تحذير للمشترين- (2-2) :طريق الخلاص
 
 

 

مع صعود حركة تداول الأعمال الفنية المصرية المعاصرة، ووصولها لصالات المزادات العالمية، تصاعدت الدعوات خلال السنوات العشر الماضية لإنشاء نظام اعتماد لأعمال التشكيليين المصريين، وتبني النظم المتحفية الدولية داخل مؤسساتنا الوطنية المعنية بالفنون، والتي تمتلك وتدير نصيب الأسد من تراثنا الفني الحديث. وحتى الآن لم تلق تلك الدعوات المتعددة أية استجابة.

في الجزء الأول من هذا الملف عرضت «مدى مصر» أحدث النزاعات حول تزوير الفن، وما أثارته من اتهامات بالتقصير والفساد بين أجهزة الدولة والنخبة التشكيلية في مصر. كما أثارت تلك النزاعات نقاشا ملّحًا حول أدوار ومهام القطاعين الحكومي والخاص في سوق الفن المصري لضمان منع التزوير وتنظيم حركة البيع والاقتناء. إلا أن مثل هذه التطلعات الطموحة تتطلب توفر حسن النية والخبرة لدى الأطراف المعنية، بما فيها وزارتي الثقافة والتعليم العالي، ووزارة المالية. إلى جانب طرح ضرورة تطوير النظام القانوني المتعلق باعتماد وبيع الأعمال. وأهمية تبيان حقوق تجار القطاع الخاص وأسر الفنانين الراحلين عندما تحضر في المشهد تلك الجيوب الممتلئة لرعاة الفن من الأغنياء.
الاحتيال والإهمال ليسا غريبين عن سوق الفن العالمي الذي تقدر قيمته بــ 54 مليار دولار. ولكن البلدان التي بها سوق راسخ للفن، توجد بها منظومة من التدابير المستقرة لحماية قيمة الفن والفنانين وحقوق المشترين. بعض هذه التدابير قابلة للتطبيق في مصر، وهي ضرورية لضمان المصداقية وإعادة بناء الثقة في سوق الفن بشكل عام. ورغم سوء الوضع الحالي؛ إلا أنه يمكن النظر إليه باعتباره فرصة سانحة لبناء منظومة شفافة وفعالة لحماية سوق الفن وتوسعته.

طريق الخلاص:

سوقنا الفني الحالي غير الرسمي، يخلو من هيكل أو تنظيم ومراقبة، مما يسمح لأي شخص أن يصبح تاجر أعمال فنية. الفن الذي قدمه الرواد الراحلون يُباع بأية طريقة متاحة. بعض ورثة الفنانين ممن ليسوا على دراية بمفهوم إدارة الممتلكات، يوزعون بضع لوحات هنا وهناك، لتظهر الأعمال غير المعتمدة في معارض الفن “الجاليريهات” ومحلات الأثاث والمعارض المرتجلة، أو تظهر في يد تجار متملقين يخدعون زبائنهم بجملة مكررة مثل: “لوحة لم تُرى أبدًا من قبل وجدتها سيدة في سندرة جدتها التي عاشت في جاردن سيتي”. والأكثر إثارة للقلق هو أن هناك أعمال مزورة لم تكن من قبل محل خلاف، لا تزال تُتَداول في السوق، بعد أن أُعيد تدويرها.
منذ أن ارتفعت أسعار سوق الفن في مصر، صار الفن يُعرف بأنه أحد الأصول المالية البديلة، كما تطورت نوعية الناس الذين يشترون الأعمال الفنية. وفي الوقت الذي يستغرق فيه جامعو اللوحات المخضرمون والمؤسسات المهتمة وقتًا أطول قبل اقتناء العمل الفني لفحصه والتأكد من أصالته؛ لا تكلف شريحة المستثمرين المتزايدة نفسها عناء البحث عن الخبراء القادرين على تقييم الأعمال وإعطاء شهادة دقيقة بأصالتها. كثير من “مستثمري الفن” وقع في فخ الاعتقاد بأنهم الأذكى في السوق لشرائهم تحف فنية بأقل من قيمتها الحقيقية.
المصادر المضمونة لاقتناء الفن الحديث، يجب أن تكون صالات العرض والتجار المسجلين قانونيا وبيوت المزادات ذات السمعة الطيبة، وممتلكات الفنانين. في البلدان ذات الأسواق المتطورة للفن، يوكل ورثة الفنانين في كثير من الأحيان مهمة حماية وتعزيز إرث آبائهم الفنانين الراحلين للمعارض والتجار حسني السمعة. يكلف الورثة هؤلاء التجار ذوي المصداقية بإصدار شهادات الاعتماد وإدارة المعارض وعملية البيع. أفراد الأسرة قد يفتقرون إلى المعرفة والفهم المناسب لكيفية إدارة تجارة الأعمال الفنية، ويجدون أنفسهم في مواجهة تحديات هائلة، مثل أساسيات التخزين والحفظ والفهرسة. يمكن لصالات مؤهلة سد تلك الفجوة. وعندما يدرك الناس أن مؤسسة معينة هي المسؤولة عن الفنان الراحل، بموافقة الورثة، فبالتالي سيكون هناك مجال أقل لمناورة التجار الهواة، ومن يسهل خداعهم ببيع الأعمال المزورة.
التحدي على المدى الطويل سيكون من نصيب الفنانين الذين ليس لديهم ورثة معروفين، مثل راغب عياد، وفؤاد كامل وحسين بيكار. والفنانين المنسيين أمثال: إيمي نمر، وكمال خليفة، وإبراهيم مسعودة.

