Define your generation here. Generation What

حكايا تغريبة القرن: الحكاية اﻷولى

تمهيد

في ما مضى أخبرنا اﻷقدمون أن يدًا واحدة لا تصفق.. وقد تصفق لكن بصوت غير مسموع، ولعل صورة الطفل السوري الغريق إيلان شنو كردي “إيلان كردي” ابن مدينة “عين العرب” كوباني الكردية السورية، قد جعلت عددًا غير قليل من اﻷيدي تصفق اعتراضًا على ما يحدث، وهذه اﻷعداد قابلة للزيادة والانتشار، ليعلو صراخ الصمت على ما يجري من تخاذل لحل تلك الكارثة الإنسانية.. الصورة أبلغ من ألف كلمة كما يقال، فالطفل إيلان ليس أول ضحايا تجار الموت ولن يصبح اﻷخير في ظل هذا التواطؤ الدولي والتخاذل المؤثران بقوة في استمرار مسلسل مآسي هجرة اللاجئين النازحين من جحيم الصراعات في سوريا إلى جنة الحلم في أوروبا، قاطعين الهضاب والبحار في رحلة لن ينساها اﻹنسان لوقت غير قليل.

1.jpg

إيلان

https://lh3.googleusercontent.com/d9pstHhlZOZl1nhY8jXjKt4tpuefxzSYHgzuoCZKzawXgyTsK-_JEqeBv-8vwo4aLKuVGl6Rc3cIHMc-oys4hqAx1uSewR2vqA3miclTuoHHAjf5RWfH3SpCC86avpeMJPr_hoeTvpGZWWQ-

1) هل تبدأ الحكايا من إيلان أم تنتهي عنده؟

مما لا شك فيه أن هذه الحادثة أثرت في وعي مئات الآلاف من البشر في مختلف الدول، فقضية هجرة اللاجئين وترحالهم ونزوحهم ليست قضية إقليمية تخص دول البحر المتوسط والدول اﻷوروبية فقط، لكنها أزمة  عالمية.. فنرى في أمريكا الشمالية أزمة المهاجرين المكسيكيين إلى الولايات المتحدة اﻷمريكية، وفي آسيا الفارين من ولاية ميانمار في رحلة عبر البحر والجزر لدول الجوار هربًا من الموت، كذلك هجرة اﻷفغان من آسيا إلى شمال أوروبا عبر المرور بروسيا واقتحام البحر اﻷدرياتيكي، وقد تجد بينهم عراقيين وسوريين بشتى أعراقهم. هذا كله غير هجرة اللاجئين وطالبي اللجوء الفارين من سوريا عبر دول البحر المتوسط إلى أوروبا، وهي اﻷكثر تماسًا معنا ومع منطقتنا.

لم تبدأ “حكايات التغريبة” مؤخرًا؛ فهي رحلة بدأت في منتصف القرن الماضي عند نزوح الفلسطينيين من ديارهم وفرارهم من الموت على أيدي العصابات الصهيونية بعد حرب 48، وترحالهم حول العالم، من الدول العربية ﻷمريكا اللاتينية وأوروبا، ثم مرت السنوات ليشهد هذا القرن رحلة جديدة من رحلات التغريبة، وهجرة القرن التي تتجاوز السنة الرابعة على التوالي في ظل اضطراد ملحوظ ﻷعداد المرتحلين عبر قارات العالم القديم (آسيا– إفريقيا– أوروبا) بحثًا عن مأوى وملاذ لدى دول الحضارة والقانون والرفاهية اﻹنسانية.

