Define your generation here. Generation What
أزمة “التحرير”.. صحفيون بين مطرقة رجال اﻷعمال وسندان النقابة
 
 

يدخل اعتصام صحفيي “التحرير” بمقر نقابة الصحفيين أسبوعه اﻷول احتجاجًا على إغلاق النسخة الورقية من جريدتهم وبدء إجراءات تسريح عدد منهم، بينما تستمر اﻷزمة بلا أي أفق للحل.

كان أكمل قرطام- رئيس الجمعية العامة للشركاء بجريدة “التحرير”- قد أعلن في بيان أصدره يوم السبت الماضي، أنه سوف يتم إعادة طبع جريدة “التحرير” بشكل أسبوعي، بأعداد محدودة ابتداءً من الخميس اﻷول من شهر أكتوبر المقبل، لكن نقابة الصحفيين رفضت محاولات قرطام، وقرر مجلس النقابة مخاطبة المجلس اﻷعلى للصحافة من أجل منع إصدار الجريدة بشكل أسبوعي. ويقول محمود كامل- عضو مجلس نقابة الصحفيين وأحد أعضاء اللجنة المشكلة لمتابعة أزمة صحفيي “التحرير”- إن قرار إدارة جريدة “التحرير” بإعادة الطبع بشكل أسبوعي وبأعداد محدودة يمثل محاولة للتحايل على مطالب الصحفيين، وهو ما دفع النقابة لرفض القرار.

كان مجلس إدارة مؤسسة التحرير للطباعة والنشر، التي تصدر الجريدة، قد أعلن أواخر الشهر الماضي في بيان له قراره بالتوقف عن طباعة جريدة “التحرير”، ابتداءً من صباح الأول من سبتمبر 2015، استكمالًا لتوجه الملاك الجدد للجريدة، والذي كان مقررًا منذ استحواذهم عليها في مايو 2013. وأكد البيان على أن قرار اﻹغلاق جاء “لإيقاف نزيف الخسائر المستمر والمتراكم وللتركيز والتوسع في الصحافة الإلكترونية”.

ردًا على القرار، وبعد 5 أيام من صدوره، أصدرت نقابة الصحفيين بيانًا، جاء فيه أن مجلس النقابة يعلن “رفضه الكامل للإجراءات التي اتخذها أكمل قرطام- مالك جريدة “التحرير”- والتي تستهدف إغلاقها وتشريد الصحفيين العاملين بها”، مؤكدًا أن “الإجراء الذي اتخذه مالك الصحيفة بشكل مفاجئ وفردي جاء بالمخالفة للقانون ونصوص الدستور، والتي تمنع بأي شكل إغلاق أو مصادرة الصحف”، وأن “اللجوء إلى إجراء التصفية كباب خلفي للإغلاق يحتاج إلى إجراءات قانونية طويلة تكون النقابة طرفًا فيها، وهو ما خالفه مالك الصحيفة”. كما أكد مجلس النقابة أنه “سيتصدى بكل قوة لأية محاولة للتلاعب بحرية الإصدار وتحويلها لباب خلفي للإضرار بمصالح الزملاء”، وشدد على “التزامه [مجلس النقابة] الكامل بالحفاظ على حقوق الزملاء” عبر مجموعة من اﻹجراءات منها: “إعداد قائمة سوداء لأعداء حرية الصحافة من الملاك تضم أي رجل أعمال أو مالك صحيفة يتلاعب بالإصدارات”، باﻹضافة إلى تشكيل لجنة لمتابعة ملف إغلاق الجريدة و”إعادة النظر في كل إجراءات القيد وبنود التعاقد التي يتم إبرامها بين جهات العمل والصحفيين وضمانات علاقات العمل بما لا يهدد حقوق الزملاء، وبخاصة في الصحف والمؤسسات الخاصة”.

لكن محمود حسن- الصحفي بجريدة “التحرير”- يرى من جانبه أن موقف النقابة يشبه “مواقف جامعة الدول العربية”؛ حيث تحمل البيانات التي تصدرها “شجبًا واستنكارا”، لكن “إيديها مغلولة” عن اتخاذ أي إجراء حقيقي. يقول حسن إنه بعد أن توقفت الجريدة المطبوعة، قررت اﻹدارة أن تعرض على الصحفيين تعويضات بقيمة راتب شهرين عن كل عام مقابل التوقيع على استقالتهم وقرار بإخلاء طرفهم من الجريدة. وتسبب العرض- حسبما يروي حسن- في إحداث انقسام كبير بين الصحفيين؛ حيث وافق العديد منهم على قبول التعويض والرحيل باعتبار أنهم لا يملكون حلًا آخر، في حين لم يرفض صحفيون آخرون المبدأ لكنهم رفضوا المبلغ المطروح؛ حيث يعمل أغلبهم منذ أكثر من عامين، بينما لا تغطي التعويضات سوى آخر عامين فقط، منذ أن استحوذ الملاك الجدد على الجريدة. أما البعض اﻵخر فقد رفض العرض بشكل كامل، وهو ما جعل إدارة الجريدة تتقدم بعرض آخر: إذا كنت ترغب في استمرارك بالعمل، سنجري لك اختبارًا بحيث يُسمح للناجحين فقط بالاستمرار في العمل، على أن يفقد الراسبون حق الحصول على شيك التعويض. بالنسبة لحسن؛ فإن كل هذا أحدث انقسامًا كبيرًا في مواقف الصحفيين المتضررين.

