Define your generation here. Generation What

الإخوان من يناير إلى يونيه: ثوريون نعم… ولكن أي ثورة؟! (٣)

لفهم مواطن الالتباس في رؤية الاشتراكيين الثوريين بشأن حدود المعسكرات الثورية والثورية المضادة من المفيد الرجوع إلى الفقرة ١٧ من الورقة التوضيحية التي أصدروها في الرابع عشر من يوليو، والمتعلقة بالتمييز بين ثوريي الإخوان الدافعين لمواجهة مع “النظام”، وإصلاحيي الجماعة المهادنين. لا ننكر أن هناك جناحًا ثوريًا في اﻹخوان يدفع باتجاه هذه المواجهة، ولكن كما تهدر الورقة الفروق ما بين مضامين المشروعات الإصلاحية تهدر كذلك الفروق بين مضامين هذه المشروعات الثورية. السؤال هنا ليس ما إذا كان هناك سعي للمواجهة مع “النظام” من عدمه، ولكن السؤال يجب أن يتركز حول مضمون هذه المواجهة وما إذا كانت مواجهة تبتغي الدفاع عن القيم والإجراءات الديموقراطية حتى في صيغتها الليبرالية/التمثيلية الضيقة، أم أنها مواجهة تستلهم رموزًا ومضامين بالغة الرجعية والشمولية. عند الحديث عن مضمون المواجهة، تستعمل الورقة وصفًا بالغ الكرم والسخاء بحق اﻹخوان، إذ تصف الفقرة نفسها مواقفهم حول هذه القضايا الديموقراطية بـ “المبهمة”. بل تذهب الورقة إلى ما هو أبعد من ذلك، وتشدد على أن كل ما نراه من رجعية في مواقف الإخوان مردها في الحقيقة إلى محافظة الطبقة الوسطى المصرية المعتادة، وليس إلى برامج الإخوان الواضحة المعلنة للجميع. وترى الفقرة نفسها أن هذا “الإبهام” لا ينفي الجوهر الديموقراطي لهذه المطالب.

هنا من حقنا أن نتساءل عن الأساس الذي بني عليه كُتاب الورقة حكمهم هذا، هل هو برامج الجماعة المختلفة الموجهة لصناع القرار الغربيين بالأساس مثلًا؟ أم ما تلوكه ألسنة بعض قياداتها على شاشات “الجزيرة” مثلًا وغيرها من المنابر؟ ما ينبغي أن يركز عليه التحليل في الحقيقة هو المتاح من مصادر التكوين الفكري الإخواني، والتي تحدد تعريف منتسبيها لأنفسهم ودورهم وعلاقتهم بالمجتمع ككل. الاسم الذي يواجهنا بمجرد التنقيب في هذه الأصول هو بالطبع اسم سيد قطب مرة أخرى، والذي يهمين اليوم على وعي شباب الجماعة بدورهم وطبيعة مواجهتهم مع النخبة الحاكمة أكثر من أي وقت مضى. والرواية القطبية السابق التعرض لها في الحقيقة ليست إصلاحية بأي حال من الأحوال، ولكنها رواية ثورية بامتياز: رواية ثورية ذات مضمون شمولي قح يدفع بالملمح الأبوي للفكرة الإسلامية، وبشعور اﻻغتراب لدى متعلمي الطبقة الوسطى لآفاق غير مسبوقة آيتها هي “التعالي بالإيمان” ووصم المجتمع كله “بالجاهلية” كما سبق الذكر. أي أنها ثورة تقترب من مفهوم الانقلاب في الحقيقة، أية ثورة تحدث رغمًا عن المجتمع وليس عبر المجتمع ولا بالاستناد إلى قواه. هي ثورة فرقة ناجية أو طائفة منصورة تسعى لتأسيس فردوسها عبر بناء إنسان جديد بالاستناد إلى ذات التقنيات الحداثية، كما يتضح في الرغبة بالتحكم المركزي في التعليم والإعلام ومجالات الثقافة وغيرها من مكونات الجهاز الإيديولوجي للدولة خلال فترة حكم الإخوان القصيرة.

