Define your generation here. Generation What
“زهرة الصبار”.. مأزق الفن بين السعي لتجربة أصيلة ووضع محلي خانق
 
 

لا يخفى على أحد أن الفترة الأخيرة شهدت تراجعًا في الإنتاج السينمائي على حساب التليفزيون الذي أصبح موسمه الرمضاني يمتص كل الموارد البشرية والمادية، وذلك لأن عوائده مجزية جدًا؛ ومع تراجع الإقبال الملحوظ على دور العرض لم يعد ممكنًا أن تخرج للنور أشكال سينمائية غير الأشكال التجارية التي تضمن تحقيق الأرباح للممولين.

هناك مجموعات كبيرة من صناع الأفلام يصبون إلى خلق أشكال سينمائية مختلفة، تجريبية وفنية، ولكن محدودية مصادر التمويل تقف حائلًا دون ذلك. مصادر التمويل المتاحة تتمثل في صناديق الدعم الخارجية، وهي منابر شديدة التنافسية وبات معظمها مؤخرًا يشترط أن يكون الفيلم حاصلًا على دعم محلي.

الدعم المحلي يتمثل في منح صندوق دعم السينما المستقلة التابع لوزارة الثقافة، وهو يدعم سنويًا عددًا من الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والأفلام التسجيلية. فتح باب التقدم لدورة هذا العام في أول يناير ولم تخرج النتيجة- والتي كان مقررًا إعلانها في منتصف مارس الماضي- حتى الآن، مما يثير التساؤلات عن الآليات الداخلية للصندوق.

وفي خطوة للفت الأنظار إلى أزمة صناع الأفلام المستقلين، دشن فريق عمل مشروع “زهرة الصبار” حملة إلكترونية لجمع مساهمات من الأفراد لإنتاج الفيلم. ومن الجدير بالذكر أن مشروع الفيلم قد شارك في محافل سينمائية دولية عدة: دعم لتطوير السيناريو من صندوق هيوبرت بالز في مهرجان “روتردام” السينمائي،  ورشة تقديم المشروعات بمهرجان “أميان” السينمائي الدولي، مشاركة في سينمارت، سوق الإنتاج المشترك لمهرجان “روتردام” السينمائي، مشاركة في برنامج سقراط لتطوير السيناريوهات التابع للاتحاد الأوروبي، وأخيرًا مشاركة في برنامج “مصنع سينما العالم” في إطار مهرجان “كان” السينمائي الدولي.

الفيلم مقرر بدء تصويره في أكتوبر المقبل بنموذج إنتاجي يعتمد على الشراكة بين فريق العمل، كل بأجره وبمساهمات مادية من أفراد لتغطية مصاريف إيجار المعدات والتصاريح والملابس والإكسسوار.

من بروفات التصوير

من بروفات التصوير زهرة الصبار

من اللافت في حملة المساهمة هذه عن طريق أموال الأفراد، أنها لجأت إلى أنه يمكن لأي شخص شراء “شنطة” عليها “لوجو” الفيلم في داخل أو خارج مصر. يبدو هذا للوهلة الأولى اختيارًا يدعو للتساؤل.

أسأل هالة القوصي: “لم “الشنطة” خصيصًا؟”.

تبتسم: “لأني أكره البلاستيكية منها. لا أحب استخدامها في مشترواتي. أشعر أنها كريهة. لذا فكرت أنها يمكن أن تكون بداية فكرة يمكن تعميمها يومًا ما. لماذا أستخدم شنطة بلاستيكية في الوقت الذي يكون في إمكاني أن أستخدم أخرى من قطن مصري يمكن غسلها ومن ثم تصبح دائمًا مفيدة.”

أفكر في أنها تود أن يكون هناك علاقة بينها وبين التفاصيل الصغيرة من حولها. فكرت أيضًا في أنها تكره النزعة الاستهلاكية التي تتجسد في أن تكون “الشنطة” بلاستيكية سريعة الاستخدام ولكنها ليست دائمة. خيالات جاءتني ربما لمحاولة فهم نظرة الفنان للتفاصيل الصغيرة من حوله.

بالطبع يبدو السؤال الذي يحرّك المرء لفهم أوضاع الفيلم في اللحظة الحالية هو: سبب اللجوء لحملة دعم الأفراد هذه وما مصير نتيجة منحة الوزارة؟

تبدو القوصي مرهقة بعد يوم عمل طويل، تضع يدها على جبينها وتخبرني بملامح منزعجة أن مستقبل صناعة السينما في مصر غير واضح طالما لم يجد الصناع الجادين فرصًا للدعم المحلي أكثر تقبلًا للتجديد وأكثر شفافية في آلياتها. لذا كان عليّ أن أفكر في حلول أخرى تحرِّك شيئًا في هذه المياه الراكدة. ومن هنا جاءت حملة الدعم. ليس لأني متخيلة أنها سوف تجلب آلاف الجنيهات ولكنها نقطة لفت انتباه. عرض للمشكلة. مثلما فعلت مع مشروع “فوتو مصر”، فهو لن ينقذ أرشيف الصور المهمة والتاريخية لمصر من الضياع، ولكنه سيشير بقوة إلى أن هناك أزمة بشكل أفضل من الكلام. هذا سيجعل البعض يتفاعل مع الأمر أو على الأقل سيفكر من جديد عندما يرى أن المشكلة يتم عرضها من زاوية لم يعتد عليها.”

