“حروب الجيل الرابع”.. معركة ألعاب العقل والخداع النفسي
 
 

وقفت مجموعة من طلاب الكلية الحربية أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم الأحد الماضي، ينصتون له في صمت وهو يحذرهم من مخاطر “حروب الجيل الرابع”.

“الحرب دي بتستخدم دلوقتي عشان تهد الدول” يشرح السيسي الذي كان يرتدي بدلة رياضية قبل أن يسأل الطلاب: “عشان إيه يا شباب؟” فيجيبونه معا في تناغم عسكري: “تهد الدول يا فندم”.

يستمر السيسي في حوار من طرف واحد، ليحث طلاب الكلية الحربية المتطلعين إليه أن ينشروا المعلومات عن حروب الجيل الرابع بين أفراد أسرهم وأصدقائهم في فترات الإجازة، “قولوا لهم أن دي أخطر حاجة”. ثم يستطرد أن وسائل الاتصال الحديثة وعلم النفس والإعلام أصبحت تستخدم لخلق انقسامات والإضرار بمصر من الداخل، مضيفًا: “ما حدش يقدر يضر الدول إلا إذا كانت الدول بتضر نفسها”.

كما لم يفت السيسي أن يخبر الطلاب الذين التقاهم وهم يقومون بالتدريبات الصباحية أن هذه الحرب علم، وأن عليهم أن يكونوا مستعدين ومتأهبين لأي “استغلال” وإن: “ما حدش يعمل حرب معلومات عليك”. قبل أن يقول محفزًا: “الموضوع ده عمره ما راح من قدام بالي ومش عاوزه أبدا يروح من قدام بالكم”.

يشير مفهوم حروب الجيل الرابع إلى أي حرب يكون أحد الأطراف الأساسية المشاركة فيها لا يمثل دولة. وقد استخدم المصطلح كثيرا بواسطة الخبراء والمحللين الاستراتيجيين الذين تحدثوا أيضا عن حروب الجيل الخامس والسادس والسابع.

وعلى الرغم من ظهور المصطلح لأول مرة في عام 1989 بواسطة المحللين الأمريكيين، إلا أن استخدامه في مصر بدأ لأول مرة بعد ثورة يناير 2011.

يقول أحمد عبد ربه- أستاذ مساعد علم السياسة المقارن بجامعة القاهرة- لـ«مدى مصر»، إنه رغم استخدام مصطلح حروب الجيل الرابع في بعض الأدبيات الأكاديمية “إلا أن ذلك لا يعني أنه واقع”. ويشير عبد ربه في مقال نُشر في جريدة الشروق المستقلة في أبريل 2014 إلى بحث أجراه المتخصص الأمريكي أنطوليو ايشافاريا، بعنوان “حرب الجيل الرابع وأساطير أخرى”، يسخر فيه من النظرية ويفسر أن مثل هذه المصطلحات استخدمتها المخابرات المركزية الأمريكية لتبرير “فشلها في منع الهجمات الإرهابية على الأهداف الأمريكية.” ويتساءل عبد ربه عن سبب ظهور المصطلح وكثرة استخدامه بعد ثورة 25 يناير 2011. مضيفًا أن المصطلح أسيئ استخدامه في مصر لأغراض سياسية وبهدف بث الذعر بين الناس بحيث “يرفضون الديمقراطية والتعددية الحزبية والمعارضة ويقصرون ولائهم على مؤسسات الدولة والسلطات الأمنية”.

مع ذلك لا يبدو ثمة اتفاق حول طبيعة هذا الطرف الآخر في حرب الجيل الرابع. في خطاباته، يترك السيسي الأمر غامضًا، فيعزي محاولات زعزعة الاستقرار والاضطراب إلى وسائل الاتصال الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة. وفي العادة يوجه اللوم إلى النشطاء والمحتجين بسبب تطبيقهم لأجندات أجنبية ومحاولاتهم زعزعة الاستقرار.

لكن، من قال إن الرئيس لا يجد من يراجعه؟

في مساء اليوم نفسه الذي زار فيه السيسي الكلية الحربية، وتعليقًا على ما قاله أمام طلابها، احتد الصحفي إبراهيم عيسى في برنامجه التليفزيوني على السيسي لأنه لم يحدد العدو الحقيقي. وزعم عيسى أن الدولة تهدر وقتها في القبض على النشطاء ومحاربة اليساريين، في حين تتغاضى عن القوة الحقيقية المسئولة عن الانقسامات في مصر، والتي حددها بالوهابية. وتساءل عيسى موجهًا كلامه للرئيس: “إذا كنت تحذر من الانهيار في مصر، ماذا تفعل لوقفه؟ انظر لهؤلاء الذين يقسمونا فعليا بين شيعة وسنة، ومسلمين ومسيحيين.. إلخ، أنت تحميهم” في إشارة إلى السلفيين والمجموعات الإسلامية الأخرى.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها السيسي عن حروب الجيل الرابع. ففي أحد حلقات “حديث الرئيس” المذاعة في فبراير 2015، اعتبر السيسي حروب الجيل الرابع مسئولة عن تسريب تسجيل صوتي يُدَعَى أنه بينه وبين مسئولين عسكريين آخرين يسخرون فيه من قادة دول الخليج العربي. وقال في “حديثه” الذي ظهر خلاله بزي مدنية، وكان مقررًا له أنه يكون حوارًا شهريًا- من طرف واحد أيضًا- من الرئيس للشعب: “أنا بأفكر كل اللي بيسمعني. الجيل الرابع من الحروب ده جيل في منتهي الخطورة بيتم استخدامه في المنطقة بالكامل وفي مصر” وفي إشارة غير مباشرة للتسجيل المُسرب قال السيسي، إن الإرهاب ووسائل الاتصال الحديثة والشائعات والحرب النفسية كلها أدوات الجيل الرابع من الحروب؛ بهدف خلق حالة من عدم الاستقرار.  وأضاف: “أنا ممكن آخد كلام وأعمل بيه زي ما أنا عاوز. بيستخدموا التكنولوجيا والعلوم”.