في هذا السياق، كانت انتفاضة يناير ٢٠١١، بالنسبة لقواعد الجماعة بمثابة تصديق للرواية القطبية أكثر من كونها نفيًا لها، إذ إنها انتفاضة أقلية “ربّانية”– وفقًا لتوصيف مرشد اﻹخوان محمد بديع- استطاعت أن تجترح معجزة متكاملة الأركان في ظل محيط معادٍ أو متشكك أو لا مبالي، بل وأن تجُر هذا المحيط خلفها على مدار عامين. ومن ثم فالاندفاع نحو اليمين الإسلامي، السلفي والجهادي والثوري، بعد الإطاحة بمبارك كان مستندًا إلى جذر إيديولوجي عميق بخلاف الضرورات العملية التي حتمت على قيادات الجماعة التقارب مع هذه الفصائل- والذي بدأ بتأسيس الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح في أبريل ٢٠١١- بهدف ابتزاز المكون “الأمني- العسكري” في التحالف الحاكم وخوفًا على عقد “شباب الجماعة” نفسه من الانفراط. في المقابل، كانت “القيادات” المهادنة منهمكة في تسويق نفسها لدى العواصم ذات التأثير في القرار المصري بوصفها قوة ديموقراطية معتدلة قادرة على التوافق مع مكونات الحلف الحاكم وبيروقراطية الدولة دونما أي تغيير يذكر في طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية أو الدفاعية القائمة، أي باختصار إبقاء الوضع كما هو عليه مع الاقتصار على “تغيير النظام”، أي الإطاحة بمبارك وولده.

هنا كان الثوري في الجماعة هو الأكثر رجعية في الحقيقة بينما كان الإصلاحي هو الأكثر انفتاحًا، ولو شكليًا، على قيم الديموقراطية. كان الثوري في الجماعة هو الأكثر عداءً للقوى “العلمانية”، الثورية منها قبل الإصلاحية، بينما كان الإصلاحي هو الأكثر قدرة على مد الجسور مع هذه القوى. وكان الثوري في الجماعة لا يبدي أي اكتراث يذكر بمسألة العدالة الاجتماعية- بل على العكس كان معجبًا بمهاتير محمد ورجب أردوجان وبعض مشايخ الخليج ممثلي الرأسماليات الأبرز في عصرنا في العالم الإسلامي-، بينما كان الإصلاحي هو المنفتح– أيضًا شكليًا على الأقل- على الرؤى النقدية للسياسات الاقتصادية التي قادتنا إلى لحظة يناير والتي استمرت بحذافيرها في مصر ما بعد الثورة. وكان الطرفان مذعوران من الأفق الديموقراطي الجذري الذي فتحته انتفاضة يناير، والذي تمثل في طيف واسع من التوترات التي شملت أوجه الحياة الاجتماعية كافة تقريبًا، من أول التمردات الحضرية الواسعة التي تركزت حول قضايا توزيع الثروة والعلاقة مع أجهزة الدولة القمعية والخدمية مرورًا بالنضالات العمالية الكلاسيكية، والتي دفعت بمسألة الحريات النقابية لمركز الجدل العام، ثم النضالات القبطية المتمردة على سياسات التمييز وعلى واقع الطائفية بشكل عام وحتى التوتر حول المسألة النسوية والجنسية. لم يدرك الثوري هذه التوترات إلا من زاوية محاولات استغلالها والنفخ فيها “علمانيًا” للقفز على ثورته الربانية وسعيًا لتهميشه على خلاف نتائج النجاحات الانتخابية المتتالية منذ استفتاء مارس ٢٠١١ وحتى انتخاب مرسي، بينما رآها المهادن تهديدًا لصفقته التاريخية مع رعاة مبارك التاريخيين وباقي مكونات الحلف الحاكم وممثله العسكري الجديد. والاثنان يتفقان على ضرورة تصفية هذا الأفق بكل السبل القمعية والدستورية والقانونية. أما العناصر الأكثر انفتاحًا من ثوريي الجماعة وإصلاحييها معًا فلم تستوعبهم الجماعة في اندفاعها اليميني وخرجت سريعًا على دفعتين، كما في حالة نشطاء حزب “التيار المصري” ثم مجموعة “أبو الفتوح”.

باختصار شديد، كان الوضع معاكسًا تمامًا لتصورات الاشتراكيين الثوريين: كانت القواعد أكثر رجعية ووضوحًا في رجعيتها من القيادات المهادنة التي تبنت صيغة مخففة من هذه الرجعية. لم يكن هناك شيء “مبهم” في رؤية هذه القواعد إذن والتي ضغطت من أجل مزيد من التقارب مع قوى اليمين الإسلامي، كما حدث في حالة الهيئة الشرعية ثم مع حازم أبو إسماعيل، ومن أجل دستور يتنكر لجملة الحريات المدنية التي تمخضت عنها مسيرة الحداثة المصرية المعقدة. وتحت ضغط هذه القواعد وجموحها “الثوري” فشلت القيادات “المهادنة” في الخروج من الشرنقة القطبية وإدارة علاقة أكثر مرونة مع باقي مكونات الحلف الحاكم إلى أن انتهى بها المقام معزولة تمامًا في ٣٠ يونيه ٢٠١٣. واليوم يرفض “ثوريو” اﻹخوان بيان اﻻشتراكيين الثوريين، بينما يرحب ببيانهم اﻹصلاحيون المهادنون أمثال جمال حشمت وعمرو دراج والساعون لإعادة تسويق الجماعة في العواصم الغربية وعبر وسائل إعلامها. أي أن بيان الاشتراكيين الثوريين الساعي لكسب خاطر الثوريين في الإخوان ينتهي به المقام في يد المهادنين أنفسهم كأحد صكوك إمكانية لعبهم دورًا محتملًا في حماية المصالح الغربية للمنطقة أو لحجز مكان في حلف إقليمي رجعي يرعى دعاية مذهبية فجة، ويلعب فيه الإخوان أدوارًا وظيفية كما في اليمن وسوريا. ألا تستدعي هذه المفارقة التوقف والتأمل يا رفاق؟!

