Define your generation here. Generation What

عندما تخفي “شجرة” النظام “غابة” الدولة (٢)

في الورقة الشارحة لدعوة الاشتراكيين الثوريين لإعادة النظر في علاقة اليسار بالإخوان المسلمين٬ تصف الفقرة ١٦ الإخوان كقوة إصلاحية بناءً على معيار شكلي تمامًا، وهو موقفها من النظام وطريقة تعاطيها مع مطالب الجماعات التي منحتها ثقتها. يعاني هذا الفهم قصورًا مزدوجًا. فمن ناحية أولى، مشكلتي مع وصف الإخوان بـ”الإصلاحية” ليست في مدى انطباق هذا الوصف من عدمه على الإخوان، مشكلتي مع هذا الوصف هي أنه في الحقيقة وصف غير ذي موضوع ومنبت الصلة بالسياق وﻻ يفيد في شيء اللهم إﻻ اﻹرباك والتشويش. مشكلة التركيز على أسلوب الوصول إلى الحكم والتعاطي مع المطالب الملحة للجماهير كمعيار وحيد للتفرقة بين القوى السياسية، أنه يهدر بالكامل الفروق العميقة بين مضمون السياسات التي تتبعها هذه القوى بعد وصولها إلى مقاعد السلطة أو ما تطرحه كبرامج عمل ومشاريع سياسية. بعبارة أخرى، إذا مددنا الخطوط على استقامتها سيكون حزب “سيرزا” اليساري في اليونان مثلًا مماثلًا لزعماء أوروبا الشرقية ذوي التوجه القومي المتطرف، ويتحول الزعيم اليساري البرازيلي “لوﻻ” إلى نسخة أخرى من باراك أوباما والجميع متطابقون مع الزعيم التركي أردوجان، إذ تتشارك كل هذه المشاريع في كونها مشاريع إصلاحية لا تسعى لتغيير جذري للوضع القائم وتعتمد أسلوب الانتخاب كطريق للوصول إلى السلطة، وتسعى للمساومة مع حركات جماهيرية التي أتت بها إلى مقاعد الحكم عبر ثورة توقعات هائلة. ولكن سيكون من العبث اعتبارهم جميعًا سواء والدعوة لاتخاذ موقفًا موحدًا منهم جميعًا على هذا الأساس. باختصار وصف “الإصلاحية” هنا لا يفسر شيئًا ولا يساعد على بناء موقف سياسي في أي اتجاه.

من ناحية أخرى، فالمعيار المستخدم للتمييز بين الثوري واﻹصلاحي من وجهة نظر اﻻشتراكيين الثوريين، هو معيار بالغ الغموض والتحكم، وهو الموقف من شيء غامض اسمه “النظام”. القاموس الماركسي- أو أي قاموس نقدي في الحقيقة للديمقراطية الليبرالية/التمثيلية- لا يعرف كلمة اسمها “النظام”. فما يمكن تسميته بـ”النظام” هو في الحقيقة مشاريع للهيمنة الفكرية والسياسية تسعى لإعادة إنتاج الوضع المتميز لطبقة أو تحالف طبقي أو التأسيس لهيمنة طبقية جديدة، وذلك عبر تشبيك مطالب وحساسيات ثقافية بعينها في خطاب واحد وترتيبات مؤسسية قادرة على إلهام حزمة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتعبئة مشاعر وخيالات والاشتغال على المستوى المعرفي كمعيار لفرز الممكن من الفانتازي أو الصائب من الخاطئ . الموقف من “النظام”- والحال كذلك من وجهة النظر النقدية تلك- هو في جوهره موقف من أنماط التراكم الرأسمالي القائمة ومن القوى الاجتماعية التي تسندها. بهذا المعنى فالفارق بين الثوري والإصلاحي يجب أن يستند إلى الموقف من الأساس الاجتماعي للشكل السياسي المهيمن وليس الموقف من الممثلين السياسيين لواقع الهيمنة الطبقية القائم. ولكن يبدو أن الورقة تطرح العكس: فالموقف الجذري من السيسي مثلًا أو مبارك أو شفيق أو “الفلول” أو “العسكر” يجعل من صاحبه ثوريًا، بينما السعي لتجاوز شجرة “النظام” لتكوين موقف من غابة العلاقات الاجتماعية التي سمحت لهذا النظام بالوجود يصبح سعيًا إصلاحيًا. وبالتالي تشمل عائلة القوى الثورية أناسًا من عتاة المغرمين بالرأسمالية، كخيرت الشاطر، وعتاة السلطويين المعادين بعمق لحزمة الحريات العامة والخاصة المتعارف عليها في الدولة الحديثة، كحازم أبو إسماعيل، بينما تشمل عائلة الإصلاحيين بعض الديموقراطيين الاجتماعيين مثلًا. وهذه تحديدًا رؤية أقرب لرؤية شباب اﻷلتراس وشباب 6 إبريل، والتي ترى أن مشكلة مصر في “الفساد” أو “حكم العسكر” أو “الدكتاتورية” أو “حكم العجزة”، منها لرؤية جماعة ماركسية منظمة تسعى للتأثير في هؤﻻء الشباب ولا تسعى لتبني رؤيتهم المثالية عن العالم كما هي. وهي مرة أخرى رؤى لا تقودنا لأي موقف مركب أو جذري، إذ إن مشاريع الاستغلال الفج قد تنتعش في ظل حكومات منتخبة ديموقراطيًا (كما كان الحال في كثير من تجارب أمريكا اللاتينية في الماضي القريب جدًا)، وقد تنتعش في ظل حكم “عساكر” أو “مدنيين” (كما هو الحال في أمريكا اللاتينية كذلك)، وكذلك قد تنتهج حكومات منتخبة ديموقراطيًا سياسات مغرقة في الرجعية والأبوية (كما هو الحال في الكثير من تجارب أوروبا الشرقية حاليًا).