في خطاب آخر ألقاه السيسي- مرتديا زيه العسكري- أمام القوات المتواجدة في شمال سيناء يوم 4 يوليو بعد هجوم ضخم شنته مجموعة ولاية سيناء الجهادية التابعة للدولة الإسلامية خلّف ما يزيد على 30 قتيلًا في صفوف القوات المسلحة المصرية، حذر مرة أخرى من حرب الجيل الرابع.

“قلت لكم مرة قبل كده وانتم عارفين ده كويس، إن الصراع الموجود ده صراع متطور، ده الجيل الرابع من الحرب”. قالها السيسي، ثم تحدث مرة أخرى عن أدوات هذه الحرب التي تشمل الإعلام ووسائل الاتصال التي تستهدف “هز إرادة المصريين.” وقال إن مثل هذه الأدوات تُستخدم لتقديم صورة غير حقيقية عن مصر واستقرارها وأمنها.

وأكد: “بعد سنتين، هو إحنا ما كناش عارفين إن ده هيكون وهيستمر معانا؟ لا، إحنا عارفين والشعب المصري عارف ومستعد انه يجابه”.

ولكن، من قال إن الرئيس لا يجد من يوافقه؟

يُعد الباحث الاستراتيجي عمرو عمار- مؤلف كتاب “الاحتلال المدني: أسرار ثورة 25 يناير والمارينز الأمريكي” الذي يدعي الكشف عن خطط لتدمير مصر من الداخل- أحد أشد المروجين لمفهوم حروب الجيل الرابع. فضلًا عن كتابه، سبق لعمار أن تحدث في عدد من البرامج الحوارية وفي عدد من الحوارات الصحفية عن الخطة الأمريكية الصهيونية للتحكم في العالم.

يؤكد عمار- العقيد المتقاعد في القوات المسلحة المصرية- “إنها لعبة جيوسياسية” مفسرا خطة الولايات المتحدة للتحكم في البترول. تشمل الخطة، بحسب نظريته، السيطرة على أوروآسيا إضافة إلى منطقة المتوسط وقناة السويس. كما يزعم أن إشاعة الفوضى في الشرق الأوسط، أو ما يشير إليه دائما بمصطلح “الربيع العبري” كان محاولة للسيطرة على الأخيرة.

في لقاء صباحي على قناة أون تي في يشرح عمار “الولايات المتحدة لديها أكثر من هدف استراتيجي في المنطقة، أحدها تفكيك الجيوش العربية لضمان أمن إسرائيل.” وأضاف، لتحقيق هذه الخطة يجب إشعال الحرب الأهلية بين السنة والشيعة ويجب أن تتحول المنطقة إلى سوق للسلاح في مقابل النفط.

“إحنا هنا في حرب عالمية تالتة” يقول عمار مفسرًا، وهو يربط الخيوط ببعضها حتى لا يختلط الأمر على المشاهدين: “اللي إحنا بنقول عليها حروب الجيل الرابع”. ثم يؤكد أنه في هذه الحرب لم تعد هناك حاجة لآلة عسكرية “وإنما مجرد تحريك قطع الشطرنج على لوحة شطرنج”.

تستدعي خطة تقسيم الشرق الأوسط ورسم خريطة جديدة، بحسب عمار، “الشعوب تنزل الشوارع من أجل إسقاط الأنظمة الحاكمة عندها، ثم إثارة الفوضى المنظمة ثم إفشال الدولة وتركيعها… بعدها تبتدي أمريكا تفرض الأجندة الصهيوأمريكية بتاعتها زي ما حصل في اليمن وليبيا”.

بحسب عمار سوف تضمن الخريطة الجديدة استقلال الدولة اليهودية. وهو يقول إن هذا يفسر سيطرة “الربيع العبري” على تونس ومصر وليبيا. مضيفًا أن مصر كانت على شفا الهاوية في ظل كل هذه الفوضى التي يرى أنها حدثت بالتنسيق مع الإخوان المسلمين، لكن ثورة 30 يونيو، كما يرى، نجحت في إفشال الخطة.

هنا، ومن ناحية أخرى، يتساءل عبد ربه: إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل وراء حرب الجيل الرابع “لماذا نتعاون معهم؟ لماذا نستورد سلاحنا من الولايات المتحدة؟”.

لكن عبد ربه لا يستبعد فكرة المؤامرة تمامًا، ولا إمكانية أن تكون مصر مستهدفة من قبل أطراف سياسية. غير أنه لا يربط ما بين ذلك وبين حروب الجيل الرابع، بل يرى أن دور الدولة أن تكون شفافة وأن تقدم معلومات محددة عن الأطراف التي تستهدف مصر وأن تكف عن التعاون معها.

اعلان