Define your generation here. Generation What
وهل تستطيع “الرقابة الإدارية” أصلًا مكافحة الفساد؟
 
 

في مشهد تناقلته كل وسائل اﻹعلام، ألقت هيئة الرقابة اﻹدارية القبض على وزير الزراعة واستصلاح اﻷراضي صلاح هلال، بعد دقائق من تقديمه استقالته بمقر مجلس الوزراء أول أمس. جاءت التفاصيل درامية على قدر الحدث، فنشرت صحيفة المصري اليوم عن مصادر أمنية أن “مسؤولون في جهات أمنية توجهوا إلى قصر الاتحادية صباح أمس، وعرضوا نتائج التحقيقات على الرئيس عبدالفتاح السيسى، وأطلعوه على المتورطين في القضية، وأبعادها، وكان من بين المتورطين وزير الزراعة، وطالبهم السيسى باتخاذ الإجراءات القانونية، وأبلغ رئيس مجلس الوزراء بقبول استقالة الوزير”. بعدها تابع ضباط الرقابة اﻹدارية سيارة الوزير، وقاموا بانتظاره عند مدخل ميدان التحرير في 4 سيارات دفع رباعي. وبعد خروجه من مقر مجلس الوزراء، استوقف الضباط سيارة الوزير، وطلبوا منهم التوجه معهم إلى إحدى سياراتهم بعد أن قاموا بإطلاعه على قرار النيابة وتفتيش سيارته.

جاء القبض على وزير الزراعة على خلفية اتهامه مع آخرين في قضية فساد كبرى كشفت عنها تحقيقات هيئة الرقابة اﻹدارية. وكشف عن تفاصيلها بيان صادر من النائب العام. تمثلت لائحة الاتهامات في أن الوزير ومدير مكتبه قبلوا رشاوى عينية من رجل اﻷعمال أيمن رفعت الجميل عبر وسيط هو محمد فودة مدير مكتب وزير الثقافة السابق، وطلبوا منه بعض العقارات في مدينة السادس من أكتوبر مقابل تسهيل عملية تقنين مساحة أرض قدرها 2500 فدان بمنطقة وادي النطرون، في قضية كبيرة تشير العديد من التقديرات إلى تورط عدد أكبر من المسؤولين فيها.

كان رئيس الوزراء إبراهيم محلب قد اختار صلاح هلال وزيرًا للزراعة في تعديل وزاري أجراه في مارس الماضي قبيل انطلاق المؤتمر الاقتصادي بهدف “ضخ دماء جديدة في شرايين الحكومة”، حسبما صرح محلب وقتها. وتم الانتهاء من اختيار الوزراء الجدد، حسبما صرحت مصادر رئاسية لجريدة المصري اليوم وقتها، “من خلال تقارير تعكس مدى شفافية عملهم سابقًا”، وهي التقارير التي يأتي إعدادها ضمن مهام هيئة الرقابة اﻹدارية.

تأسست الهيئة التي سطع نجمها في اﻷيام الماضية كهيئة مستقلة سنة 1964 بقرار من الرئيس جمال عبدالناصر. يشرح عمرو عادلي- الباحث في معهد كارنيجي- أن تأسيس الهيئة جاء وقت اعتماد الخطة الخمسية اﻷولى في أوائل الستينيات، وهي خطة تسببت في صدام مكتوم بين عبد الناصر وبين الجهاز الحكومي وقتها، بعد أن اتهم ناصر جهازه الحكومي بوجود “عناصر رجعية” داخله. يرى عادلي أن إنشاء الجهاز كان بهدف السيطرة على الجهاز اﻹداري للدولة وضبط المناوئين، باﻹضافة إلى ضبط الفساد داخل جهاز الدولة كي يتمكن من التماشي مع الخطط الاجتماعية والاقتصادية لنظام الحكم.