وهذا القصور المزدوج الذي يطمس الفروق الجوهرية بين الحركات الإصلاحية وبعضها البعض، أو يبالغ في إبراز التمايزات بينها وبين غيرها، بناءً على الموقف من ممثلي الطبقات الحاكمة السياسيين، يؤدي في حالتنا إلى المبالغة في التفرقة بين منهج الإخوان في الحكم والنخب الحاكمة حاليًا استنادًا إلى “إصلاحية” الإخوان المفترضة. فتجربة الإخوان في الحكم كانت في الحقيقة متطابقة تمامًا مع تجربة من سبقهم، من زاوية التزامهم بمحددات السياسات الاقتصادية والاجتماعية نفسها، وكانت أسوأ بالطبع لجهة هجومهم المنظم على الحريات العامة والخاصة كما تدل الإدارة الإخوانية لمسألة الدستور. والفارق بين تجربة اﻹخوان في الحكم والسيسي لا يكمن في نزعة الإخوان الإصلاحية في مواجهة ميل السيسي المحافظ، بقدر ما كان نتيجة الفشل في استيعاب الطبقة السياسية اﻹخوانية داخل حلف حاكم، وبيروقراطية مفككة بالكامل تفتقر لأي مشروع واحد جدّي للهيمنة، ومنحطة لمجموعة من العصابات والشلل المتصارعة نتيجة عقود من التحلل خلال زمن مبارك الطويل. وزاد الطين بلّة ما يشهده الإقليم من فراغ للقوة أو غياب طرف واحد مهيمن- من الإقليم أو خارجه- قادر على فرض قدر من الوحدة العضوية بين تلك الطبقات الحاكمة ورعاية تسويات تاريخية بين المشاريع المتنافسة على تمثيلها، وذلك منذ فشل الاحتلال الأمريكي في العراق وانهيار مرحلة السطوة اﻹمبريالية اﻷمريكية المنفردة، وهو ما فتح الباب واسعًا لتدفق الفوائض الخليجية في فوضى رهانات مفتوحة دون كابح على هذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع في مصر واﻹقليم. في هذا السياق، كان مرسي تائهًا في مصيدة الدولة العميقة/المفككة، ومضغوطًا عليه من قواعده وحلفائه من اليمين الإسلامي غير قادر على أي إجراء “إصلاحي” من وجهة نظر الاشتراكيين الثوريين ولو حتى تغيير حفنة من المحافظين، إذ يقتضي ذلك مواجهات لا تنتهي مع إقطاعيات في مؤسسات مختلفة استقرت أوضاعها على هذا الحال الرث. طبعًا حاول مرسي أن يسترضي تلك الإقطاعيات وأن يسترضي قواعده “الثائرة” في ذات الوقت- كما نعلم- بدستور “ولاية الفقيه” المدعوم بولاية “مجلس الدفاع الوطني”، ولكنه فشل في إرضاء الطرفين حتى انتهينا للحظة ٣٠ يونيه ٢٠١٣.