يوضح حسن أيضًا أن أقلية من صحفيي “التحرير” يتمتعون بعضوية نقابة الصحفيين. لكن اﻷزمة اﻷكبر هي أزمة الصحفيين غير المعينين. طبقًا لقانون نقابة الصحفيين؛ فإن الصحفي لا بد أن يكون عاملًا في إحدى الصحف المطبوعة الصادرة، وهو ما يعني أن هؤلاء الصحفيين قد فقدوا فرصتهم في عضوية النقابة بعد توقف الجريدة.

كانت نقابة الصحفيين قد تقدمت منذ أيام ببلاغ ضد أحد اﻷشخاص تتهمه فيه بانتحاله صفة صحفي؛ ﻷنه ليس عضوًا بنقابة الصحفيين، ورغم أن الشخص محل البلاغ والواقعة بأكملها بعيدة عن سياق ما يجري في جريدة “التحرير”؛ فإن البلاغ الذي تقدمت به النقابة يعني ضمنيًا أن الصحفي هو عضو النقابة فقط. بالنسبة لحسن؛ فإن هذا يفتح الباب أمام تساؤل مشروع وهو: كيف يمكن توفير حماية للصحفيين غير أعضاء النقابة، وهو حال أغلبية الصحفيين في معظم الصحف الموجودة؟

بدوره، يرى كامل، أن الصحفي هو أي ممارس لمهنة الصحافة وليس أعضاء النقابة فقط. ويوضح أن النقابة لا تتوانى في الدفاع عن الصحفيين بغض النظر عما إذا كانوا أعضاءً بها أم لا، ويضرب مثلًا بتدخل النقابة في اﻹفراج عن 3 صحفيين متدربين من جريدة “المصريون”، كان قد تم القبض عليهم أثناء تغطيتهم لبعض اﻷحداث على الرغم من أنهم ليسوا أعضاء بها. لكن حسن يتساءل هنا عما كانت النقابة تفعله طوال سنين عمل بها الصحفيون دون عقود عمل موثقة وبلا تأمينات ومعاشات، وهي الشروط المطلوبة كي يسمح للصحفي بالتقدم لطلب عضوية النقابة. يرى حسن أن النقابة تجاهلت متابعة عمل الصحفيين في الصحف الخاصة، كما تجاهلت الدفاع عن حقوقهم طوال سنين، وهو ما يجعلها غير قادرة على الدفاع عن حقوقهم اﻵن.

لكن أحد المصادر الذي تحدث معه «مدى مصر» داخل النقابة- والذي رفض نشر اسمه- قال إنه ﻷول مرة يأتي موقف النقابة في أزمة صحفيي “التحرير” متقدمًا عن موقف الصحفيين المتضررين أنفسهم. بالنسبة له؛ فإن انقسام الصحفيين كان هو السبب اﻷهم في إضعاف موقفهم في مواجهة إدارة جريدتهم.

لكن يبدو أن اﻷزمة لن تتوقف عند جريدة “التحرير”.

كان هشام قاسم، أحد مؤسسي جريدة “المصري اليوم”، قد أعلن في مطلع الأسبوع عن عودته للصحيفة من أجل القيام بإعادة هيكلة تشمل تسريح العديد من الصحفيين من أجل وقف نزيف الخسائر. باﻹضافة إلى هذا، يستمر الحديث في أوساط صحفيين عن خطط مشابهة في جريدة “الوطن”، باﻹضافة إلى عملية تسريح الصحفيين المستمرة بشكل جزئي ومتقطع في جريدة “الشروق”.

يرى حسن أن المشكلة تكمن في آليات عمل الصحافة الخاصة نفسها، ويضيف أنه بالنسبة لرجل اﻷعمال؛ فإن الصحافة حين تتحول إلى مسألة لا تتعلق إلا بالربح والخسارة، فإن مواقفهم ستصبح منطقية في إنشاء الصحف وإغلاقها. لهذا يرى أن المسؤولية اﻷساسية تقع على عاتق النقابة نفسها في ضمان حقوق الصحفيين العاملين بهذه المؤسسات. أما بالنسبة لكامل؛ فإن أزمة “التحرير” هي بداية الخيط الذي سيسحب باقي صحف القطاع الخاص، لهذا كان يتمنى أن يكون لصحفيي “التحرير” رؤية موحدة في كيفية التعامل مع اﻷزمة؛ ﻷنه سيصبح نموذجًا قد تحتاجه باقي الصحف قريبًا. ويتفق كل من كامل وحسن على أنه لا بديل عن تغيير قانون النقابة من أجل السماح باستيعاب الصحفيين، وتغيير متطلبات عضوياتهم لتوفير حماية حقيقية لهم في مواجهة ما يبدو أنها موجة من اﻷزمات المقبلة.

اعلان
 
 
محمد حمامة