Define your generation here. Generation What

هُنَّ في السجن

خارجَ الليل الذي يُغطيني
أَسوَد كمنجَم بين الأقطاب
أشكر الإله الذي يعطيني
روحًا لا تقهر أمام الصعاب

هذه ترجمة (بتصرف جدًا) لأبياتٍ كتبها “وليام أرنست هنلي”، وخلدها العظيم “نيلسون مانديلا” بعدما أخبر العالم أنها ساعدته على تحمل سنين السجن الطويلة والقاسية. اسم القصيدة التي ستسرد ذلك المقال Invictus، وهي كلمة لاتينية تعني “التي أو الذي لا يقهر”. ولا أعتقد أن المرحومين هنلي أو مانديلا سيعترضان على ترجمتي الحرة وبصيغة المؤنث لتلك القصيدة.

كنت شرعت في كتابة هذا المقال بعد خبر اعتقال بعض الحقوقيات ولم تُكتب له التكملة والنشر سوى الآن.

صورة المعتقلات بملابس السجن البيضاء لفتت انتباه الجميع، بالذات تلك الحقوقية صاحبة الابتسامة القوية.. أنا لا أعرفها.

نُشرت تلك الصورة الرائعة التي تبدو فيها قوية، بسيطة، كلها أمل وتحدٍ وحياة.

معتقلي مسيرة الإتحادية

معتقلي مسيرة الإتحادية

إنها الحقوقية الأسيرة.. يارا سلام.

أؤمن أن الإنسان له حظ كبير من اسمه، ولذلك بحثت عن معنى اسم “يارا” فوجدت:

أنه اسم علم مؤنث أقبلوا عليه لخفته.. واختلف المفسرون في أصله وفي معناه؛ فقالوا: لعله فارسي جاء عن طريق العثمانيين تأنيثًا للاسم “يارا”، و معناه: الصاحب أو الصادق. أو من المصدر الفارسي “يارَسْتَن” معناه: القدرة، الاستطاعة، التمكُّن، الشجاعة”.

هذا المقال غير المقصود به على الإطلاق استعطاف السلطة الأمنية أو غيرها لإطلاق سراح “يارا”، ولا الهدف منه تشخيص الموضوع في شخص “يارا”، بل العكس تمامًا. يارا، مثل العديدات من رفيقات دربها يقبعن في سجن أعمى، أبكم، وأصم.. لا يدرك من بداخله ولو كان يدرك لانهار. ولو كان الحجر ينطق، لصرخ اشمئزازًا من أن يوضع بداخله بطلات بدلًا من مجرمين لا تطالهم أيدي العدالة في مصر غير المكبلة بالقوانين، وإنما بالضمائر المكبوتة والأصوات المنبوحة والأيادي المبسوطة بالود للظلام والظلمة. هذا المقال لكل حبيسة مظلومة صاحبة قضية عادلة وسلمية تقبع في سجون الظلم والظلام، سواء أكانت ليبرالية أم يسارية أم قومية أم إسلامية أم بلا أي انتماء سياسي على الإطلاق.

أمام قبضة الظروف
لم أجزع أو أجعله يُبكيني
وتحت مطرقة الحظوظ
جبهتي دامية، لكن لم تنحنِ

يقولون إن للهزيمة مراحل، أولها الإحساس بالعجز والوهن واليأس. وما يبعد هذا الجيل عن الهزيمة هو تضحيات كوكبة من البطلات والأبطال الذين قرروا- أو لم يقرروا-  أن يدفعوا الثمن نيابة عنا. فبينما يجلس الأخ المناضل والأخت المناضلة ليتحدثوا عن الهزيمة والرغبة في التوقف والتخلي عن مسار الحرية والديموقراطية، وكلنا هؤلاء من حين لآخر، تتسامر بطلات الثورة داخل السجن عن حياة لا نفهم نحن معناها، وعن أحلام لا تدركها مخيلاتنا. صمودهن في السجون تذكرة لنا بأننا أقوى مما نتخيل، وأن السجّان قليل الحيلة أمام الأحلام والعزيمة. هن على موعد يومي مع العذاب، ولكن في عذابهن قوة أشبه بالبركان الخامد تحت الرماد. هن الحاجز الأخير بيننا وبين الهزيمة. وكل دقيقة وكل ثانية لهن في ظلمات السجون، هي دقيقة أقل في عمر الظالم. نحن لا ندرك هذا؛ لأننا لسنا في قوتهن أو صبرهن. نحن لا ندرك هذا؛ لأن من سبقونا بالشهادة أو السجن هم من صدقوا ما عاهدوا الله عليه فعلًا، ونحن من صبرهم نستلهم ومن صمودهم نتعلم ومن نورهم نستمد القدرة على العيش في هذا الظلام.

بعيدًا عن هذا المكان ذو الغضب والبكاء الحزين
يلوح الرعب كالأطياف
ولكن ستجدني مخاطر السنين
ستجدني مجددًا ثم مجددًا لا أخاف

لا يوجد نعيم في السجن ولا توجد سعادة في الحبس ولا توجد بطولة في التقييد. النعيم والسعادة والبطولة أشياء يتخلى عنها من في مكانهن. قد لا يرونها ولكن نحن نراها فيهن. فلا أدري حقًا كيف لنظام أن يأسر هؤلاء.. وصمتهن وقيد حرياتهن كالصدع أو الشق الذي يسرطن سور قلاعه؟! إذا حبست النور، فللنور طاقة وتلك الطاقة تخرج يوميًا وفي كل لحظة من خلف تلك الأسوار. وإن لم تسمح لها الأسوار، تخللت أشعة النور من بين السور حتى أرهقته وأذلته وهدمته. إن حبس أبطال وبطلات مصر الحقوقيين والنشطاء المدافعين عن أبسط حقوق الإنسان، هي وصمة عار في تاريخ هذا البلد… فلا شيء أبشع من أسر شخص مسالم سخر حياته للآخرين، من دون مطمع لمال أو سلطة أو جاه. ولا أدري إذا ما كان سجّانهن يعقل أفعاله أم لا؟! ولكن عليّ أن أقول إن حبسهن سياسة خاطئة وليس فقط عملًا غير أخلاقي. أترى السجن صانعًا منهن بطلات أم ينسينا ذكرهن وتعلو سلطة الجلاد؟ هذا المقال- في حد ذاته- إجابة لكم. لم ولن ننساهن وطول سجنهن إنما يغذي أسطورتهن حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً… ومن يدري؟ لعل إحداهن تحلف اليمين في يوم ما كرئيسة لهذه البلاد، كـ “ديلما روسيف” رئيسة البرازيل الحالية، والتي اُعتقلت وعُذبت هي الأخرى في السبعينيات من القرن السابق على يد النظام العسكري في البرازيل وقتها… تخيل!

لا يهمني أن الباب ضيق
لا تقلقني عريضة الأحكام
أنا سيدة مصيري
أنا لروحي رُبّان

……………………………..

Out of the night that covers me,
Black as the pit from pole to pole,
I thank whatever gods may be
For my unconquerable soul.
In the fell clutch of circumstance
I have not winced nor cried aloud.
Under the bludgeonings of chance
My head is bloody, but unbowed.
Beyond this place of wrath and tears
Looms but the Horror of the shade,
And yet the menace of the years
Finds, and shall find me, unafraid.
It matters not how strait the gate,
How charged with punishments the scroll,
I am the master of my fate:
I am the captain of my soul.

اعلان
 
 
أحمد أبو حسين