السؤال الآن: إذا كان الحراك الإخواني الحالي هو في النهاية حراك ثوري ذو مضمون رجعي وشمولي، فبماذا نصف هذه الثورة الإخوانية إن لم تكن ثورة مضادة؟ تقدم الورقة إجابة شكلية بدورها تستند إلى فهم مقحم على السياق المصري والعربي عمومًا لمسألة الثورة المضادة. يبدو أن الرفاق في اﻻشتراكيين الثوريين يتبنون مفهومًا للثورة المضادة مستدعى من خبرة ثورات القرن التاسع عشر اﻷوروبية أيضًا، تصبح بمقتضاه القوى التي تستحق أن تصنف كقوى ثورة مضادة هي فقط القوى الساعية ﻻستعادة النظام الساقط بحذافيره أو الـ Ancien Regime على أن تكون قوى صاعدة من داخل مؤسسات الدولة، كالملكيين الفرنسيين عقب ثورات ١٧٨٩ و١٨٣٠ و١٨٤٨ أو “القوى البيضاء” عقب ثورة ١٩١٧ في روسيا. وفقًا لهذا المعنى الضيق فاﻹخوان لا يمكن أن تصنف كقوة ثورة مضادة بالطبع. ولكن ليس فقط الإخوان هم من يستعصون على هذا الوصف، داعش كذلك لا يمكن توصيفها كثورة مضادة؛ ﻷنها ﻻ تسعى ﻹعادة النظام القديم بحذافيره حتى ولو كانت تناضل من أجل تأسيس كابوس متكامل على وجه اﻷرض. بل دعنا نشدد ابتغاءً للدقة، أن الطرف الوحيد الذي يمكن وصفه بالثورة المضادة وفقًا لمعيار الاشتراكيين الثوريين هو الفريق أحمد شفيق ورجاله من فلول الحزب الوطني. وﻻ حتى السيسي بالمناسبة يمكن القطع بانتمائه لمعسكر الثورة المضادة وفقًا لهذا الفهم الضيق بدليل صراعه شبه المعلن مع شفيق ومحاولته اﻻبتعاد عن نموذج نادي المصالح المتحلق حول شخص الرئيس على غرار الحزب الوطني وقت مبارك.

في المقابل، يعتقد أنصار مقولة: “ثورة مضادة بجناحين أحدهما عسكري والآخر إسلامي”، والذين ينتقدهم البيان والورقة- وأنا لا أصنف نفسي ضمنهم بشكل كامل- أننا يجب أن نوسع نطاق المفهوم وندخل عليه اعتبارًا موضوعيًا ونحرر أنفسنا من تجارب أوروبا الغربية قليلًا. وبالتالي فأية قوة سياسية معادية لمسار تحرر المستغلين من أسر العلاقات الاجتماعية الضاربة بجذورها في تاريخ التحديث الرأسمالي في مصر- والتي فتحت لهم ثورة يناير للمرة اﻷولى فرصة حقيقية لممارسة هذا التحرر- هي قوة ثورة مضادة بامتياز. وفقًا لهذا الفهم، فالإخوان والحركة الإسلامية بالمجمل هي قوى تنتمي في النهاية لمعسكر الثورة المضادة. ووفقًا لذات الفهم أيضًا لا يحتكر الإخوان أو الإسلاميون صفة الثورة المضادة تلك، بل يتسع المجال لإدراج قوى تصف نفسها بالمدنية داخل جهاز الدولة وخارجه تحت التصنيف نفسه. والتمايزات بين مشاريع الثورة المضادة تلك هي تمايزات نوعية وﻻ يجوز مقارنتها ببعضها البعض إﻻ في لحظات نادرة ومفصلية بالمناسبة كلحظة ٢٥ يناير نفسها، حينما كانت الحركة الجماهيرية سابقة للجميع (كيف يمكن مقارنة مشروع شفيق بمشروع الإخوان مثلًا في المطلق وعلى أي أسس؟ وكيف يمكن الحكم بأيهما أكثر ديموقراطية أو تقدمية من الآخر؟!).

