تحذير للمشترين – 1: صعود الاحتيال الفني في مصر
 
 

فتحت الدعوى القضائية التي أقامتها مؤخرًا عائلة الفنان التشكيلي الراحل عبد الهادي الجزار، بشأن تزوير عدد من أعماله الفنية صندوقًا من العجائب. ويبدو أن التحقيق في ما كشفت عنه تلك الدعوى سيمتد من القاهرة إلى لندن، مع اتهامات تتعلق بمبيعات مزعومة لمقلدات غير قانونية يجري بيعها باعتبارها لوحات أصلية، نسبت زورا للجزار وفنانين بارزين راحلين آخرين.

اثنان على الأقل من المدعى عليهم- وهما تاجر أعمال فنية وموظف بوزارة الآثار-  متهمان ببيع نسخ مزيفة للوحات مع شهادات أصلية مزورة. عثر في حوزتهما على ثلاثين عملًا، نسبت زورًا لرسامين معاصرين كراغب عياد، وسمير رافع، والجزار، جرت مصادرة تلك اللوحات جميعها، ومن بينها نسخة من لوحة الجزار “آدم وحواء” التي رسمها الفنان الراحل عام 1948. ولأن “مكافحة الفساد” واحدة من أكثر الموضعات تكرارًا في تصريحات مسؤولي الحكومة الحالية، لم تجد عائلة الفنان الراحل توقيتًا أكثر مناسبة لطرح قضية تزوير أعماله على الرأي العام.

gazzar16.jpg

Abdel Hadi El Gazzar, The Devotees of the Revered Zeinab, 1953. Private collection, Cairo.

IMG00801-20111002-1027.jpg

Gazzar fake

تتساءل ابنتا الجزار، فيروز وياسمين: أين توجد تحديدًا أعمال أبيهما الهامة، وعلى رأسها لوحة “إنسان السد” المعروفة ايضًا باسم لوحة السد العالي. اللوحة، وفقا لإدارة المتحف المصري للفن الحديث وكتاب “عبد الهادي الجزار” الصادر في 2007 للمؤرخ الفني الراحل صبحي الشاروني، حصل عليها المتحف في نفس السنة التي رُسمت فيها (1964)، وأُهديت إلى الاتحاد الاشتراكي الذي أسسه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عام 1967. ثم بيعت في تاريخ غير معروف إلى الحزب الوطني الديمقراطي المنحل بقرار قضائي في أبريل 2011. لكن الفنان عزالدين نجيب الذي شارك مرات متعددة في لجان الاقتناء التابعة لجهات مختلفة داخل وزارة الثقافة ذكر في تصريحات صحفية نشرتها مجلة الموقف العربي في يوليو 2007، في تحقيق حول المقتنيات المختفية لمتحف الفن الحديث أن اللوحة ظهرت بالفعل في قصر ثقافة بنها وكانت معارة من متحف الفن الحديث لهيئة قصور الثقافة، لكنها اختفت من القصر ولم يعثر عليها بعدها ضمن حوالي 70 لوحة أخرى غائبة من مقتنيات المتحف.

وفي 22 مارس 2015 أصدر أحمد عبدالغني رئيس قطاع الفنون التشكيلية قرارًا بإبلاغ النيابة الإدارية بالتحقيق في حقيقة تعرض اللوحة للاحتراق خلال جمعة الغضب 28 يناير 2011، التي احترق فيها المقر الرئيس لمبنى الحزب الوطني. واستنادًا إلى رسالة بتاريخ 24 نوفمبر 2014، كتبها الرئيس السابق للإدارة المركزية للمتاحف والمعارض، نشرتها ابنتي الجزار عبر صفحة “الجزار والسد العالي” اللتان تديرانها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، فإن قطاع الفنون التشكيلية المسؤول عن متحف الفن الحديث على ما يبدو قد أغلق القضية لأن العمل الفني “المُهدى” لم يعد يخضع للسلطة القضائية.