كيفية اعتماد العمل:

بيع الأعمال الفنية يجب أن يجرى بعد التأكد من توثيق العمل وفقًا لواحدة من طرق ثلاث: 1- شهادة المنبع: وفيها يتم تتبع ملكية اللوحة وصولاً للفنان، 2- شهادة خبير محترف ممن يختصون بدراسة أعمال فنان معين أو حركة فنية بعينها ينتمى إليها الفنان صاحب العمل، وأخيرا 3- التحليل العلمي لمكونات اللوحة.
لتقديم شهادة المنبع، فنحن بحاجة لأن نستثمر في البحث ونشر قوائم أعمال تسويقية raisonnés ونشر الرسائل العلمية في حقل محدد monographs. الأولى تتكون من تجميع شامل “موسوعي” لكل الأعمال المعروفة لفنان معين، والثانية: هي دراسة مفصلة عن سيرة الفنان وأعماله الأساسية.  إن استشارة مثل هذه الكتب ستكون خطوة تأسيسية، يمكن الرجوع إليها وأخذها في الاعتبار عند اقتناء الأعمال الفنية أو عرضها.
إن عملية تجميع الكتب الشاملة هي مهمة ضخمة، وطويلة ومكلفة. فهي تتطلب تجميع الوثائق الباقية بدقة بالغة، إلى جانب جمع المواد الأرشيفية والسجلات التاريخية المتناثرة لدى مؤسسات الدولة، وكليات الفنون الجميلة والأفراد من العلماء والباحثين ومؤرخي الفن والتجار وجامعي اللوحات وعائلات الفنانين. الوصول إلى هذه المواد وتحليلها هي مهمة شاقة تتطلب التفاني، والتغلب على بيروقراطية الدولة والتعامل مع ذوات الفنانين الفردية بشكل صحيح.

 

Missing AttachmentMahmoud Said catalogue raisonne

 

حاليا، يمهد حسام رشوان وفاليري ديدييه- هيس الطريق لقاعدة التوثيق الواسعة هذه، من خلال انتاج أول قائمة أعمال تسويقية raisonné لرسام مصري مؤسس وهو محمود سعيد (1897-1964). وفي الوقت الذي يُتوقع فيه أن يثير نشر الكتاب  الذي ستصدره دار سكيرا Skira بعض الجدل، إلا أنه سيكون المرجع الأكثر شمولا للأعمال التي أبدعها الرائد الراحل. ومن المرجح أن يحتوي على مفاجآت كبيرة واكتشافات حتى لهواة جمع ودارسي أعمال سعيد المحنكين.
هذا المشروع النموذجي، الذي استغرق العمل عليه ثلاث سنوات، يجب أن يتكرر تطبيقه مع أعمال فناني مصر ذوي الأعمال الأكثر اقتناءً والأكثر تأثيرًا. وبما أن ورثة معظم الفنانين لا يمكنهم تحمل التكاليف، فعلى صالات العرض التي تدير لهم ممتلكاتهم، وعلى رعاة الفن أن يتحركوا لتوظيف فرق من الباحثين لإنجاز هذه المهمة. الآن تقوم بذلك عائلة عبدالهادي الجزار، وهناك فريق مصري متخصص في أعمال سيف وأدهم وانلى يقوم بتتبع أعمالهما، وباحث فرنسي متخصص في إبداع رمسيس يونان يقوم بذات المهمة مع أعمال الرائد السوريالي المصري.