 ألا يعتبر هذا التأويل الأخير لفكرة الثورة المضادة مبالغًا فيه أو متعسفًا؟ ربما… ولهذا أشرت أني لا أتفق معه بشكل كامل. ولكن لهذا السبب أيضًا يجب من وجهة نظري الاقتصاد في استخدام هذا المصطلح وغيره عمومًا- كمصطلح “الإصلاحية”-، إذ إن الإسراف في توظيفه يعني فقدان قدرته التحليلية ببساطة. ولكن ما لا يمكن تأويله من وجهة نظري، بغض النظر عن المسميات، هو جوهر مشروع الإخوان وعموم التيار اﻹسلامي حاليًا بوصفه أحد المشاريع المطروحة للإجهاز على الأفق الديموقراطي الجذري الذي فتحته ثورة يناير بدعم سخي من تحالفات اجتماعية بالغة الرجعية واﻻنحطاط، وبهدف إلحاق الغالبية الساحقة من شعوب المنطقة بحظيرة التبعية والتهميش الرأسمالي مرة أخرى باسم الهوية أو النهضة أو الشرعية أو غيرها من المسميات. بهذا المعنى، فالإخوان قوة معادية بشكل أصيل لمشروع القوى المدنية الديموقراطية بشكل عام، ولمشروع اليسار الاشتراكي على وجه الخصوص.

والحراك الثوري الإخواني الحالي هو حراك مدفوع، على مستوى القواعد على الأقل، بقراءة قطبية لما حدث في ٣٠ يونيه ٢٠١٣ مماثلة لقراءة يناير ٢٠١١. فبينما أفضت انتفاضة يناير، التي التحق بها الإخوان، إلى مزيد من العزلة، كان من المنطقي أن تفضي انتفاضة شعبية ضد الإخوان إلى عزلة مضاعفة وبارانويا مكتملة الأركان. فما حدث في ٣٠ يونيه ٢٠١٣ كان تصديقًا للفكرة القطبية الأصيلة أن الجماهير غير المعرفة تلك سهلة الخداع قليلة الحيلة ويسهل التلاعب بها، ومن ثم فمناط الرهان “الثوري” هو على الطليعة ذات العقيدة الصافية القادرة على إدارة مواجهة كفؤة ومنظمة مع أدوات القمع بغض النظر عن وضع الحراك الجماهيري، أو بالأحرى عبر تحييد “الشعب” لا عبر استرضائه. وهو مشروع يستبدل الناس هنا-وهم موضوع للتربية وإعادة التأهيل كما سبق الذكر- بمجموعة من القوى كلها رجعية سواء أكانت عناصر في العائلة المالكة القطرية والسعودية أم قوى متوهمة داخل الجيش، ويسعى هذا الحراك عبر سيناريو لإنهاك أو إفشال الدولة لدفع حلفاء السيسي في الغرب أو الإقليم لمراجعة رهاناتهم، مما قد يسفر عن انقلاب عسكري جديد يعيدهم لاستئناف ما بدأوه من تأسيس شمولية متكاملة عبر انتخابات حرّة ونزيهة. وهنا يعود ثوريو الجماعة للالتقاء مع مهادنيها مرة أخرى على أرضية تسويق مشروع الإخوان كرصيد للمشروع المذهبي الرجعي المرعي سعوديًا تحت ضغط التنافس الاستراتيجي مع إيران كما سبق الذكر.

ويلاقي هذا السعي هوى أو صدى مع الوعي العام لهذا القسم المتميز من أقسام الطبقة الوسطى المتعلمة الذي افتتحنا مقالنا بالحديث عنه، وهو القسم المتمسك بصيغة “شباب الثورة” حتى الآن. وهو قسم يشخص الأزمة الحالية تشخيصًا شكليًا بوصفها أزمة ناتجة عن استيلاء مجموعة فاقدة للإبداع عاجزة عن الفهم لمقاليد الحكم على حساب الأجدر، وهو هذا القسم نفسه من الطبقة الوسطى بالطبع. الجدارة هنا لا تنبع من القدرة على تمثيل روح الشعب مثلًا كما هو الحال لدى الحركات القومية المتطرفة، ولا من التعالي الإيماني كما لدى الإخوان في طبعتهم القطبية المهيمنة: هي جدارة تنبع مما يتصوره هذا القسم من الطبقة الوسطى فهمًا لروح “العصر” وليس لروح “الشعب”. هو قسم يرى في نفسه أهلية لإدراك حقائق الكون التي تغيب عن حفنة العسكر الجهلاء القادمين من الستينيات وحلفائهم في الجهاز الشرطي ذوي “الخمسين في الميه”. وروح العصر هنا كما يدركها هؤلاء الدعاة تتكثف في دبيّ والرياض وتركيا وماليزيا والصين: هي روح العصر الرأسمالي الجديد ما بعد النيوليبرالي؛ حيث تعيد الرأسمالية ترتيب عناصرها باتجاه مزيد من التسلط وتدخل الدولة ليس لمصلحة رفاه اجتماعي بقدر ما هو لمصلحة مزيد من الاستغلال باسم النهضة القومية.