 

2.jpg

التغريبة الفلسطينية

 

لن تنتهي هذه الرحلة القاسية قريبًا إن لم يقرر الساسة تنحية موازين المصلحة السياسية، وعدم الدخول في متاهات التعريفات القانونية، فمنح حق اللجوء الفوري هو الإجابة القانونية والترجمة الصحيحة للموقف الأخلاقي من هؤلاء، أما محاولات إبراز التفرقة بين المهاجر Migrant، واللاجئ Refugee، والنازح Emigrant، وطالب اللجوء Asylum-seeker. فلن تصل بنا إلا إلى مزيد من الموتى فوق اﻷمواج. نعم هناك بارقة أمل لانتهاء موت اللاجئين فوق اﻷمواج وداخل الشاحنات وتحت قصف النيران؛ فنتيجة للضغط اﻹعلامي والصخب الشعبي المندد والمعارض للسياسات اﻷوروبية تجاه استقبال اللاجئين وطالبي اللجوء اضطرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ﻹجراء اتفاق مع رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان لحفظ ماء الوجه بعد الانتقادات الحقوقية الدولية الواسعة بشأن التعامل مع أزمة اللاجئين. وقيل مساء السبت الموافق 5 سبتمبر الجاري في برلين: “إن كِلا الطرفين اتفقا على أن انتقال اللاجئين إلى ألمانيا الذي نُظم السبت يمثل استثناءً بناء على الحالة الطارئة التي شهدتها الحدود المجرية”. وما كان هذا الاستثناء إلا نتيجة لضغط النشطاء والفاعلين في المجتمع اﻷلماني على حكومتهم ﻹدارة الملف بشكل مختلف ومغاير للمعتاد.

3.jpg

جماهير الكرة الألمانية

2) ما حكاية أن “كلّ لاجئ مهاجر” ولكن “ليس كلّ مهاجر لاجئًا”؟!

اللاجئ Refugee: هي صفة رسمية تُمنح لشخص حصل على اللجوء في دولة ما، ويُحدّد وفقًا لواحدة من اتّفاقيات جنيف، وهي اتفاقية جنيف التي تم التوقيع عليها عام 1951، وتمّت المصادقة عليها من قِبل 145 دولة عضو في الأمم المتّحدة: يطبّق لفظ “لاجئ” على “كلّ شخص يوجد خارج بلد جنسيته، أو بلد إقامته المعتادة؛ بسبب خوفه من التعرض للاضطهاد؛ بسبب العنصر، أو الدين، أو القومية، أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معينة، أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف أو لا يريد أن يستظل/ تستظل بحماية ذلك البلد، أو العودة إليه؛ خشية التعرض للاضطهاد”. ويمكن أن “يخسر” هذه الصفة، إذا تغيّر الوضع في بلاده، وإذا عاد الشخص إليها بمحض إرادته، وإذا غيّر جنسيّته.

طلب اللجوء شخصيّ: يُعتبر لاجئًا كلّ من يطلب اللجوء، ويعترف به من قِبل الدولة كمن يفر من بلاده؛ نظرًا لوجود مخاطر جادّة على حياته، ومن المفترض أن يتمّ إثبات هذا الشرط؛ حيث على اللاجئ تقديم أدلّة على هذه التهديدات.

الحالة الخاصّة للصراعات العامّة: في السنوات الأخيرة، أصبح أغلب اللاجئين في أوروبا أو في الشرق الأوسط سوريين وأفغان وعراقيين وليبيين، كأبناء دول تعيش حالة حرب أهلية معترف بها على الصعيد الدولي، وفي حال تدفّق عدد هائل من السكّان الفارّين من الصراعات تعترف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتّحدة بأنّ “إمكانية إجراء مقابلة شخصية للجوء مع كلّ شخص عبر الحدود غير كافية، وهذا غير ضروري إذا كان سبب الفرار واضحًا بصفة عامّة في بعض الظروف”. وبالتالي تعتبر هذه المجموعات لاجئين واضحين، لا حاجة لهم لتقديم دليل على اضطهادهم.

وفي مذكرة صدرت بخصوص سوريا في أكتوبر 2013 أعلنت المفوّضية السامية لشؤون اللاجئين UNHCR عن أنّها تعتبر اللاجئ Refugee هو كلّ شخص يفرّ من البلاد، كذلك الُمعارض أو الصحفي، بالإضافة إلى الأطفال المهدّدين بأعمال العنف، والنساء اللاتي قد تواجهن الاغتصاب، أو الزواج القسري، وكلّ شخص ينتمي إلى طائفة دينية أو جماعة إثنية ما.. وهو ما يشمل الشعب بأسره بما في ذلك مؤيدو الحكومة المهدّدون من الثوّار. ولكن يتمّ استثناء كلّ من ارتكب أعمال عنف من هذا الإجراء.

