Define your generation here. Generation What
“أوضة الفيران”: كيف تحقق حلم الفيلم الروائي الطويل؟
 
 

“لما قررنا إحنا الـ٦ نكتب فيلم طويل سوا، مش حتي ننفذه أو نخلصه، ناس كتير شافوا إننا مجانين. ما كوناش مستوعبين وقتها مدى صعوبة الفكرة”، وضعت تلك الكلمات مع صورة تجمع ستة مخرجين، أو بالأحرى ستة صناع أفلام شارك كلٌ منهم في كل مرحلة من مراحل التنفيذ، سواء بالكتابة أو المونتاج أو التصوير أو بالتأكيد الإخراج، في فيلم “أوضة الفيران”الذي بدأ عرضه جماهيريًا لأول مرة في دور العرض بداية من التاسع من سبتمبر الجاري ولمدة أسبوع ينتهي اليوم، في سينما أمير في الإسكندرية، في حفلتين يوميا، في الثالثة والنصف والسادسة والنصف مساءً.  وفي سينما زاوية بالقاهرة في المواعيد ذاتها، والتي قررت في نهاية هذا الأسبوع مد عرضه لمدة أسبوع آخر ينتهي يوم الثلاثاء 22 سبتمبر، في أربع حفلات: 1، 3، 5، و10.

الفيلم هو عمل مستقل روائي طويل، أخرجه وكتبه أحمد مجدي مرسي، وهند بكر، ومي زايد، ومحمد الحديدي، ومحمد زيدان، ونيرمين سالم، وهو من إنتاج روفيز، بالاشتراك مع فيج ليف ستوديو ومنحة “إنجاز”، وهي مبادرة لسوق مهرجان دبي السينمائي لدعم الأفلام في مرحلتي الإنتاج وما بعد الإنتاج.

في البداية كُتب الفيلم كسبعة سيناريوهات منفصلة، وفيما بعد تم تصوير ستة منهم على مراحل بشكل منفصل، ثم تم دمجهم في مرحلة ما بعد التصوير، وتم تنفيذه في المراحل الأولى بميزانية منخفضة تكاد تقترب من أن تكون صفرية، كما أن جميع العاملين بالفيلم عملوا كمتطوعين، ونسبة كبيرة منهم هم أصدقاء صناع الفيلم، وحسبما كتب في  المدونة الخاصة بالفيلم فهو بالنسبة لصناعه بمثابة “الحلم” الذي حرصوا أن يوثقوا كل لحظة نجاح وفشل مر بها، وبدأ هذا الحلم كفكرة في العام 2010، وأتت أول مراحل تنفيذه في أغسطس 2010،  وصولًا إلى عرضه حاليًا في دور العرض.

“أوضة الفيران”، هي تلك العبارة الافتراضية التي تعد بمثابة مصدر الخوف والرعب للأطفال، والتي اعتاد الكبار أن يستخدموها كتهديد لأطفالهم إذا لم يمتثل الصغار للأوامر. من هنا، اختار صناع الفيلم أن يكون الخوف تيمة لفيلمهم الذي أكدوا أنه يعتبر من التجارب الأولى التي تعتمد بالأساس على تكنيك مختلف في كتابة سيناريو لفيلم طويل، وهو كتابة مجموعة من السيناريوهات بشكل منفصل تجمعها تيمة واحدة، ومن ثم يتم التعديل والعمل مرة أخرى بعد إضافة التعليقات والملحوظات بعد قراءتها لتعاد الكتابة.. وهكذا، وفي النهاية يتم تصوير كل سيناريو على حدة، ثم يدخل مرحلة المونتاج التي تكون بمثابة المرحلة الأهم في عملية خلق فيلم روائي طويل.

التقى صناع الفيلم في العام 2009 ضمن الدفعة الرابعة في مدرسة السينما بمركز الجيزويت الثقافي بالإسكندرية، والتي أسسها الأب فايز اليسوعي قبل ما يقرب من عشرة أعوام.

صناع الفيلم الستة

صناع الفيلم الستة

يقول محمد زيدان- أحد صناع الفيلم الستة- إنه في وقت بدء العمل على كتابة سيناريوهات الفيلم السبعة كان هناك وعي تام بألا يكون هناك أية روابط بين الشخصيات الأساسية في كل سيناريو، لكن في الوقت نفسه كان هناك تركيز كبير على ان يكون هناك روابط بين السيناريوهات في تفاصيل الأماكن والحكايات، وهنا تحكي نيرمين سالم كيف طرأت العديد من التغييرات على كل سيناريو، في كل قراءة، وأن تلك التغييرات وصلت إلى مرحلة تغيير سيناريو كامل وبناءه من جديد في بعض الأحيان .