وبالتالي، فالإطار المفاهيمي الأنسب الذي يسمح ببلورة الخلاف مع النخبة الحاكمة من هذه الزاوية هو الإطار الجيلي أكثر من أي إطار آخر؛ لأنه القادر على تمثيل حالة التعالي تلك التي يشعر بها هؤلاء المتعلمون تجاه النخبة الحالية التي تبدو غريبة على روح العصر. نحن بصدد معكوس شعبوية التحرر الوطني القومية تقريبًا، والتي تشكلت حول مشكلة اغتراب الطبقات الحاكمة عن عموم الشعب المصري كما كان الحال منذ منتصف الثلاثينيات. المشكلة الآن بالنسبة لمتعلمينا تكمن في اغتراب النخبة الحاكمة، وغالبية مؤيديها، عن روح العصر التي يتمثلها هؤلاء الشباب. هي شعبوية الأقلية إذن التي تطير ولهًا بذاتها، والتي لا تجد غضاضة في وصف أغلبية الناس في مصر “بالعبيد” أحيانًا لاصطفافهم خلف السيسي. بل إن دوافع هذا الاصطفاف وأسباب تراجع الحركة الجماهيرية في المدن، وهي الحركة التي كانت رافعة انتفاضة يناير الحاسمة، هي أمور لا يمكن، ولا يجب في الحقيقة مناقشتها وفقًا لهذا المنطق، إذ إنها جميعًا أمور تخضع للمحاكمة الأخلاقية لا للتحليل السياسي وتنتمي في النهاية لعالم “التعريص” أكثر من انتمائها لعالم الخيارات العقلانية الرشيدة!

ولا تناقض في تسمية هذا الميل بشعبوية الأقلية هنا، إذ إن الشعبوية تشير إلى منطق خاص في صناعة الهويات السياسية كما سبق الذكر. حتى ولو كانت الهويات السياسية هي هويات أقلوية، ولا يجوز الخلط بين الشعبوية وفقًا لهذا التعريف ومفهوم دكتاتورية الأغلبية، وهي مسألة أخرى لسنا في مقام التعرض لها.

ولأننا بصدد وعي لم يتعرض لأي تحدٍ نقدي حقيقي ولم يشتبك معه النشطاء الديموقراطيون، واليساريون منهم على وجه الخصوص، اشتباكًا نقديًا بينما أغرقوا في تمجيده عبر استهلاك مسألة الجيل السخيفة تلك، فمن المنطقي أن ينجذب هذا الوعي المتعالي أخلاقيًا للتعالي الطائفي الإخواني. وتصبح مسألة تجذير الثورة، بمعنى نقل مفاعيلها خارج حدود تظاهرات الشباب السيزيفية اليومية وفتح أفقها البرامجي ليشمل أي قضايا اجتماعية أو ثقافية مغايرة لمسائل “الشرعية”، هي بحد ذاتها موضع شك واتهام من قبل المركب الإخواني/الشعبوي الجديد، بوصفها تعطيلًا لمسارهم الثوري الخاص. هنا تتحول الشعبوية إلى ستار يموه على مضمون متعالٍ يميني في النهاية، ويسعى لتأبيد احتكار أقلية من الطبقة الوسطى المتعلمة لتمثيل الشعب. هنا نحن بصدد إجابة معكوسة للسؤال نفسه الذي أُريد له أن يشكل بؤرة الصراع السياسي في مصر، أي سؤال الجدارة بالحكم. بينما يقول مؤيدو السيسي “بجدارة” العسكريين في حكم هذه الجمهرة المتخلفة العصية على الانضباط، يقول البعض بجدارتهم هم أنفسهم كمدنيين مهمشين منذ ٦٠ عامًا أو يزيد، وبينما يضج الأولون بالشكوى من الشعب الهمجي يتلمظ الآخرون على الشعب العبيد!