ويعد العثور على أعمال هامة أحد النتائج الإيجابية للقائمة التسويقية للأعمال

 

The Nun by Ahmed Sabry. Hisham Salama.jpg

The Nun by Ahmed Sabry

لسنوات، ظلت عائلة الفنان الراحل أحمد صبري (1889-1955) وإدارة متحف الفن الحديث يعتقدون أن تحفته الأهم “الراهبة” (1929)، أو بحسب عنوانها الأصلي “تأملات”، فُقدت أو سُرقت بسبب تراجع- وربما غياب- نظام تتبع الأعمال المعارة من المتحف، وعدم وجود تواصل بين الوزارات وبعضها البعض. ومن هنا ظل مصير لوحة “الراهبة” لغزًا غامضًا لعقود طالت. الآن تأكد أن لوحة صبري معلقة في مقر إقامة الممثل الدائم للبعثة المصرية لدى الولايات المتحدة في نيويورك.

11118459_10153329060099282_1433903610_n.jpeg

Ahmed Sabry with his wife and son Nezar. On the wall hangs The Nun, 1929.

في القائمة التسويقية لأعمال محمود سعيد، سيقدم فريق البحث 86 لوحة مكتشفة حديثًا لم يسبق نشرها، وتوثيق لواحد وثمانين عملا فنيا في حيازة مؤسسات محلية وإقليمية، بالإضافة إلى ـ294  سكتش ورقي جرى اكتشافهم. كما أن القائمة بها صور ملونة لأعمال لم يعرف لها قبل ذلك سوى صور باللونين الأبيض والأسود.
وفي الوقت نفسه، ينبغي على متاحف الفنون الجميلة إتاحة وصول جمهور أوسع لمجموعاتها التي لا تقدر بثمن، والتي يوجد أغلبها في المخازن. وبما أن النشر باهظ التكلفة، فإن البديل هو إعادة إنشاء المتحف افتراضيا على الانترنت من خلال موقع عالي الجودة، وربما بالتعاون مع “مشروع جوجل الفني – المؤسسة الثقافية”. وتحتفظ شبكة الانترنت بالجولات الافتراضية فائقة الجودة لمؤسسة بارجيل للفنون بالشارقة، ومتحف الدوحة ومتحف إسطنبول الحديث، وهم من بين 250 مؤسسة دولية مرموقة انطلقت عبر الإنترنت من خلال المشروع.
سيسهم التوثيق واسع النطاق لأعمال فنانين أو حركات فنية بعينها عبر إدارة موروثهم الفني، في تطوير حركة دراسة الفنانين والحركات الفنية البارزة والمؤثرة في تاريخ الفن المصري. وسيعود هذا في المقابل بالفائدة على زيادة دقة توثيق أعمال هؤلاء الفنانين وحركاتهم المؤثرة. لتكون المحصلة النهائية ظهور البحث المستقل في حقل الفن التشكيلي. وسيدفع هذا كله بسوق الفن إلى الأمام، بعدما ينتج البحث أفرادًا متخصصين في بناء القوائم التسويقيية للأعمال. هؤلاء الأفراد ستكون لهم سلطة توفير الثبت القانوني من خلال الخبرة و”الحكم بالعين”، الذي تحصلوا عليه من خلال سنوات البحث وتراكم المشاهدات البصرية. ويمكن إنشاء مجلس متخصص يلجأ إليه جمهور محبي ومقتني الأعمال لاعتمادها والتصديق على أصالتها.
ما لدينا اليوم هم خبراء بكل الفنانين، يقدمون للمشترين المحتملين أو التجار إثبات فوري بأن هذا العمل يخص الجزار، سعيد، تحية حليم، دون أدوات حقيقية للتثبت من صدقية العمل. ينبغي أن يُستخدم إجماعهم فقط كنقطة انطلاق، لأنه في الغالب بُنيَّ على أسس هشة، مثل الافتراضات، والذاكرة، والمعرفة العامة، ولا تدعمه أبحاث قاطعة. بطبيعة الحال هناك بعض الأعمال المزيفة الواضحة تمامًا للعين المدربة بحيث أنها لا تتطلب الكثير من النقاش. وبالمثل، قد تُنسَب لوحات لفنانين بالخطأ دون قصد، حتى من قبل خبراء كبار، كما رأينا في العديد من فضائح الاحتيال الفنية الدولية حيث يُخدع القيمين وخبراء المتاحف بالمهارة العالية للمزور. إلا أن الخبراء المتخصصين يمكنهم التقليل من فرص ارتكاب الخطأ.
وأخيرًا، لا بد من مختبر علمي يستخدم أحدث التقنيات والأدوات اللازمة لدراسة خصائص الأعمال الفنية وتوثيقها. هذه الأساليب تساعد على التحقق من عمر مكونات العمل الفني، وبالتالي التمييز بين العمل المزور والأصلي من خلال تحديد عمر القماش وزيوت الألوان والخشب المستخدم في اللوحة، أو تمييز أخطاء المزورين. بالإضافة إلى أنها تساعد على تحديد تاريخ أعمال فنية أصلية لكنها غير موثقة، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج استثنائية الدقة.
درست جيهان رجائي- الباحثة في قسم الكيمياء بالجامعة الأمريكية بالقاهرة- مجال فحص الأعمال الفنية على نطاق واسع، ونشرت ورقة بحثية بعنوان “الكشف العلمي لتزوير اللوحات” (2013).  أشارت فيها إلى أسلوب علمي محدد يمكن أن يحل الخلاف حول لوحة سعيد La Fille Aux Yeux Verts  “ذات العيون الخضراء”. التي عرضت للبيع على قائمة صالة كريستي للمزادات في دبي، في أكتوبر 2007، ولكن الحكومة المصرية طلبت سحبها ووقف بيعها بدعوى كونها مملوكة للدولة، وأنها خرجت بطريقة غير قانونية. ولو كانت هناك قائمة أعمال تسويقية، أو نظام سليم للأرشفة وتتبع الأعمال المعارة من المتحف المصري للفن الحديث، أو مختبر علمي للتحقق من أصالة اللوحات، لفهمت الحكومة المصرية أن اللوحة التي في صالة كريستيز لا تخصها، ولكنها في الواقع نسخة طبق الأصل رسمها سعيد بنفسه في عام 1932 وحصل عليها تشارلز تراس، المدير الفرنسي لهيئة مصرية للفنون الرفيعة مساوية لقطاع الفنون التشكيلية الحالي. وانتقلت اللوحة لحوزة تراس في1936. في حين يرجع تاريخ اللوحة الأصلية التي يملكها المتحف لعام 1931 وتلك النسخة الأولى أعارها المتحف للسفارة المصرية في واشنطن عام 1950، ولا تزال معلقة حتى الآن في مقر إقامة ممثل مصر لدى الأمم المتحدة. هذا اكتشاف هام، أن هناك نسختان من لوحة “ذات العيون الخضراء”، الأولى اشتبه في سرقتها ولكنها في الواقع على جدار ينتمي للدولة المصرية في الولايات المتحدة، والثانية في يد مقتني صاحب مجموعة خاصة. وهو ما أكدته طبعة يناير 1936 من مجلة “الأسبوعية المصرية” La Semaine Egyptienne، والتي نشرت قائمة بلوحات سعيد مع الصور. ونوهت المجلة إلى أن لوحة “ذات العيون الخضراء”- وهي اللوحة رقم 2 في قائمة العدد- تقع ضمن مقتنيات متحف الفن الحديث في القاهرة، وأن نسخة أخرى من اللوحة- وتحمل رقم 80 في القائمة المنشورة- هي ضمن المجموعة الخاصة لتشارلز تراس بباريس.