أما “المهاجر”Migrant كما يفسّره قاموس لاروس فهو كلّ شخص يقوم بالهجرة؛ أيّ من ينتقل طوعًا إلى بلد آخر، أو منطقة أخرى لـ “أسباب اقتصادية أو سياسية أو ثقافية”، في حين يقتصر قاموس لوبوتي روبار على “الاستقرار” كسبب في التنقّل. ويرى العديد من الباحثين أن في السياق المتوسطي؛ فإنّ لفظ “مهاجر لا يكفي لوصف الرعب الجاري في البحر الأبيض المتوسّط. وأنه انحرف عن تعريفاته في القاموس؛ ليصبح أداة تحقير تُجرّد المشاعر الإنسانية. وتتجاهل أصوات المعانين”.

وفي الواقع، آلاف الأشخاص الّذين عبروا البحر الأبيض المتوسّط مهاجرون؛ لأنّهم انتقلوا من دولة إلى أخرى، ومن قارة إلى أخرى، ومن بين هؤلاء من يتمّ اعتبارهم لاجئين من قِبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، على غرار السوريين، في حين يعتبر غيرهم- من جنسيات مختلفة- الفارين من دول نامية للبحث عن حياة أفضل في أوروبا “مهاجرين اقتصاديين”؛ لأنهم “اختاروا التنقل من أجل أفق أفضل لهم ولأسرهم” وفقًا للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، في حين أنّ اللاجئين “مضطرون للتنقل إذا أرادوا إنقاذ حياتهم، أو الحفاظ على حرّيتهم”، وغالبًا ما يتمّ استهداف المهاجرين الاقتصاديين بسياسات الهجرة، و”تطبّق بلا تمييز وتجعل من الصعب جدًا- إن لم يكن من المستحيل- دخول اللاجئين في بلد يمكنهم أن يحظوا فيه بالأمن، والدعم الّذي يحتاجونه والمكفول لهم بموجب القانون الدولي”.. على الرغم من كلّ شيء، وبالنظر إلى أنّ أغلبية المهاجرين العابرين للمتوسّط “قادمون من دول غارقة في الحرب، أو عرضة لأعمال العنف والاضطهاد (سوريا، أفغانستان، العراق، إريتريا، السودان، الصومال)” تصف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين حركة الهجرة الهائلة نحو أوروبا بـ”أزمة اللاجئين” مستخدمة المصطلحين- لاجئين ومهاجرين- لوصفهم في المجمل مؤكّدة على سبيل المثال “وصول 292 ألف لاجئ ومهاجر حتّى اليوم إلى أوروبا عبر البحر في 2015”.

4.jpg

أحد قوارب الهجرة

3) مصطلحات وتعريفات متعددة والموصوف واحد!