وينجر الاشتراكيون الثوريون هنا للفخ نفسه بدلًا من النضال ضد هذا الوعي الأبوي نفسه. بعبارة أخرى، ليس غريبًا أن يتبادل الإخوان الجدد والنشطاء “الشباب” الإعجاب على أرضية الانتفاخ الأخلاقي المميز للفريقين، ولكن الغريب أن يقفز الاشتراكيون الثوريون لهذا الكرنفال، وأن يتهموا باقي قوى اليسار التي تسعى لتفكيك هذا الانتفاخ نفسه بالانتهازية والاصطفاف مع العسكر.

أما الملمح الأكثر تمردًا لمشاركة قطاعات من الشباب، والذي كان قادرًا على تحدي وتفكيك ملامح كل علاقة سلطة أو ممارسة حكم مستقرة في المجتمع؛ فقد بدأ في التراجع مع تزايد وطأة الاستقطاب حتى يكاد اليوم ينحصر في المجالات الفنية، أو يأكل الإحباط دعاته ورموزه، بعد أن كان حاضرًا في قلب المواجهات الجماهيرية والسياسية الكبرى خلال ٢٠١١ أو ما بعد ذلك بقليل. والغريب أن هذا الملمح المتمرد لمشاركة الشباب قد حاز النصيب الأكبر من الاهتمام والمعالجات الإعلامية والأكاديمية، على الرغم من محدودية دوره وعدم دوامه طويلًا في قلب الأحداث إذا ما قورن بالملمح المحافظ/الشعبوي الذي يسم توجهات وأنماط مشاركة “الشباب” في الحراك الإخواني الحالي. وهو الاهتمام الذي أسهم في تضخيم المضمون التحرري لمسألة التمرد الجيلي في مصر على خلاف الواقع في الحقيقة.

اصطفاف جديد مع الإخوان؟مخاطر جمّة وشروط غير متحققة

هنا تقابلنا مجموعة من الأسئلة. هل رؤية الإخوان كقوة رجعية معادية للمشروع المدني الديموقراطي تتحرك بالتناغم مع معسكر الرجعيات العربية، هل هذه الرؤية تعني وقوف القوى المدنية الديموقراطية على الحياد في مواجهة قمع اﻹسلاميين؟ وهل تعني أن الاصطفاف مع الإخوان مسألة مستحيلة في أي ظرف؟ وكيف نتعامل مع جمهور الإخوان والمتعاطفين معهم إذن إن لم يكن بالتحالف المباشر؟

بخصوص السؤال الأول، أي هل يجب أن تقف القوى المدنية الديموقراطية على الحياد حينما يتعلق الأمر بقمع الإخوان دون غيرهم؟ إجابتي هي بالنفي القاطع… ببساطة لأنه لا يوجد في عالم الدولة الحديثة ممارسة يمكن تسميتها بـ”القمع الانتقائي”. لا يمكن تصفية الجسم السياسي المنظم الأكبر في مصر- وهو الإخوان- دون استهداف جميع أوجه الحياة المدنية ككل، إذ ربما تسمح بتسرب الإخوان ومن والاهم إلى المجال السياسي “الشرعي”، وهو ما يعني عمليًا خنق القوى المدنية الديموقراطية بالتبعية. القمع بحكم التعريف، ومن حيث هو “قمع”، غبي وﻻ يميز. ولو كان غرض البيان والورقة هو التنبيه لخطورة هذا المنزلق، والذي لا ينكر منصف وقوع غالبية رموز التيار المدني الديموقراطي فيه، فكان يجب التخصيص هنا والإشارة إلى هذا المنزلق بالاسم، ودعوة تلك التشكيلات إلى اتخاذ مواقف واضحة في رفضها لقمع منتسبي التيارات الإسلامية والتضامن معهم. هذا بخلاف أن التضامن ذاك لا يقتضي تنسيقًا مع الإخوان ويمكن إعلانه وممارسته عمليًا دون إخلال بما سمّاه يحيى فكري في مقالته سابقة الذكر بـ”المقاطعة السياسية للإخوان”.

إلا أن البيان أتى مصادرًا على المستقبل في الحقيقة أكثر من كونه ناقدًا للماضي؛ فقد أتى نافيًا لإمكانية بناء بدائل للقسمة الصافية التي نحياها في مصر ما بين العصابة الحاكمة من جانب والمعارضة الإسلامية من الجانب الآخر. وأتت الورقة لتدعونا إلى أشكال من العمل المباشر والتنسيق مع الإخوان، وليس مجرد التضامن المشروع في مواجهة القمع. وهو ما يعني أن هناك توجهًا قويًا داخل اﻻشتراكيين الثوريين لإعادة تجربة العام ٢٠٠٥ في التحالف مع اﻹخوان كما هي دون مراجعة. والبيان والورقة يسعيان لموازنة هذا الميل بكلام “مبهم” من عينة “اﻻنفتاح على العمل المشترك واﻻصطفاف المشترك مع شباب اﻹسلاميين الذين يواجهون آلة القمع بشكل يومي”. وطبعًا الله وحده أعلم بالمقصود من هذا الكلام إن لم يكن تحالفًا ولو مؤقتًا وموقعيًا كما يحدث في الجامعات مثلًا!