في أغسطس 2010 وبعد مرور قرابة العام على البدء في التحضير والكتابة، بدأ صناع الفيلم في تصوير أولى الحكايات السبع- كما فضلت مي زايد أن تسميهم- والتي أصبحت ست حكايات فقط في النسخة النهائية للفيلم لظروف أحاطت بإحدى حكايات الفيلم فلم يتم تنفيذها.

عند سؤال نيرمين عن دور كل شخص في كل حكاية من حكايات الفيلم، أكدت أن الجميع كان يتبادل الأدوار في كل جزء، كما أكدت أيضًا أن صناع الفيلم أصروا على ألا يتم ذكر من قام بإخراج هذه الحكاية أو تلك. وهنا أضاف زيدان أنه بعد مرور وقت من بدء التجربة، كان هناك سؤال يشغل بالهم جميعا، وينطلق من فكرة أن السينما عمل فردي حتى ولو اشترك عدد من العاملين في إنتاج الفيلم، وحتى لو ظهر أن السينما هي عمل جماعي بالنهاية، يبقى المخرج رب العمل وصاحب الرؤية والترجمة واللغة السينمائية التي يخرج بها الفيلم، لكنه في “أوضة الفيران” ليس مخرجًا واحدًا بل ستة، وهو ما وصل بهم إلى  التعريف الأقرب للفيلم، وهو أنه ليس مجموعة أفلام قصيرة في سياق متصل، إنما هو فيلم طويل له عدد من الحكايات والشخصيات والأماكن المختلفة.

لقطة من الفيلم

لقطة من الفيلم

لكن كيف يستطيع الفنان أن يتعامل بشكل كامل مع فكرة العمل الجماعي حتى نهايتها؟، يقول زيدان: “نحن صممنا أن نتمسك بهذه الفكرة التي أوصلتنا إلى أن “أوضة الفيران” هو فيلم جميع صناعه، وأن الغاية هي الفيلم الطويل وليست الأجزاء القصيرة بداخله، وهو أمر في غاية الصعوبة”.

من الممكن ألا يرى البعض إنجازًا كبيرًا أو نقلة نوعية قد تحققها تجربة مثل “أوضة الفيران”، وهنا نتحدث عن التجربة وليس الفيلم ذاته، فالمنتج النهائي قابل للأخذ والرد والنقد في النهاية، طالما قبل صناعه بشكل واعٍ أن يضعوه بين يد الجمهور أولًا والنقاد ثانيًا.

لم يعد “أوضة الفيران” ملك صناعه أو ملك مجموعة صغيرة من المعنيين بتلك التركيبة من الأنماط الإنتاجية، خاصة مع عرضه في سينما أمير-  دار العرض العريقة بوسط الإسكندرية- التي يرى زيدان أن مجرد رؤيته لاسمه على أفيش فيلم يعرض فيها لهو إنجاز شخصي كبير بالنسبة له، لما لها من قيمة فى العقل الجمعي لسكان المدينة.

بالعودة إلى ماهية النقلة التي يمكن أن تحققها تجربة كـ”أوضة الفيران”، قال الحديدي إنه يرى أن هناك انجاز شخصي لكل فرد في المجموعة التي عملت في تلك التجربة، الذين كانوا محاطين طوال خمس سنوات بظرف موضوعي و تاريخي استثنائي، وإن تطورًا نوعيًا حدث لكل منهم على كل المستويات أثناء عملهم في تلك التجربة. ارتبط هذا الانجاز بالأساس بما واجهته التجربة من صعوبات على مستوى التنفيذ، ليست فقط صعوبات إنتاجيه أو تمويلية- والتي تعد الأهم- لكن أيضًا صعوبات تقنية وإدارية كان عليهم إيجاد حلول للتغلب عليها، وأضاف الحديدي أن “أوضة الفيران” ليس المحاولة الأولى لإنجاز فيلم روائي طويل جماعي، لكن سبقه محاولات أخرى في القاهرة والاسكندرية لم تكتمل، بدأ بعضها بالفعل قبل أن يتوقف، وعلى الأرجح، حسبما يقول، يعد “أوضة الفيران” المحاولة الأولى التي تنتهي بمنتج نهائي موجود في دور العرض.

