Define your generation here. Generation What

“الحفريات الحية”.. في التراث والسيرة وذاكرة البلد

الكثير من أفعالك اليومية يُمكن ربطها بالفولكلور، إذ لا يمكنك تخيّل مدى إمكانية فهم مجتمع ما من دراسة تراثه الشعبي، بسبب كم ارتباط الأخير بالسلوك اليومي للأفراد. الفولكلور أو التراث الشعبي، كلمتان تحملانالمعنى نفسه لتعريف جمال الماضي، فحين ترى عظمةً مجهولة المصدر، لا يمكنك إذًا فعل أي شيء إلا الاستمتاع!

“الحفريات الحية التي ترفض الموت”.. هكذا عرّف الكاتب الأمريكي تشارلز فرانسيس بوتر، الفولكلور. وهو ما يعني الخلود في الذاكرة الجمعية للشعب، وظهورها وقتما اقتضت الحاجة أو الظرف لها. بينما يرى إيكه هولتكرانس- جامع قاموس مُصطلحات الإثنولوجيا والفولكلور- أن الفولكلور هو “العلم الذي يدرس التراث الروحي–اللامادّي- للشعب، وبخاصة التراث الشفاهي”.

جدلية الوجود والعدم لابن عروس

“وشفت الزمان انتهت عَدَليه
وادي البُطْل ع الحق راكب
جِه السبع يطلب عَدَليه
لقى الهلف ع التخت راكب”

يُمكن الاستدلال على الشيء بوجود تأثيره. في الطب يتم اكتشاف المرض بالاستدلال إلى نوع المادة المُضادة التي أفرزها الجسم. يُمكن الانطلاق من تلك النظرية إلى تطبيق أوسع، يشمل–على سبيل المثال- ابن عروس، الذي لا يُنكر مدى تأثيره على الذاكرة الجمعية المصرية، بتداخله في السيرة الهلالية أو بعض كتابات الشعراء مثل سيد حجاب. أو بالعودة إلى مربعاته كحِكَمٍ يتداولها الناس بينهم.

بالإضافة إلى ذلك، ثمّة من يقول إن ابن عروس شخصية حقيقية، لها وجود في التاريخ، لكن أحيطت بها إضافات أسطورية. وليس الغرض هُنا على أية حال، إثبات وجوده التاريخي من عدمه، بقدر الإشارة إلى وجود تأثيره. “منختلفش في نسبة أحمد بن عروس/ كان من صعيد مصر ولا من تونس الخضراء/ هناك بنوا لُه مقام فوق الجبل محفوظ/ وهنا بنوا لُه في أوطان القلوب حضرة”، يقول فؤاد حداد.

على كل حال، إذا كان أحمد بن شهاب الدين بن عبدالله بن عروس، شخصيةً حقيقية؛ فإذا نحن نتحدث عن شخص له القدرة في التأثير على ذاكرة جمعية لشعب على مدار ما يزيد على 200 عام. وإن كان أسطورة، فنحن إذًا بصدد عمل شعبي جماعي يُبرز تلك الحقبة كواحدة من أهم فترات التراث الشعبي في تاريخ المجتمع. وفي النهاية للجميع حق الاعتقاد، إن كان حقيقيًا أو أسطوريًا، لا شيء يُثبت أو ينفي.

مُتلازمة البطل (Hero syndrome)

هي ظاهرة تُؤثّر في الذين يسعون نحو “البطولة” أو الاعتراف بوجودهم المؤثر. وقد تنطوي على أفعال غير قانونية. وهي عادة ما تكون بغرض تحقيق الذات.

وبالعودة للنظر في التراث الشعبي، سنتفاجأ بكم “الأبطال” أو “مدعي البطولة”؛ بدايةً من أدهم الشرقاوي، مرورًا بمتولي الجرجاوي، ووصولًا إلى أبو زيد الهلالي وأبطال السيرة الهلالية من الطرفين. بهذا يُمكننا القول إن ذاكرتنا الجمعية تواقة لشخصية المُخلّص، منفذ الآمال وصاحب القوة.