بحسب قانون إنشاءها، فإن الهيئة تتبع رئيس مجلس الوزراء ويتم تعيين رئيسها من قبل رئيس الجمهورية، وهو ما يجعلها هيئة رقابية تابعة للسلطة التنفيذية. يوضح عاصم عبدالمعطي- الوكيل السابق للجهاز المركزي للمحاسبات ورئيس المركز المصري للشفافية ومكافحة الفساد- أن قوانين إنشاء اﻷجهزة الرقابية تجعل ولائها للسلطة التنفيذية، وهو أمر مخالف للأعراف والقوانين الدولية، ويستدعي القول بأنها “غير مستقلة”. يؤكد عبدالمعطي أنه “لا يمكن أن أمارس رقابة على اﻷشخاص المسؤولين عن تعييني”. كما يرى عادلي أيضًا أن تبعية الجهاز للسلطة التنفيذية تجعله قابلًا للتسييس “إن لم يكن مسيسًا بالفعل”. ويضيف أيضًا أن التعيين بداخل هيئة الرقابة اﻹدارية يكاد يكون مقتصرًا على اﻷجهزة اﻷمنية من الشرطة والجيش، حتى أن تعديلات قانون الهيئة التي تم إجراؤها في عام 1983 أضافت جدولًا ينظم وضع من ينقل من ضباط القوات المسلحة أو هيئة الشرطة إلى هيئة الرقابة الادارية في الفئة المعادلة لرتبته التي يشغلها وقت النقل.

بالنسبة لعادلي، فإن الجهاز المركزي للمحاسبات كان أكثر اﻷجهزة الرقابية تمتعًا بالاستقلالية نسبيًا.

يتفق أسامة دياب- الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية- على أن الجهاز المركزي للمحاسبات تمتع باستقلالية أكثر من باقي الهيئات الرقابية، وتوضح التعديلات التي جرت على قانونه عبر تاريخه درجات مختلفة من الاستقلال، لكنه يضيف أن هيئة الرقابة اﻹدارية لم تتمتع يومًا بأي شكل من أشكال الاستقلال. يرى دياب أنه بسبب كل هذا فإن مكافحة الفساد في مصر “مسألة سياسية” بشكل كبير وليست عن رغبة حقيقية في مواجهة الفساد الحكومي.

كان الرئيس عبدالفتاح السيسي قد أجرى تعديلات على قانون الهيئات الرقابية اﻹدارية وأصدر قرارا بقانون أعطى لنفسه بموجبه صلاحية إعفاء أعضاء الهيئات المستقلة والرقابية من مناصبهم. بالنسبة لدياب، فإن هذا القانون ينزع من استقلال الهيئات الرقابية ويؤشر على غياب أي رغبة حقيقية في مكافحة الفساد فعلًا. كانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قد أصدرت بيانًا لها تعليقًا على القانون الذي أصدره السيسي، جاء فيه أن القانون “يرفع العديد من علامات الاستفهام حول ظروف صدوره بهذا الشكل في هذا التوقيت، وعن نوايا مؤسسة الرئاسة التي قررت أن تعطي نفسها مثل هذه الصلاحية المهمة في هذا الوقت، وهي الصلاحية التي تؤدي إلى المزيد من الترسيخ لصلاحيات السلطة التنفيذية على العموم ومؤسسة الرئاسة تحديدًا، مما يضر بمبدأ الفصل بين السلطات وجهود مكافحة الفساد”. وأوضح البيان أنه حتى قبل صدور القانون الأخير كان هناك “تعارض بين الأطر التشريعية المنظمة لعمل الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من جهة والمواد الدستورية للدستور الحالي الخاصة بتلك الهيئات من جهة أخرى” إلا أن القانون الجديد “يزيد الفجوة اتساعًا بين القوانين المنظمة لعمل الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية والدستور”. يذكر أن المادة 215 من الدستور الحالي تنص على تمتع الهيئات واﻷجهزة الرقابية “بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال الفنى والمالي والإدارى، ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين، واللوائح المتعلقة بمجال عملها. وتعد من تلك الهيئات والأجهزة البنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية، والجهاز المركزي للمحاسبات، وهيئة الرقابة الإدارية.” كما تنص المادة 216 على أنه “يصدر بتشكيل كل هيئة مستقلة أو جهاز رقابى قانون، يحدد اختصاصاتها، ونظام عملها، وضمانات استقلالها، والحماية اللازمة لأعضائها، وسائر أوضاعهم الوظيفية، بما يكفل لهم الحياد والاستقلال”. وهي النصوص الدستورية الذي يعتبر البيان أن قانون السيسي الجديد يتعارض بشكل صريح معها.