هل تصادر فكرة المقاطعة السياسية للإخوان على أية إمكانية “للاصطفاف” مع الإسلاميين في المستقبل على غرار ميدان التحرير ٢٠١١؟ الإجابة هي أيضًا بالنفي. الاصطفاف وارد بالطبع ولكن وفقًا لشروط موضوعية غير متحققة حتى اﻵن. دون وجود حركة جماهيرية قوية وجسم تنظيمي قادر على مفاوضة الإخوان من موقع الند وبرنامج واضح للتحالف يتضمن تنازلات واضحة من قبل الإسلاميين في مسائل الحريات العامة والخاصة، فلا معنى لدعاوى الاصطفاف تلك، بل على العكس يكون ضررها أكثر من نفعها. شرط الاصطفاف اللازم هو وجود حركة جماهيرية قوية وميل النظام الحاكم للتداعي على النحو الذي يجبر القوى السياسية للوصول إلى اتفاقات وحلول وسط. وغني عن الذكر أننا أبعد ما نكون عن هذا الظرف حاليًا لأسباب يطول شرحها، من ضمنها بالمناسبة ميل قسم من الحركة الإسلامية المعلن في الكثير من الأحيان للعنف وجنوح قسم آخر منها للإرهاب الصريح، وهي الممارسات الكفيلة بإرباك الحركات الجماهيرية المتنوعة ودفعها للكمون بالطبع. بالعكس، ما يحتاج جمهور اليسار المحتمل أن يسمعه اليوم هو إدانة يسارية صريحة لمسار اﻹرهاب المعلن من قبل فصائل إسلامية مركزية دونما مواربة. الغريب أن البيان نفسه يقرّ بهذه الحاجة في نهايته في تناقض فج مع أطروحته المركزية، وهي ضرورة اﻻنفتاح على تحركات اﻹخوان الحالية.

أن يربط اليسار نفسه بهذا الحراك العصبوي الإسلامي إذن لا يعني إلا عزل نفسه عن إمكانيات أوسع وأغنى تختمر في الواقع ويغامر بأن يظهر في أعين هذه التحركات البازغة كمجموعة تنتمي للماضي ولطرفي الاستقطاب المتصارعين على احتكار مصير الشعب المصري. وبالتالي، وكما تحدث يحيى فكري أيضًا، يغامر اليسار هنا بالمشاركة في إرباك الحركات الاجتماعية المتنوعة الصاعدة والتشويش على مسارها وجرّها لموقع الدفاع عندما يصر على ربطها بالإخوان وأسئلتهم العبثية من عينة الشرعية وخلافه، بينما تحتاج هذه التحركات إلى برامج عمل أبسط وأوضح وأكثر تواضعًا وأقل تجريدًا من شعار “يسقط حكم العسكر”، ورايات جديدة قادرة على كشف تهافت دعاية المجموعة الحاكمة الحالية والتي تربط كل حراك بالإخوان. بعبارة أخرى، الاقتراب المتسرع من الإسلاميين اليوم يضيف لصعوبة ميلاد حركة جماهيرية مستقلة قد تسمح باقتراب أكثر رسوخًا من الإخوان مرة أخرى في المستقبل.

و الشيء بالشيء يذكر، فالاندفاع باتجاه الصدام الانتحاري اليومي مع النخبة الأمنية الحاكمة هو ممارسة فدائية لا تجتذب إلا الأبطال ولا تثير انتباه الناس العاديين- وقود الثورات ومحركها. هو اندفاع يستبدل النضال طويل النفس بالمغامرات التي تستدعي نموذج يناير ٢٠١١، بينما يتناسى ما سبق لحظة يناير من حراك طويل، اتسع وازداد تنوعًا ببطء نسبي ليتجاوز حدود الدعاية ضد مشروع التوريث، منذ عام ٢٠٠٤. استغرق هذا الحراك سبعة أعوام في ظل ظروف أقل تعقيدًا بكثير من الظرف الحالي، فكم من الوقت سيستغرق حراكًا مماثلًا حتى نصل إلى لحظة شبيهة بلحظة يناير ٢٠١١؟ ظني أننا لن نشهد كل هذا الوقت، لأسباب كثيرة أهمها وجود يناير حية في الذاكرة الجمعية وقادرة على فرض نفسها حتى على خطاب العصبة الحاكمة. ولكن المؤكد أننا لن نشهد هذه اللحظة فورًا ولا عبر هذا الحراك الإخواني الطائفي وأساليبه.