رسم خلفيات التصوير - لعلياء صلاح

رسم خلفيات التصوير في زهرة الصبار – لعلياء صلاح

تقول بنبرة متزنة: “أقود الأمر مستندة إلى اسمي الذي أظن أن له مصداقية وأرى أنني لو بدأت الآن فهذا ربما يمهد الطريق لغيري من صناع الأفلام.”تخبرني أنها تريد أن نفكر من جديد: هل مشكلة إنتاج الثقافة مشكلة تعنينا كمجتمع؟ المتلقي ليس قليل الحيلة لتفرض عليه منتجات ثقافية لا تعبر عنه، وهذا أمر بدهي، لكن الاختلاف في حال السينما أنها منتج باهظ التكلفة لا يستطيع صانعه أن يخرجه للنور دون دعم مادي، ولكننا في تجربة “زهرة الصبار” نراجع كل التفاصيل الإنتاجية لنقلص الميزانية بشكل جذري يجعل هذه التجربة نموذجًا إنتاجيًا يمكن تكراره.

يبدو على ملامحها مزيج من الحِدة، والحيوية، والانزعاج. هذا الأخير الذي يجعل في حركات يدها شيء من الضيق والانفعال. أسألها عن آثار بداية هذه الحملة حتى الآن، فتقول: “لدي حتى الآن ٥٣ داعمًا، وهو ليس رقم كبير، ولكنه إشارة. لو نجح الفيلم وجاء من بعدي من يطلب الدعم بطريقتي نفسها أو بطريقة مشابهة، ربما يجد فرصة أفضل؛ لأنه قد أصبحت هناك تجربة سابقة نجحت. سيقال إن هناك من حصل على دعم وأخرج عملًا فنيًا محترمًا.”

تكمل بعد أن تنظر للأرض ثم إليّ مرة أخرى، وهي تفكر للحظة: “رأيي أن مصر في مأزق لن تخرج منه إلا بتكاتف الأفراد، فليس هناك أمل في تجاوب قريب لمؤسسات الدولة”.

تخبرني أنها جمعت خمسة وتسعين ألف جنيه، اعتمدت فيه على معارفها، في مقابل أنها عرضت أعمالها الفنية للبيع بأسعار أقل من قيمتها الفعلية. تريد أن تتحرك المياه، أن يتشجّع الناس ويشعروا أن الفن في النهاية استثمار في مستقبل وليس صدقة.

تكمل حديثها: “أتعلم، معظم هذا المبلغ جاءني من غير المصريين. هم متفهمون لهذه الفكرة بشكل أعمق وهذا النوع من التجارب منتشر بشكل أكبر في الغرب. هناك إيمان مترسخ بقيمة الفنون. لكن في الوقت نفسه هناك إيجابية شديدة من مصريين لا يعرفونني سوى عن طريق الفيسبوك أو من أصدقاء مدرسة لم أرهم منذ عشرين سنة تقريبًا وهم يحاولون المساعدة بكل ما يستطيعون”.

تختتم هالة القوصي حديثها بالتلخيص: نحن نقدم مثالًا حيًا للنقد الفعال: فريق العمل استغنى عن أجره ويعمل بشكل متطوع. هم شركاء في الفيلم بالمجهود وهذا يجعلنا نعمل بشكل مهول. كل واحد منا يقوم بثلاثة أدوار على الأقل. أنا مثلًا مؤلف العمل والمخرج ومهندس الديكورات ومصمم الملابس، كما أنني منتج منفذ. ليس هذا بالتأكيد وضع مثالي لكن ليس لدينا خيارات أخرى. نحن نراهن أن بين أيدينا مشروعًا قيمًا مما سيجعلنا قادرين على توفير الدعم المادي اللازم للمراحل التي سوف تعقب التصوير من مونتاج وتصحيح الألوان والصوت والموسيقى وتوزيع الصوت للعرض السينمائي، وهي الأشياء التي تخبرني أنها ستتكلف مبلغًا يقترب من الذي يحتاجونه من أجل التصوير. وهذا رهان كبير؛ لأن الأمر أكثر تعقيدًا من ظاهره لكننا متفائلون بما وصلنا إليه حتى الآن.

 

*زهرة الصبار: هو مشروع فيلم مصري للمخرجة هالة القوصي، اختارته لجنة برنامج تطوير المشروعات التابع لمهرجان “كان” السينمائي المعروف باسم “مصنع سينما العالم”، للمشاركة في البرنامج الذي يمتد لمدة عشرة أيام من 12 إلى 22 مايو الماضي، وقد سافرت مخرجة العمل ومنتجه لحضور البرنامج في مهرجان “كان”.

*هالة القوصي حاصلة على ماجستير فنون الصورة من كلية جولد سميث بجامعة لندن، وقامت متاحف عالمية عدة بعرض واقتناء أعمالها الفنية، من بينها: تيت مودرن بلندن، وستدليك بأمستردام. كما حازت على جائزة “أبراج كابيتال للفنون” في 2010، وقدم مركز جورج بومبيدو في باريس عرضًا استعاديًا لأعمالها. وكتبت عن أعمال القوصي مجلات عالمية متخصصة في الفنون وصحف عالمية من بينها “الفاينانشال تايمز”.

اعلان
 
 
محمود حسني