إذا ما حاولنا بلورة فهم بديل لطبيعة الحركة الإسلامية ودورها– فهم يخلص للمفاهيم الماركسية التي ينتسب إليها كتّاب البيان والورقة ويساعدنا على تجاوز هذه الفوضى التحليلية– فلن نبدأ من مواقف الإخوان أو التيار الإسلامي من هذا “النظام” أو ذاك، ولكن نقطة البداية ستكون البحث في طبيعة العلاقات الرأسمالية السائدة وما تشكل في سياق نشأتها من أشكال للسلطة وممارسات للحكم ومشاريع للهيمنة، أتت الدولة الحديثة لتعبر عنها وتعيد إنتاجها عبر آلياتها القانونية والقمعية، ثم البحث في علاقة التيار الإسلامي بهذه العملية المعقدة مواقفه منها.

في هذا السياق، وعلى العكس من الرواية المعتمدة لدى منظري الإخوان والتيار الإسلامي ككل، ولدى الاشتراكيين الثوريين كذلك، أعتقد أن الفكرة الإسلامية في شكلها العام- أي فكرة توظيف ممارسات حداثية الطابع بهدف استنهاض جوهر ثقافي كامن محمول إلينا من الماضي يساعدنا على اللحاق بالمراكز الرأسمالية المتقدمة- لم تكن بأي حال من الأحوال منفصلة عن مسار تشكل الرأسمالية والدولة الحديثة في الشرق الأوسط، وكانت طول الوقت حاضرة مع غيرها من أفكار ليبرالية وديموقراطية بالطبع، في قلب عملية بناء المؤسسات وتشكل تقنيات الحكم الحديثة. كما كانت هذه الفكرة حاضرة جزئيًا كذلك كتعبير إيديولوجي عن سعي الطبقات المهيمنة، من ملاك أراض ثم برجوازيات محلية صاعدة، لضبط السكان وخلق نواة السلطة في المجتمعات الرأسمالية، أي الفرد الرشيد القادر على استبطان شفرة الحياة الرأسمالية عمومًا، أي تحويل نفسه إلى قوة عمل مأجور وترس في جمهرة المستهلكين من الموقع الهامشي نفسه في السوق العالمية. تاريخيًا كانت الفكرة الإسلامية مثلًا مؤثرة في عمليات ضبط وتوجيه غريزة المرأة وفقًا لاحتياجات وهواجس الرجال البرجوازيون، وفي مواجهة ما تم تعيينه وقتها بانحلال نساء الطبقات الدنيا، ثم شرعنة الأسرة النووية، والمساهمة في تصميم بنيانها الداخلي على حساب أنماط مختلفة من التنظيم العائلي كانت في طريقها للاضمحلال مع انهيار أساسها المادي، أي أنماط الإنتاج المختلفة الخراجية والإقطاعية في القرى، والمساعدة في تعميم أشكال بعينها من الحياة الجنسية واستبعاد أخرى في سياق ضبط العامة والتحكم الكفؤ في قواهم الإنتاجية، وإلحاق الأقباط بمشروع التحديث من موقع التابع المعتقل في أسر الكنيسة بما يسهم في تأسيس مواطنة شكلية دون الإخلال بأحد مصادر شرعية الدولة الوطنية الجديدة، وهي الشرعية الدينية بالطبع، ورسم حدود بالغة الصرامة للحريات الدينية، حتى لعموم المسلمين، هذا بخلاف دورها المحوري في إعادة إنتاج مختلف ملامح النظام الأبوي الذي يشكل دعامة رئيسية لإعادة إنتاج دورة رأس المال عبر توريث الثروة، وفقًا للمعايير الأبوية نفسها المتعارف عليها دينيًا أو عرفًا. لعب المفكرون الإسلاميون الأوائل، كمحمد عبده مثلًا- والذي يعتبر رمزًا تنويريًا كذلك- أو رشيد رضا، والذين عملوا في كنف مؤسسات الدولة الإيديولوجية خلال هذا الوقت، دورًا أساسيًا في الإبقاء على هذه الممارسات قائمة، واعتبار أي خروج عليها مرضًا من ضمن أمراض التحديث وموبقاته الاجتماعية التي ينبغي محاربتها. هنا ليس مجال تقديم بحث تاريخي مفصل، ولكن نكتفي بالقول إن تجاهل هذا الجانب على الرغم من آثاره المطبوعة في مختلف مؤسسات الحداثة المصرية والعربية، بدءًا من البناء القانوني والقضائي وحتى المؤسسات الدينية الرسمية والتعليمية المختلفة، هو سمة مميزة للتحليل الانتقائي الاشتراكي الثوري منذ إصدار كتيبهم سابق الذكر عام ٢٠٠٥، إذ هذا الكتيب يفترض أسوارًا صينية فاصلة ما بين مسار الدولة الحديثة العلمانية المتغربة ومسار معارضتها الإسلامية، وهو افتراض لا يظهر بهذا الشكل الكاريكاتيري إلا في كتابات الإخوان أنفسهم.