يذكر أن الحكومة، برئاسة المهندس إبراهيم محلب، قد أقرت في أواخر نوفمبر الماضي الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، والتي تمثلت أهدافها في “الارتقاء بمستوى أداء الجهاز الحكومي والإداري للدولة، وتحسين الخدمات الجماهيرية، وإرساء مبادئ الشفافية والنزاهة لدى العاملين بالجهاز الإداري للدولة، سن وتحديث التشريعات الداعمة لمكافحة الفساد، وتطوير الإجراءات القضائية لتحقيق العدالة الناجزة، ودعم الجهات المعنية بمكافحة الفساد”، حسبما نقلت تقارير صحفية. وأعلنت الحكومة إطلاق الاستراتيجية في احتفال تم إجراؤه في هيئة الراقبة اﻹدارية أوائل ديسمبر الماضي بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد ومرور 50 عامًا على إنشاء الهيئة. وفي الاحتفال، قال محلب إن “الدولة ستتوسع فى الخدمات الإلكترونية حتى تصل إلى المواطن دون اتصال مباشر لمكافحة الفساد، وإنها تعلن انحيازها لمكافحة الفساد، مناشدا الموظفين وقادة الإعلام والمواطنين عدم التهاون مع الفاسد”.

لكن عمرو عادلي يرى أن مكافحة الفساد في مصر، التي تبلغ ترتيبها 94 من 175 في مؤشر الفساد الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية بدرجة 37 من 100، تحتاج إلى ما هو أكبر من هذا. يتفق دياب مع عادلي ويرى أنه في ظل غياب عمل مؤسسي مستقل لمكافحة الفساد فإن جهود اﻷجهزة الرقابية ستظل حبيسة المجهودات الفردية التي يقوم بها بعض العاملين بهذه اﻷجهزة. يتذكر دياب على سبيل المثال قضية القصور الرئاسية التي أدين فيها مبارك ونجليه بالاستيلاء وتسهيل الاستيلاء بغير حق على أموال إحدى جهات الدولة بأكثر من 125 مليونا من الجنيهات، والتي كشفها معتصم فتحي، الضابط السابق بهيئة الرقابة اﻹدارية، في 2011 عبر بلاغ تقدم به إلى النائب العام، قبل أن يتم تجريده من رتبته ونقله لوظيفة مدنية مكتبية في إدارة الشئون القانونية بوزارة التجارة بعد عزل مرسي في 2013. كان فتحي قد اتهم محمد فريد التهامي، رئيس هيئة الرقابة اﻹدارية اﻷسبق الذي عاد إلى المشهد كمدير للمخابرات العامة بعد عزل مرسي، بتجاهل أدلة قدمها ضباط الرقابة الإدارية وقت رئاسته للهيئة، أو منع إجراء تحقيقات في قضايا جديدة، أو رفض الموافقة على إحالة بلاغات مكتملة إلى السلطات القضائية. يذكر أن مذكرة التحقيقات الأولى في القضية، التي حررها الضابط معتصم فتحي في مارس 2013 ورسمت الإطار العام للقضية، قد أشارت إلى رئيس الوزراء إبراهيم محلب بالاسم كشريك في جريمة الاستيلاء على المال العام.

يرى عاصم عبدالمعطي أن أساليب مكافحة الفساد ما زالت قاصرة، وأن مصر ما زالت بحاجة إلى مجموعة أخرى من القوانين لحماية الشهود والمبلغين عن قضايا الفساد، ومساءلة الوزراء، وتداول المعلومات. يتفق عادلي مع عبدالمعطي ويضيف أن مكافحة الفساد لا بد أن تشمل جوانب أخرى من ضمنها وجود إعلام مستقل ومجتمع مدني أكثر تنظيمًا وبرلمان يمارس قدرًا من الرقابة ونظام قضائي أكثر استقلالية وكلها جوانب “غير موجودة” تجعل من البنية نفسها مساعدًا على الفساد، وهو ما يجعل قضية الفساد التي سقط فيها وزير الزراعة وآخرين قضية غرضها “دعاوى دعائية” أكثر من أي شئ آخر.

اعلان
 
 
محمد حمامة