دون أن تقتنع، أخذت الأسرة تتحدى هذه الرواية للأحداث بنشر وثائق رسمية تُظهر أن العمل كان على سبيل الإعارة بداية عام 1968، ولم يعط على سبيل التبرع  إلى الاتحاد الاشتراكي في عام 1967. كما أوضحت أن اللوحة كانت ضمن مقتنيات متحف الفنون الجميلة في بنها في كل من عامي 1966 و2010. وذلك بالرجوع لكتابي “عبد الهادى الجزار فنان الأساطير الشعبية وعالم الفضاء” للمؤرخ والناقد الفني صبحي الشاروني الصادر في 1966، وكتاب “عبدالهادي الجزار: قراءة في وجدان شعب” للباحثة إيناس عبدالهادي الصادر في 2010.

وتزعم عائلة الجزار أيضا أنها شاهدت اللوحة في الطابق العلوي في متحف القاهرة في عام 2012 عندما نظم المتحف معرضًا للفنان في ذكراه السنوية. كما وضعت ابنتيّ الجزار صورًا على صفحة الفيسبوك، للأوضاع التي ترينها غير مناسبة لتخزين أعمال والدهما داخل ساحة التخزين بالمتحف.

وتصر الأسرة على أن يتحمل قطاع الفنون التشكيلية المسؤولية عما يرونه تقصيرا أدى لاختفاء لوحة “إنسان السد” وعن إخلاله بالثقة الموكلة إليه لرعاية تراث الجزار. وخلال مقابلة تليفزيونية جمعت بين ضحى منير مدير متحف الفن الحديث، وياسمين الجزار ابنة الفنان، في 25 مارس 2015 على قناة دريم، أكدت مديرة المتحف حقيقة أن موظف المتحف المسؤول عن الإشراف على الأعمال المعارة يتقاضى يوميا 7 جنيهات بدل سفر للانتقال والتأكد من سلامة حالة اللوحات المعارة،  وأنه يستخدم كاميرته الخاصة لأن المتحف ليس لديه واحدة.

وبينما لا تزال واقعة محاولة بيع نسخ يعتقد أنها مزورة من لوحات الجزار قيد التحقيق، ظهر ادعاء آخر بالتزوير، وهذه المرة في الإسكندرية، حيث نشب نزاع بين فنان تحول لجامع لوحات، وناقد فني من كُتّاب مصر المرموقين.

الأخير (الناقد) ادعى أنه حصل على رسومات منسوبة لبعض فناني مصر من الرواد بحسب شهادات اعتماد وتطمينات حصل عليها من الفنان السكندري المعروف. وفي المقابل، رفض الفنان- وهو عضو أتيليه الإسكندرية لمدة 45 عاما ومؤلف لعدة كتب هامة من بينها كتابين صدرا بمناسبة مئوية محمود سعيد (1997) و”عفت ناجي.. سحر الأشكال” (1995) ومؤلفات أخرى- هذه الاتهامات. واتهم الناقد جامع اللوحات بتزوير الأعمال الفنية واستخدام اسمه  لضمان اعتماد الأعمال المزورة بوصفها أعمالا أصلية للجزار. الناقد المهتم بجمع اللوحات أكد أنه في طريقه لنشر كتاب عن تزوير الفن في مصر “لوضع الأمور في نصابها” والكشف عن أسماء مزورين هو على علم بهم.

بدأ هذا الجدل عندما ثار غضب ابنتي الجزار لرؤيتهما صورة للوحة وصفتاها بكونها ” بشعة” جرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي للوحة “منسوبة زورًا” للجزار. اللوحة التي تحمل اسم “السعي” وعرضت بالإسكندرية عام 2013، ووُثقت في كتاب نشره الفنان الذي صار جامع لوحات باعتبارها من مجموعته الخاصة. ولم نتلق أية تصريحات حول تطور المعركة وإن كانت ستصل لساحة القضاء.

السبب الرئيسي لتزوير الفن هو تحقيق مكسب مالي. وهي تجارة مربحة. الضحايا الذين لا يساورهم الشك عادة ما يكونوا من ميسوري الحال الذين يجدون في اقتناء الأعمال الفنية فرصة استثمارية جيدة، أو يريدون عرض لوحات الرواد على جدران منازلهم  كعلامة على الثقافة الرفيعة.

