Define your generation here. Generation What

ما قد يحدث إذا استمر الجنيه المصري في الهبوط

من المتوقع أن يستمر هبوط قيمة الجنيه المصري، والحقيقة أنه من الضروري أن يعجل بهبوطه حتى يصل إلى قيمته الحقيقية في السوق.

كان تصريح وزير الاستثمار أشرف سلمان، الذي قال فيه إن مصر على مشارف أزمة وتدرس تخفيض قيمة الجنيه، قد أشار بشكل واضح إلى أن البنك المركزي المصري سوف يسقط ضوابط الحفاظ على القيمة الحالية للجنيه أو يخففها.

لن يجد معظم المحللين حرجًا في وصف القيمة الحالية للجنيه بأنها مبالغ في تقديرها بسبب تدخلات البنك المركزي. فقيمة الجنيه قد ارتفعت بالفعل في مقابل اليورو على مدار العام الماضي. وفي حين شهدت قيمة اليورو مع الكثير من العملات الأخرى انخفاضًا كبيرًا في مقابل الدولار، لكن يبدو أن البنك المركزي يركز سياساته على قيمة الجنيه في مقابل الدولار. وكل هذا يؤدي إلى تراجع قدرة المنتجات والخدمات المصرية، كالسياحة مثلًا، على المنافسة.

إن العجز عن تخفيض قيمة الجنيه من شأنه تنفير الاستثمار الأجنبي لسبب بسيط للغاية: إذا كنت تعلم أن العملة التي تشتريها للاستثمار بها مبالغ في تقدير قيمتها، يصبح فعل شراء العملة في حد ذاته إقدامًا على الخسارة. فعلى فرض أنك ترى أن القيمة الحقيقية للجنيه ينبغي أن تكون 10 جنيهات مقابل دولار واحد، لكنك تشتريه بسعر 8 جنيهات للدولار الواحد، فأنت بذلك تعرض نفسك لخسارة فعلية قدرها 25 في المئة قبل أن تبدأ الاستثمار. وهذا عامل كبير في طرد الاستثمار.

أما المشكلة الأخرى فهي ضوابط رأس المال في مصر. إذا كانت شركتك تجني أرباحًا لكنك عاجز عن إخراج الأموال من البلد، فالأرباح في هذه الحالة لن تفيدك كثيرًا بصفتك مستثمر أجنبي.

ما الذي تعنيه تصريحات وزير الاستثمار بالنسبة لنا؟ يرى محمد الدهشان، وهو زميل غير مقيم في مؤسسة التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أن “مجرد إعلان نية تخفيض العملة بمثابة تخفيضها فعليًا، لأن السوق تضع القيمة المخفضة المتوقعة في الحسبان وتدرجها في تعاملاتها، وهذا سوف ينعكس على القيمة الحالية للجنيه”.

سوف يؤدي هذا على المدى القصير إلى زيادة الضغط على السوق السوداء. وعندما يقترن ذلك بضوابط رأس المال الصارمة التي تجعل عرض الدولار أقل من الطلب عليه، بالإضافة إلى إعلان الحكومة نيتها تخفيض الجنيه، سوف يرتفع سعر الدولار في السوق السوداء- بفرض أن الجهات الرقابية غير قادرة على السيطرة على الموقف.

وعلى المدى المتوسط سوف يؤدي ذلك، مع استمرار هبوط قيمة العملة، إلى زيادة تكلفة الواردات بشكل مطرد. وهذا ليس في صالح مصر نظرًا إلى أن قسمًا كبيرًا من سلعنا الاستهلاكية مستورد. فحسب تقديرات البنك الدولي تنفق مصر 24 في المئة من إجمالي الناتج المحلي على السلع والخدمات المستوردة.

كما سوف يشجع تخفيض قيمة العملة الحكومة على رفع أسعار الطاقة. وإن لم تفعل ذلك سوف تضطر الحكومة إلى زيادة الدعم مجددًا للحفاظ على قيمة الجنيه الحالية، ما سوف يزيد من العبء على ميزانية الدولة المرهقة بالفعل. ولن تقبل الحكومة بذلك على الأرجح، حيث كانت قد أعلنت بشكل واضح عن خطتها لاقتطاع دعم الكهرباء تدريجيًا حتى يُرفع بالكامل على مدار خمس سنوات.

ومع مد الخط على استقامته سوف نجد أن انخفاض قيمة العملة من شأنه زيادة الإقبال على تصدير المنتجات المصرية، لأنها ستكون أرخص. لكن مصر لن تستطيع الاستفادة من هذا الأمر بشكل كامل إلا إذا خففت ضوابط العملة أو أسقطتها بالكامل.

وهذا لأن تلك الضوابط لا تكتفي بطرد المستثمرين الأجانب من مصر فحسب، بل تزيد من صعوبة حصول الأعمال التجارية على المواد الخام اللازمة لإنتاج السلع- فضلًا عن أن عدم انقطاع الكهرباء النسبي هذا الصيف قد جاء بفضل قطع الكهرباء عن المصانع كما ورد في الأخبار. وهنا نرى أن الحكومة قد فضلت شعبيتها السياسية على مصالحها الاقتصادية مجددًا.

وعلى المدى الأطول- ونؤكد مرة أخرى على أن إمكانية حدوث ذلك تتوقف بشكل كبير على تخفيف أو رفع ضوابط رأس المال- قد يتلقى البلد حجمًا أكبر من الاستثمارات الأجنبية عندما تصل العملة إلى قيمتها الحقيقية، وبذلك تصبح مصر سوقًا صاعدة أكثر جذبًا للاستثمارات.

ومع ذلك على المصريين أن يتوقعوا على المدى القصير والمتوسط قدرًا لا يستهان به من الصعوبات، حيث سترتفع أسعار السلع الأساسية وتزداد تكلفة الحصول على العملات الصعبة. أما المزايا الاقتصادية التي قد تنتج عن هذا التصحيح فلن تأتي في وقت قريب على الأرجح، ولن تتحقق إلا إذا طبقت سياسات مصرفية ومالية ذكية لاستغلال فرصة تخفيض العملة والحصول على مزاياه المحتملة.

اعلان