أما بخصوص الوجود الحركي المستقل للتيار الإسلامي وعلاقته بمشروع التحديث الرأسمالي، فيقدم عددًا من الكتّاب الإسلاميين أنفسهم تعقيبًا مهمًا لفهم هذا المسار. ويعد ما قدمه الباحث محمد عباس في سلسلة مقالات حديثة مثيرة للجدل بدورها هو الأقرب للدقة عندما تحدث عن أربع مراحل تأسيسية مر بها الإخوان. أتت مرحلة التأسيس الأولى مع تقدم مشروع الحداثة خطوات للأمام وظهور تناقضاته الاجتماعية الفجة، كان ظهور التيار الإسلامي بشكله الحزبي الحركي إحدى الإجابات الشمولية- مع إجابات علمانية أخرى-، التي خرجت من رحم اجتماعي واحد هو فئات الطبقة الوسطى المتعلمة في مواجهة تحالفات حاكمة مأزومة، واحتمالات تجذير اجتماعي لا أحد يعرف مداها أو اتجاهاتها قد تهدد مشروع التحديث الرأسمالي ذاك. الحركة الإسلامية في شقها الحركي إذن كانت منذ النشأة مشروعًا للهيمنة يستهدف مفصلة مطالب وحساسيات اجتماعية محافظة مع شعور عام باﻻغتراب وسط قطاعات متعلمي الطبقة الوسطى الصاعدة في مُركب واحد لإنقاذ التحديث الرأسمالي من مأزقه، وذلك عبر تكثيف طابعه الأبوي الضبطي وإكسابه بعدًا شموليًا- كوربوراتيًا صريحًا في معاداته للقيم والممارسات الديموقراطية وأقرب ما يكون للنماذج الفاشية المخففة كما إسبانيا أو أمريكا اللاتينية في هذه الفترة.

ثم تأتي المرحلة الثانية على يد سيد قطب، والذي نجح في التمييز الكامل بين المشروع الإسلامي ومختلف المكونات الليبرالية أو الديموقراطية التي لحقت به في مراحل تأسيسه الأولى، ونجح كذلك في تحويل فكرة التنظيم الإسلامي من صيغة أقرب لصيغة المنظمات المدنية المفتوحة، أو الكنائس مثلًا، إلى صيغة شديدة العقائدية قائمة على ما سمّاه “المفاصلة الشعورية”؛ حيث يتحول منتسب التنظيم إلى عضو في طائفة مغلقة تستهدف إعادة بناء الإنسان وفقًا لما تعتقده كتصور إسلامي مستقل. هنا لا سعي لتمثيل الناس وفقًا لحساسياتهم الثقافية أو مطالبهم بقدر ما أننا بصدد سعي لإعادة بناء مجتمع جديد من نقطة الصفر على أنقاض القديم “الجاهلي” وعلى يد “طليعة مؤمنة تستعلي بإيمانها”، فيما كان دفعًا لشعور اﻻغتراب في صفوف المتعلمين لحدود البارانويا. وبعد فترة الصدام المفتوح مع التجربة الناصرية وتشتيت التنظيم ما بين المنافي والسجون، يعاد تأسيس الإخوان مرة ثالثة كجزء من ظاهرة أوسع سميت بـ”الصحوة اﻹسلامية”، وهي في جوهرها مشروع للهيمنة الفكرية والسياسية اغتنى من كرم خليجي حاتمي، بهدف إعادة الشعوب العربية إلى حظيرة علاقات السلطة اﻷبوية التي جرى خلخلتها جزئيًا خلال حقب التحرر الوطني وفرض استسلامها الكامل للتوحش الرأسمالي بعد تجارب التجذير المحدودة على الطراز الناصري. ولعبت هنا الحركة الإسلامية ككل أدوارًا وظيفية في الانقلاب على كل ما تم إنجازه من تقدم محدود مثلاً في مسألة المرأة أو العلاقة مع الأقليات الدينية أو حريات التعبير.. وغيرها، واستطاعت بالفعل أن تبلور مشروعًا بالغ المحافظة للهيمنة السياسية ينتظر اللحظة المناسبة لاستدعائه إلى مقاعد الحكم عبر توافق دولي مع النخب الإقليمية الراعية له.