 

ولادة سوق الاحتيال الفني:

ظهور الأعمال الفنية المزيفة يمكن تتبعه منذ لحظة ارتفاع مبيعات الفن المصري الحديث في وقت مبكر من التسعينات. تاريخيًا، كانت المقتنيات الخاصة من بين أعمال الفنانين المصريين ضئيلة، لذلك لم تكن هناك حاجة لصنع وبيع المنتجات المقلدة. منذ تأسيس مدرسة الفنون الجميلة في عام 1908 حتى ستينات القرن الماضي، تكفلت التبرعات المقدمة لإعاشة الفنانين من أفراد أسرهم أو عبر نظام “الكفالة” الذي كان يقوم به بعض نبلاء الأسرة المالكة وعلى رأسهم الأمير يوسف كمال مؤسس مدرسة الفنون، بتوفير نفقات الفنانين ممن لم تكن لديهم وظائف موازية، مما كفل استمرارهم في انتاج أعمالهم. وعقب يوليو 1952 تبنت دولة عبدالناصر المنظومة السوفيتية التي تجعل الدولة راعي الفنون الأول ومقتنيها الأهم عبر شبكة مؤسساتها الحكومية والاقتصادية التي لا تزال تلعب دورا كبيرا في شراء الأعمال الفنية من مبدعيها،إلى جانب عمليات اقتناء قليلة من بعض الأثرياء من المصريين والأجانب المقيمين.

في أوائل التسعينات، تغير الوضع، فبمبادرة من قلة من المشترين المصريين الجادين، واثنين من جامعي اللوحات البارزين على المستوى الإقليمي، وظهور صالات المزادات في عام 2006 في منطقة الخليج، بدأ الطلب يظهر على الأعمال ذات الجودة العالية التي أبدعها رواد الحداثة المصريين.

عندما انتشرت الأنباء عن أن قطب الاتصالات المصري نجيب ساويرس أنهى صفقة بلغت قيمتها مليون ونصف جنيه، مقابل عملين من أعمال الجزار في عام 2003، استرعت الصفقة انتباه السوق ومزورو الأعمال الفنية. واستغرق الأمر من ليلى عفت، أرملة الفنان، سنوات للموافقة على مفارقة لوحة المجنون الأخضر”(1951)  وفرح زليخة” (1948). كان هناك ثلاثة أطراف مهتمة بشراء اللوحتين، إلا أن الحظ كان حليف ساويرس.

كان هناك اثنان من جامعي الأعمال الفنية رفيعي المستوى إقليميًا، قد ظهرا على الساحة قبل عشر سنوات من ظهور ساويرس، وكانا يحشدان في تكتم أعمال كثيرة لرواد مصريين، بمساعدة قلة من تجار الأعمال الفنية المحليين وصالات العرض. وكان صيدهم سهلًا بما أن المنافسة كادت أن تكون معدومة.

أول الاثنين هو الأمير السعودي محمد سعيد فارسي، أحد أمراء جدة السابقين، وذو تقدير للثقافة المصرية. جمع بمفرده أكبر مجموعة شاملة واستثنائية من أعمال الفن المصري الحديث ضمن المقتنيات الخاصة به، التي قد تصل إلى عدة مئات من الأعمال الفنية. هذه المجموعة الاستثنائية ظهرت في كتاب “متحف في كتاب: مجموعة فارسي الفنية – الأعمال المصريةالمنشور عام 1998، وحرره الناقد والمؤلف الراحل صبحي الشاروني.

وابتداء من عام  1994، نافسه الشيخ حسن آل ثاني، ابن عم أمير قطر الحالي، الذي تحصل على عدة أعمال من تراث الفن المصري المعاصر كجزء من اهتمامه الواسع بالفن الذي ينتجه الفنانون العرب. ولضمان استمرار مجموعته الخاصة وبقائها كمصدر متاحٍ لقطر والعالم، فلقد وضعها آل ثاني تحت رعاية هيئة متاحف قطر في عام 2003. وتم الكشف عن حجم المجموعة في عام 2010  في افتتاح المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة.

وتكفل مزادان أقامتهما صالة كريستيز في دبي عام 2010، لعرض 55 عمل فني من مجموعة فارسي” بالقفز بالفن المصري الحديث إلى نطاق الاهتمام الدولي لترتفع أسعار الأعمال لمستويات لم تصلها قبلا. حيث بيع عملان للرائد محمود سعيد  (1897-1964) بخمسة ملايين من الدولارات وهما لوحتي دراويش المولوية” (1929) والشواديف” (1934).