أما الشرط الكافي- إذا جاز التعبير- لأي تقارب مستقبلي مع الإخوان، فهو وجود قوى مدنية ديموقراطية قادرة على إدارة علاقة معقدة من موقع الند دونما استدعاء للجيش كما حدث من قبل. دون ذلك سيتحول أي تقارب مع الإخوان لمكسب صافٍ للأخيرة دونما أي تنازلات تذكر من طرفها لمصلحة ضمان الحريات العامة والخاصة، بل ويسمح لها هذا التقارب بموقع تفاوضي أفضل مع القوى الإقليمية والدولية بوصفها قوة سياسية غير طائفية كما سبق الذكر. أي يتحول اليسار هنا إلى أحد عرّابي إعادة تسويق الإخوان كبديل لنخب المنطقة الفاشلة. ومن ناحية أخرى، يقطع هذا التقارب المتسارع الطريق على مسار تبلور قوى مدنية ديموقراطية على درجة من النضج والثقة تسمح بتباعدها عن الجيش.

إذن كيف نتعامل مع جمهور الإخوان إذا كان الاصطفاف مسألة مؤجلة؟ الاشتراكيون الثوريون لا يرون أية إمكانية للتعامل مع هذا الجمهور/المعضلة إلا بالتحالف مع الإسلاميين حتى لو كان موقعيًا. التحالف هو الكلمة الجاهزة بغض النظر عن ما إذا كان اليسار، والقوى الديموقراطية عمومًا، في وضع سياسي وتنظيمي يسمح بتحالفات من هذا النوع. هنا أيضًا يبدو الاشتراكيون الثوريون شعبويون بامتياز عاجزين عن رؤية أية قوة سياسية إلا في موقع العدو أو موقع الحليف. في المقابل يمكن طبعًا في الظرف الراهن أن نتعامل مع الجمهور الإسلامي بتقديم البديل الديموقراطي الاجتماعي الجذري ببساطة، أي البديل الثالث الذي يقطع البيان باستحالته ويتهم الساعين له بالتواطؤ مع السيسي. تقديم هذا البديل في استقامة وجذرية ووضوح واستقلال للكافة، هو الكفيل بضرب المثال لجمهور الإخوان أن هناك طريقًا ممكنًا فعلًا غير طريق ثورة الطائفة البائس ذاك. وﻷن التاريخ يعلمنا أنه من المستحيل التأثير العميق في جمهور الإخوان كفرادى، مهما بلغت درجة “اﻻنفتاح والتعاون”، فالمنطق السليم يشي بأننا يجب أن نرفع رايتنا المستقلة حتى يراها هذا الجمهور ويتابع مواقفنا بشكل عملي. ودون رفع هذه الراية المستقلة ما بين العسكر واﻹخوان- وهي بالتأكيد راية غير محايدة في موقفها من القمع اﻹجرامي- فلا أمل أن تعرفنا العناصر الديموقراطية داخل اﻹخوان وتسمع بوجودنا.

الخلاصة، أن ما يطرحه البيان والورقة بصراحة هو دعوة لتذيل حراك ليس لنا مكان فيه ولم يدعنا أحد إليه، ويؤدي لشرعنة فصيل رجعي لدى قوى الغرب والإقليم الرجعية دون أي مكسب واضح. بالعكس، هي دعوة تسهم في إرباك كل المناضلين في صفوف الحراك الجماهيري المتنوع الصاعد ببطء شديد ووضعهم في موقع الدفاع. كل هذا نتيجة العجز عن مقاومة الإغراء الشعبوي وما يرتبط به من ملذات التعالي الأخلاقي في مواجهة الجميع. وكلما تمادى البعض في الاستجابة لهذا الإغراء الشعبوي كلما ابتعدنا خطوات عن تشكل ممارسة ثورية أصيلة في هذا الجزء من العالم، ممارسة قادرة على إذابة جميع علاقات السلطة في المجتمع البرجوازي في مجرى الصراع الطبقي وفتح الأفق أمام تشكل مجتمع جديد. وهو ما لن يتحقق بالتملق الفارغ للوعي القائم بقدر ما يستدعي تحديه، وربما صدمه في بعض الأحيان، دونما استعجال للحظة اصطفاف سيحين وقتها بالقطع، ولكن لن يأت بها بيان أو إعلان حرب صادر عن هذه المجموعة أو تلك.

اعلان
 
 
عمرو عبد الرحمن