من منظور سياسي تاريخي، فمصر على قائمة أكثر عشرة بلدان تم احتلالها على مر التاريخ. ومن منظور ديني، نحن من أكثر شعوب العالم محبّة وارتباطًا بشخصية المُلهَم إلهيّا (نبي أو ولي). فضلًا عن ذلك، يُمكن القول أيضًا بارتباط المصريين أكثر من غيرهم، بـ”القائد” أو “القويّ”، بدايةً من فتوة الحارة، ثُمّ المعلّم الذي هو بمثابة القاضي. من ناحية أخرى، فالحضارة المصرية، من أولى الحضارات التي اتجهت إلى الإيمان بالآلهة المُخلّصة صاحبة القدرة المطلقة في الموت والحياة.. هذه كُلّها أمور قد تُفسّر أسباب بروز متلازمة البطل في سيرنا الشعبية.

السيرة الهلالية.. استيرادٌ للأمجاد

“في سيرة عرب أقدمين
كانوا ناس يخشوا الملامة
رئيسهم أسد سبع ومتين
يُسمى الهلالي سلامة”

تنقسم السيرة الهلالية إلى ثلاثة أجزاء رئيسية:

  1. التشريقة: وهي قصة رزق بن نايل والد أبوزيد الهلالي. وقصة مولد البطل وحياته في نجد والحجاز.
  2. التغريبة: عن هجرة القبائل من نجد مرورًا بالعراق ودمشق ومصر، وصولًا إلى الريادة.
  3. الريادة: وتحكي عن “رواد” الغرب أبوزيد وأولاد أخته الثلاثة في تونس قبل هجرة القبائل.

أهم شعراء السيرة مصريين بالطبع، ويمكن إرجاع ذلك إلى الحب المتأصل في العقل الجمعي المصري للبطولة. ولكن اللطيف في الموضوع أن كاملة في مجلداتها الأربعة، ولأكثر من 40 ساعة من الحكي والرواية، لم تذكر مصر إلا كمحطة عبور فقط لا غير! فلماذا إذًا يتغنى المصريون بقبائل هاجرت من نجدٍ إلى تونس مرورًا–وفقط- بمصر؟

في البداية يلحظ من مرّ على السيرة الهلالية، أن روايتها المصرية، عمدت إلى “تمصير” بعض من الممارسات وكذا الأحداث. وبالعودة إلى إجابة سؤالنا؛ فإن البعض يرى أنه بالإمكان استيعاب تجارب الآخرين تمامًا، كتجربة شخصية لك. ومع افتراض صحة هذا على مستوى فردي، فهل يمكن استيراد جماعة من الناس لتجارب آخرين كتجربة خاصة بهم؟ لعل هذا ما حدث في رواية السيرة الهلالية.

كما لا يُغفل أن السيرة الهلالية لا تخلو من المبالغات الأسطورية، لكن الملحمة بوجه عام، تحوي أحداثًا وشخصيات تاريخية حقيقية، كغيرها من ملاحم العرب ذات النواة التاريخية المتأثرة بإرهاصات أخرى. وبالانطلاق من السيرة، مع بعض التمعن في التراث العربي عامة، نجد العديد من المشتركات بيننا وبين الشام والجزيرة العربية.

وندلل على ذلك بهذا المثل المشهور: “جنازة حافلة والميت كلب”.
في مصر يُقال: “الجنازة حارة والميت كلب”.
في الجزيرة العربية، وبخاصة الحجاز، يُقال: “الميت كلب والنعاية مُرّة”.
في الشام يُقال: “الميت كلب والجنازة حامية”.
في اليمن يقال: “الجنازة كبيرة والميت فار”.
وفي المغرب العربي، وبخاصة تونس يُقال: “الجنازة حامية والميت كلب”.

ونهايةً، وبالعود إلى السيرة الهلالية، فكما أشار أحمد أمين في كتابه “قاموس العادات والتقاليد المصرية”؛ فإن السيرة الهلالية كان لها فضل كبير في انتشار فنون الحكي والغناء في الأوساط غير المتمدنة، وبالطبع لا يمكن إغفال فضلها في صناعة بهجة السهرات اللطيفة.