وفي هذا البلد (مصر) الذي بالكاد توجد به سوق للفن يقل عمرها عن ثلاثة عقود، ومع هذا التعاقب السريع للأحداث وارتفاع الأسعار، صارت هناك أرض خصبة لـسوق الفن المزيفوللراغبين في العمل كتجار أعمال فنية. وبينما يستحيل تقدير حجم سوق الأعمال المقلدة والمزيفة، فإن هناك عشرات اللوحات التي يحكم عليها تجار ودارسون وجامعو لوحات محنكون بأنها مزيفة، ومع ذلك تظل متداولة في السوق الثانوي على مدى العامين الماضيين- بعضها نسخ مقلدة ضعيفة، والبعض الآخر محل خلاف.

هذا عمل ممتاز. في الحقيقة، إنه أفضل من لوحتي الأصيلة، هكذا قال الفنان الراحل حسين بيكار (1913-2002) في أواخر التسعينات إلى أحد جامعي الأعمال الفنية، الذي لم يتوقع أنه خُدع عند شرائه لما ظنه أحد أعمال الفنان الراحل. حسين الشابوري، الذي كان يملك معرضًا فنيًا يحمل اسمه في التسعينات في الإسكندرية، يتذكر أنه رأى أحد أعمال حامد ندا (1924-1990) مؤرخة بتاريخ عام 1928، أي عندما كان ندا عمره أربع سنوات. وفي عام 2012، عرض بيت صغير للمزادات في لندن نسخة سيئة من لوحة ندا الموثقة المعلقة في منزل أحد مُقتني اللوحات في القاهرة. ليكتشف المتحف أن البائع المصري مصدر اللوحة قد تقدم للمتحف بشهادات اعتماد مزيفة.

Hamed Nada Dancing Tango-2.jpeg

Hamed Nada, Tango Dance, 1975, watercolour on paper. Private collection Cairo.

Hamed Nada Fake Tango.jpeg

The fake Hamed Nada offered in London

 

هذا الوضع الضبابي يضع بعض الصفقات الخاصة التي تمت أو لا تزال قيد التفاوض، في موضع تساؤل. هناك أعمال مزورة لم يتنبه إليها أحد، صار لها مكانٌ في البيوت الخاصة والمتاحف الإقليمية. غالبية من اشتروا الأعمال الفنية المزيفة لا يدركون أنهم قد خُدعوا. وعندما يكتشفون، فإما إنهم لا يفعلون شيئًا، أو يسووّن المسألة خارج المحكمة. وبالتالي، فإن التحقيقات حول قضايا الاحتيال الفني ليست شائعة في مصر.

يغلب الظن أن دعوى عائلة الجزار القضائية لعام 2015 هي الثانية من نوعها، ففي عام 2005، أقام جامع لوحات خاصة مصري أول دعوي قضائية ضد تاجرين  بارزين للأعمال الفنية. استغرقت  الإجراءات سنوات، ووجدت محكمة الدرجة الأولى تاجري اللوحات مذنبين، إلا أن الحكم تغير في الاستئناف، ولا تزال القضية متداولة أمام القضاء لتكشف أن القانون المصري يفتقر لوجود قوانين متعلقة بالتزييف والغش الفني، وصعوبة إثبات نية المتهمين ارتكاب الاحتيالمما عرقل مسار القضية، رغم أن لجنة الخبراء التي انتدبتها المحكمة أكدت أن الأعمال كانت مزورة.

ومن المثير للاهتمام، سواء في القضية عام 2005 أو قضية 2015، أن المشترين الذين خُدعوا وورثة الفنانين الرواد الذين زُورت أعمالهم لم يسع أيهم لإجراء تحقيق مواز. أما سلطات التحقيق فتجد صعوبة في فهم الأسعار التي تحملها مثل هذه الأعمال. وقد توقف أساتذة من كليات الفنون الجميلة، يعملون بشكل فردي، عن الحكم على الأعمال أو إصدار شهادات اعتماد- مؤقتًا وبدافع الخوف. ونتيجة لهذه العوامل والوقائع اهتزت ثقة معظم جامعي الأعمال الفنية مع شكهم فيما يملكون وفي شهادات اعتماد ما يعرضونه. وفي نهاية المطاف، صار المشترون المحتملون يتحاشون الفن المصري الحديث تماما.

اعلان
 
 
فاتن مصطفى كنفاني