى مليون نسمة، تم محوها تماماً من خريطة المشروع، وظهرت مكانها منطقة خضراء ومشروع إسكان حدائقي للأغنياء. وظل السؤال: إلى أين سيذهب المليون مواطن؟ لم يقدم أحد إجابة واضحة عن هذا السؤال.

غني عن الذكر أن وزير الإسكان الحالي (والذي تقرر بقاؤه في منصبه اليوم) كان له دور محوري في المشروع، كونه رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني في ذلك الوقت.

بعد الثورة توقف مشروع “القاهرة 2050” لفترة، طبعاً تحت الضغط الشعبي ونتيجة لجهود منظمات صغيرة امتلكت الشجاعة لتقف ضد المشروع وأفكاره. وقتها كانت “العدالة الاجتماعية” هي الموضة الرائجة، والمزاج العام السائد – حتى بين الجهات المانحة – كان متجهاً لتطوير العمران غير الرسمي والمناطق العمرانية المتدهورة، بدلاً من الاستثمار في المدن الجديدة والمشروعات التي لا تنتهي لبناء الوحدات السكنية.

في السنتين الأخيرتين حدث تطوران هامان، ويمكن القول إنهما كانا متضادين جوهرياً. الأول هو تحويل صندوق تطوير المناطق العشوائية – الذي تم تأسيسه في عام 2008 – إلى وزارة الدولة للتطوير الحضري والعشوائيات برئاسة د. ليلى إسكندر، وذلك بعد فترة قصيرة من موقفها المعروف ضد استخدام الفحم أثناء توليها وزارة البيئة في الحكومة السابقة. والثاني، هو تعيين وزير الإسكان الحالي بتوجهاته المعروفة التي تميل نحو حرية اقتصاد السوق.

كان هذان التطوران متضادين لأن توجه وزارة الدولة للتطوير الحضري والعشوائيات كان ذا بعد اجتماعي واضح، وحاول أن يتفهم الجذور الحقيقية لمشكلة العشوائيات في مصر (وهي في الأساس الانهيار التام لمنظومة الحكم المحلي، والغياب الصارخ لعدالة توزيع الموارد العامة، وعلى الأخص الأرض التي تتحكم فيها وزارة الإسكان في المقام الأول). حاولت وزارة التطوير الحضري أن تطرح مفاهيم جديدة تعتمد على التشاور مع المواطنين والمجتمع المدني، والتعامل مع الجذور الاقتصادية والاجتماعية لمشكلة العمران غير الرسمي، ومحاولة التواصل مع جيل جديد من العمرانيين الذين حاولوا التفكير خارج الصندوق والعمل مباشرة على الأرض لإيجاد حلول أكثر واقعية وعدالة واستدامة لمشاكل المواطنين.

كان أحد أكثر المشروعات التي عبرت عن هذا التوجه الجديد- وحظي بتغطية إعلامية وافرة- “مشروع تخطيط مثلث ماسبيرو التشاركي”. تجلى ذلك من خلال الجهد الذي بذلته الوزارة للوقوف مع العمرانيين والحقوقيين الذين قدموا المشروع وطرحوا مفهوماً تشاورياً أكثر واقعية للتعامل مع المنطقة من منطلق تحقيق التوازن بين مصالح الأطراف المختلفة. قطع المشروع خطوات جادة نحو الحل بعد تجمد الموقف في هذه المنطقة لعقود عديدة، وبدأت بالفعل فعاليات مسابقة دولية تبنتها الحكومة المصرية لتفعيل هذا المقترح في صورة مخطط تفصيلي قابل للتحقيق على الأرض.

لم يكن طريق هذا المشروع ممهداً، وشهد خلافات واضحة في وجهات النظر مع بعض الأجهزة الحكومية الأخرى التي لم تتقبل بسهولة مدخل المشروع وبعده الاجتماعي غير المألوف. امتد ذلك المدخل أيضاً لتعامل الوزارة مع مجموعة من الملفات، مثل ملف إدارة المخلفات الصلبة وكسر احتكاراته القائمة وتحريك الركود القائم به منذ سنوات، وكذلك التعامل مع مناطق هامة مثل منشية ناصر وعزبة خير الله، والتي للأسف لم تأخذ نصيبها من الوقت لتتبلور لمشروعات ملموسة.

في المقابل، اتخذت وزارة الإسكان طريقاً آخراً لا يختلف كثيراً عن توجهات ما قبل يناير 2011. أطلقت الوزارة العنان لمشروعات عملاقة، وعاصمة جديدة، ومدن مليونية، ومئات الآلاف من الوحدات السكنية؛ خاصة بعد مؤتمر مارس الاقتصادي في شرم الشيخ. صاحب ذلك دخول وزارة الإسكان المثير للجدل في قطاع الإسكان المتوسط، وبيع وحدات الإسكان هذه بأسعار يرى العديد من المراقبين أنها أشعلت- في شهور قليلة- سوق العقارات المتضخم بالأساس في العديد من المدن الجديدة. وفي تقديري الخاص، ساهمت وزارات الإسكان المتعاقبة، وكذلك توجهات الوزارة الحالية، في تفاقم أزمة الإسكان في مصر، من خلال التسليع المضطرد للأرض والسكن وعدم إيجاد حلول ناجعة للتعامل مع ملايين الوحدات السكنية المغلقة بمصر، وبالتالي المساهمة بصورة مباشرة في الاتساع غير المسبوق لرقعة العمران غير الرسمي.

سببت لي ازدواجية توجهات الوزارتين هذه إشكالية حقيقية. هو إيه النظام؟ نيو-ليبرالي ولا اجتماعي؟

في الحقيقة، وجود وزارة الدولة للتطوير الحضري والعشوائيات بهذه التوجهات المغايرة لم يكن متسقاً مع المشهد الحالي، على الأقل بالنسبة لي. توجه الوزارة الوليدة شكل خروجاً عن المألوف وشذوذاً في النظام. لكن تشكيل الحكومة الجديدة صباح اليوم حسم الأمر وأزال الالتباس: لا مكان لهذه التوجهات ولا صوت يعلو فوق صوت المسيرة النيو-ليبرالية المقدسة.

تم إلغاء وزارة الدولة للتطوير الحضري والعشوائيات، بينما وزارة الإسكان مستمرة في توجهاتها، وأصبح ملف العشوائيات الآن في أيد أمينة… أيدي وزارة الإسكان.

أتمنى أن أكون مخطئا؛ فلننتظر ونرَ ما تكشفه لنا الأيام.

 

اعلان
 
 
كريم إبراهيم