“إيش يعمل العبد للي محزّمه الباري؟”.. في المدح والتصوف والتراث الشعبي

“أستعين بالله وأصلي على النبي
نبي عربي
والمدح فيه حلال
أصلي على من قال ربّي أمتي
نور العيون
متى العيون تراه”

يتجسد حب المجتمع وارتباطه بالدين في بدايات السير والملاحم الشعبية، بمدحهم النبي والتوسل للأولياء، ولعل من ذلك اشتهرت عبارة: “شعب متدين بطبعه”. على جانب آخر، نرى أن عددًا من المداحين يتغنون بمربعات ابن عروس، وأجزاء من السيرة الهلالية، من بين أبرزهم المرحوم أحمد التوني أو كما يُعرف بـ”سلطان المداحين”.

غالبًا تبدأ بدايات كل قصص السيرة الهلالية بمقطوعة في مدح النبي، أو بفاصل في التوسل للأولياء. وبالجملة هي بمثابة ظاهرة حكائية في جميع الحواديت والقصص الشعبية. ويمكننا القول إن العلاقة بين التصوف والتراث الشعبي، بمثابة علاقة العشق مترابط الأطراف، ما بين الأعداد الهائلة من المتصوفة وارتباط الناس بالعادات والطقوس الدينية، وما يُمكن تسميته بنوستالجيا البطولات والأمجاد، مع إحساس الفرد بشكل من أشكال الانتماء.

لكن في المُقابل لذلك، يمكن فهم هذه العلاقة من منظور “هذا ما وجدنا عليه آباءنا”، أو من منظور أنها كمحاولة لإضفاء مشروعية على العمل بالدين، وكلها وجهات نظر.

السمسمية.. أو كيف يُصنع التراث؟

“حفر القنال ياما خد رجال
من أجدادنا وأهالينا
والصبر طال ع الاحتلال
وخير بلدنا مهوش لينا
على بورسعيد بدا الهجوم
تلت دول على مدينة
وبكفاح عنيد وطوب وشوم
كسرنا شوكة أعادينا”

السمسمية من الآلات الوترية المعروفة بصوتها الذي لا يُمكن إغفاله في أي عزف. يقول البعض إن تاريخها يعود للفراعنة لتشابهها مع آلة “الكنارة”، وأنها وصلت إلى مدن القناة عن طريق أهل النوبة الذين عملوا في حفر قناة السويس. لكن البعض يقول إنها دخلت إلى مصر عبر تجارة عرب استقروا في السويس، وأصحاب الرأي الأخير، يستدلون بالأغنيات المشهورة باسم “الأدوار الجداوية”، نسبة لمدينة جدة، وهي أغنيات لا تزال تُغنّى إلى الآن في السويس.

وقد باتت السمسمية بمثابة الرمز للصمود والكفاح؛ فأغانيها غالبًا ما ترتبط بالأحداث الملحمية. لذا فقد أسست في التراث الشعبي رفدًا جديد/ قديم. قديم من حيث اعتماده على بعض سمات التراث الشهيرة، والتي من بينها التمجيد للبطولة والأبطال، وجديد لارتباطها بأحداث واضحة ومحددة وقريبة، كحروب العدوان الثلاثي والاستنزاف و67 وأكتوبر.

مثلًا ارتبطت أغنية “غني يا سمسمية لرصاص البندقية ولكل إيد قوية حاضنة زنودها المدافع” مع المصريين بحرب أكتوبر، كمواسية لأحزانهم ومأساة الحرب الممتدة من ترحيل وتهجير. كما يُمكن رصد حالة أخرى للسمسمية، وهي ارتباطها بما يمكن تسميتها بالأحداث الجلل في مصر، بعيدًا عن الحروب، كثورة يوليو وتأمين القناة، ثُم تطورت لإنتاج تُراث خاص بمناسبات الأفراح وليالي الزفاف، وأخيرًا بهوس تشجيع كرة القدم!

في ثورة 25 يناير كان للسمسمية حضور في الميادين، وعلى رأسها ميدان “التحرير”، الذي تم إقامة عروض فرق السمسمية فيه، والتي أعادت إنتاج الأغنيات القديمة نسبيًا، الخاصة بالمقاومة والصمود على وجه التحديد، بما يليق بثورة 25 يناير.

“التاريخ يُعيد نفسه”. مع قليل من المعرفة وكثير من المُتعة يمكن رُؤية إعادة الإنتاج تلك عبر السمسمية وأغاني الضمّة.

اعلان
 
 
عبد الله حافظ