لقطة من الفيلم

لقطة من الفيلم

أما مي زايد، فرأت أن مجرد تنفيذ فيلم بتلك الكيفية وفي تلك الظروف، خارج كل أطر السوق والإنتاج السائدة، لهو إنجاز، خاصة مع عرضه في دور العرض الجماهيرية دون أن يقتصر عرضه فقط على الأماكن الثقافية التي تجد صعوبة في الوصول لجمهور دور العرض التقليدية حتى الآن، وأضافت أن مجرد التفكير في كون فيلم كـ”أوضة الفيران” استطاع أن يصل للناس، حتى ولو بنسبة بسيطة، واستمر في دور العرض حتى ولو لأسبوع فهذا يحسب له، وأنه بالتراكم واستمرار المحاولات والبناء على تجربة كتلك، من الممكن أن تجد تلك النوعية من الأنماط الإنتاجية يوما ما مساحة مفتوحة للعرض أمام جمهور دور العرض التقليدية الواسع، مثلها مثل كل أفلام التيار السائد.

أما نيرمين سالم فأكدت أن الرهان الحقيقي هو على قدرة صانع الأفلام على إيجاد حلول إبداعية للتغلب على أزمة التمويل والمعوقات الإنتاجية، وهي ترى أنه ليس مبررًا على الإطلاق أن تتعطل تجربة لأن صانع الفيلم يريد أن ينفذ مشهد أو لقطة ولا يستطيع لعدم توافر الادوات والمتطلبات التقنية، لأن هنا بالتحديد، بحسب ما تقول، يأتي وقت الحاجة لحلول بديلة تستطيع أن تحل محل ما ينقص صانع الأفلام، وأضافت أن أي شخص يستطيع الآن أن ينفذ فيلمه حتى ولو لم تكن الظروف الإنتاجية تسمح له بالتنفيذ، فإذا كانت لديه فكرة يستطيع أن يقوم بكتابة السيناريو وأن يعمل على تطوير ذلك السيناريو من خلال صانعي أفلام آخرين، واعتبرت أن هناك الآن مناخ مهيأ جدًا لاستيعاب واحتواء أي تجربة جديدة، وأن الظرف حاليًا أسهل بكثير من خمس سنوات مضت.

عند التفكير قليلا في فكرة تنفيذ فيلم روائي طويل بتكاليف منخفضة طامحًا لأن يعرض في دور العرض التجارية، تبدو هذه الفكرة شبه مستحيلة بسبب المناخ الإنتاجي ونمط صناعة السينما المنحصر في الشركات الكبرى، ولكنها تبقى فكرة لها سحرها رغم ذلك، فعلى حد تعبير مي زايد، يظل الفيلم الطويل هو الباقي في ذاكرة صناعة السينما، ويكون عمر الفيلم الروائي القصير قصيرًا، وهي ترى أنه إن أردنا خلق صناعة سينما حقيقية في الإسكندرية، فيجب الاستمرار في دعم محاولات إنتاج أفلام روائية طويلة.

لقطة من الفيلم

لقطة من الفيلم

وقد تتطور المحاولات الإنتاجية لتؤثر إيجابيًا على مستقبل صناعة مثل تلك الأفلام، وليس على تجربة واحدة فقط، وهو ما حدث مع “أوضة الفيران”- الذي اشترك ستوديو فيج ليف في إنتاجه، وكان مارك لطفي هو منتجه المنفذ- وهو التعاون الذي لم ينتج عنه فقط “أوضة الفيران” ولكن أصبح هناك كيان جديد معني بتقديم المساعدة التقنية والإنتاجية لصناعة الأفلام، وهو كيان “روفيز” الذي أسسه صناع الفيلم الستة، وهو معني باحتواء التجارب والمشروعات السينمائية ومحاولة تقديم الدعم الفني والتقني الذي تحتاجه.

شارك “أوضة الفيران” في عدد من المهرجانات المحلية والدولية، مثل مهرجان دبي السينمائي الدولي 2013، ومهرجان تطوان السينمائي 2014، ومهرجان ساوباولو في البرازيل 2014، ومهرجان الأقصر للسينما الإفريقية 2014، ومهرجان برلين للفيلم العربي 2015.

يختتم محمد الحديدي الحديث قائلًا: “من الصعب أن يتم تقييمك على عمل تم إنجازه منذ ما يقارب الأربع سنوات، ويعرض الآن، من الصعب أن تقبل ذلك التقييم وأنت تعلم تمامًا أنك الآن في مرحلة مختلفة تمامًا على مستوى المهارات والخبرات، لكن في ظل منظومة إنتاجية ورقابية وإدراية معقدة، ونمط إنتاجي رأسمالي، نأتي نحن ونقرر بتدخل واع منا جميعًا أن نكسر كل تلك الأطر وكل تلك التابوهات، ونضع “أوضة الفيران” في دور العرض”.

اعلان
 
 
حكيم عبدالنعيم