Mahmoud Said.jpg

Mahmoud Said Girl with Green Eyes

 

تلك الإجراءات التي ذكرناها لن تقضى تماما على الصفقات المشبوهة وعمليات  تزوير الأعمال الفنية، أو المصادقة الخاطئة عليها؛ ولكنها بالتأكيد سوف تقلل منها، وستقلص البيئة الفوضوية التي تعمل في ظلها سوق الأعمال الفنية، وستوفر الثقة داخل وخارج مصر.
وتمثل منصة “محاولون” التي أطلقت مؤخرًا لأبحاث وكتابات حول الحركة التشكيلية فرصة مستقبلية جيدة لتدشين مؤسسة فكرية محايدة، يلتقي فيها أصحاب صالات العرض والتجار والباحثون والفنانون بانتظام لتبادل الأفكار ونشر مواثيق شرف لممارسات سوق الفن بشكل عام. ويستعير مشروع محاولون MHWLN اسمه من مجموعة Les Essayistes، وهي منظمة طليعية فرانكوفونية عملت في مصر أواخر الثلاثينيات. قد يتحول “محاولون” لمنصة لجمع رعاة الفن. ولدعم المشاريع  الرامية لتوثيق الفن وإقامة المؤسسات البحثية المتخصصة فيه ماليا، فالبحث عن رعاة الفن أفرادًا وشركات هو هدف هام للغاية.
إذا لم نتصرف قريبًا وظللنا صامتين، فسنشهد تآكلًا تدريجيًا لقيمة تراثنا الثقافي. وفقط عندما نقدر على حماية تراثنا سنتطلع بثقة لمستقبل مشرق. وكما قال الفنان جورج حنين (1914-1973): “اليأس هو العاصفة التي ينطلق بعدها الخلاص العظيم”.

 

 

اعلان
 
 
فاتن مصطفى كنفاني