ما نعيشه ونراه في أزمة هجرة اللاجئين أدى إلى ظهور مصطلحات جديدة ومتنوعة لوصف هذا النشاط، فعلى سبيل المثال نجد مصطلحات مثل: “الهجرة غير المنتظمة” أو “الهجرة غير الاعتيادية” أو “الهجرة السرية”، وهي مفاهيم سوسيولوجية صرف لها ثقلها في المشهد الفكري والثقافي والسياسي، وهي تدل على أن المهاجر لم يمر عبر القنوات المخصصة للهجرة ولم يلتزم بالقوانين المنظمة لها نتيجة أحداث طارئة غير معتادة، وتدل على أن الشخص قام بهذا الفعل في غفلة من القانون ومن المسؤولين، وهي تعكس إلى حد ما أهمية الهجرة في حياة الإنسان باعتبارها حق لا يمكن الاستغناء عنه. والهجرة عمومًا هي مفهوم قديم ارتبط بعوامل عدة منها السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، وهي قديمة قدم اﻹنسان ذاته، إلا أن “الهجرة غير المنتظمة” أو “الهجرة غير الاعتيادية” على العكس من ذلك لم تظهر إلا حديثًا، وبخاصةً بعد أن ظهر اسم الدولة بمفهومها الحالي، وفرض التأشيرة على كل من يعبر حدودها أو يدخل مجالها، كما رافق ذلك قوانين صارمة ومعقدة خاصة بالهجرة مما ساعد على ظهورها وبروزها. وكذلك فإن بعض المنظمات والهيئات الدولية والحكومات سعت لتوصيف الهجرة عبر البحر المتوسط بـ “الهجرة المختلطة”، إشارة لاختلاط المهاجرين باللاجئين في تلك الرحلات، وفي محاولة خبيثة من الحكومات للبحث عن منفذ للهرب من مواجهة أزمة هجرة اللاجئين وتحمل التزاماتها ومسؤوليتها الدولية، تتذرع بهذا التعريف، ومن ثمًّ الانتشار اﻹعلامي لوصف هذا النشاط الجماعي للترحال بـ “الهجرة السرية” Illegal Immigration وما فيها من مدلول لفظي يُوحي بعدم صحة الفعل، واخترع اﻹعلام العربي ترجمة جديدة هي “الهجرة غير الشرعية” واعتاد استخدامها ونشرها، وهي الترجمة التي لن تجد لها مثيلًا في الإنجليزية، وذلك بدلًا من توصيفات أخرى عدة تؤدي للمعني الواقع مثل: “الهجرة غير المنتظمة أو الهجرة غير الاعتيادية”Irregular Immigration، فتلك الهجرات الجماعية والنزوح لملايين البشر والفرار من أراضي البؤس والشقاء إنما هي هربًا من الموت المتجسد في صراعات مسلحة واضطهاد وأزمات اقتصادية طاحنة، وتتم بصورة غير معتادة وغير منتظمة وفي سرية معلنة بحثًا عن سُبل آمنة للمعيشة الكريمة والحياة اللائقة.. فإن كانت “الهجرة غير المنتظمة” غير شرعية ولا مشروعة فالخطأ هنا ما هو إلا استمرار التشريعات المعيوبة، ويقع على عاتق المجتمع الدولي وعلى كاهل المشرعين تغييرها لتلائم مستجدات العصر والظرف الراهن واحتياجات الجماعة اﻹنسانية الحديثة، وليس على اللاجئين والفارين والمهاجرين والنازحين الانصياع لتلك القوانين والتشريعات التي تنتقص من حريتهم وتقيد حقهم في السفر والهجرة وفقًا لمبررات وأسباب إنسانية مشروعة نصت عليها مواثيق اﻷمم المتحدة والاتفاقيات المختلفة الخاصة بوضع اللاجئين والمهاجرين.

5.jpg

لافتة ضد التمييز بحق اللاجئين

6.jpg

لافتة ضد التمييز بحق اللاجئين


 

استطراد

يا أيها البحر لا تبكي وتبكينا
وابلع دموعك إن الدمع يؤذينا
متى ستعرف أن الموج موطنهم
فليس من بلد في البر يأويهم
يا أيها البحر لاتبكِ على شعبٍ
أبكىَ الصخور ولم يبكِ السلاطينَ..

كل البلاد بوجه الضيف مقفلة
إلا السماء أراها رحبت فيهم.

7.jpg

سوريا


وللحكايا بقية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع ومصادر:
اتفاقية اﻷمم المتحدة لعام 1951 وبروتوكول 1967 الخاصين بوضع اللاجئين
http://www.unhcr-arabic.org/pages/4be7cc27201.html

The refugee law reader

https://en.wikipedia.org/wiki/Illegal_immigration

صورة تهز العالم فهل تغير من واقع اللاجئين؟- DW

اعلان
 
 
محمد حنفي الكاشف