ثم يأتي التأسيس الرابع، والذي ترتد فيه الجماعة إلى طبعة قطبية خشنة في الفكر والتنظيم والممارسة السياسية. وهذا التحول لا يمكن نسبته ببساطة وخفة لانقلاب يوليو ٢٠١٣- كما ترى كتيبة محللي مراكز الأبحاث الغربية- كما لو كان المرء يؤمن بالديموقراطية أو غيرها من الأفكار على مدى عقود ويتخلى عنها بين ليلة وضحاها. التحول القطبي الحالي هو تحول عميق جرى على مدار عقدين من الزمان تقريبًا، تم فيهما تحويل الجماعة إلى طائفة مغلقة على نفسها تمامًا تحت قيادة مُركب مالي- تنظيمي منذ منتصف التسعينيات تقريبًا. سال حبر كثير، لكتاب إسلاميين قبل غيرهم، في شرح ملامح هذا التحول من جماعة منفتحة نسبيًا في السبعينيات والثمانينيات حاولت تقديم مشروع هيمنة بديل في إطار ظاهرة الصحوة الإسلامية، إلى طائفة مغلقة طاردة لعناصرها المنفتحة، وما مثال عبد المنعم أبو الفتوح عنا ببعيد. وكانت القطبية هي القلب الإيديولوجي لهذا التحول الهادئ البطيء، والذي فاجأنا عمليًا عندما خرجت الجماعة على السطح بعد الإطاحة بمبارك. هذا لا يعني أن قطب كان وجهًا هامشيًا في حياة هذا التنظيم قبل هذا التحول. بالعكس، كانت القطبية حاضرة بقوة يخفف من غلوائها ضرورة إعادة التأسيس بعد عقديّ القمع الناصري والنجاحات الانتخابية غير المسبوقة سواء في المجالس النيابية أو النقابات المهنية خلال الثمانينيات على وجه الخصوص. في الحقيقة، كانت القطبية هي الرواية الأكثر تماسكًا والقادرة على البقاء والإلهام في مواجهة روايات أخرى تفتقر للتأسيس الفقهي والنظري، ولم تعكس أكثر من تنازلات ومناورات شبيهة بتلك التي مارسها أسلاف التيار الإسلامي في نهايات القرن التاسع عشر.

الغرض من وراء هذا اﻻستطراد الطويل، هو التشديد على أن المراحل الأربع، وإن كانت تشتمل على خلافات مهمة وتباينات لا يمكن التغاضي عنها ولا مجال للتفصيل بشأنها هنا، إلا أن ملامح الاستمرار أكثر بكثير من ملامح القطيعة على الرغم من صدام الجماعة مع هذا “النظام” أو ذاك. فهي مراحل ومشاريع يجمعها كلها ملمح رئيسي وهو عدم ائتمان الشعوب على حكم نفسها، وفي كونها مشاريع مدفوعة في الأساس بهدف إعادة بناء عقيدة هذه الشعوب وذاتيتها بشكل يسمح لها أصلًا أن تحكم نفسها في يوم من الأيام. السعي لإعادة الناس إلى حظيرة علاقات وممارسات السلطة الأبوية هو المبدأ الناظم لهذه المشاريع وليس السعي لإصلاح جزئي من أي نوع . في أوروبا القرن التاسع عشر مثلًا كان يعاب على القوى الجمهورية المعتدلة أو الليبرالية أنها غير جادة في مواجهة الأساس الاجتماعي للسلطة السياسية، أو أن رؤيتها الديموقراطية قاصرة على حدود الديموقراطية التمثيلية، أو، في مرحلة لاحقة طبعًا، أن رؤيتها للمسألة النسوية قاصرة. هنا تسعى الحركة الإصلاحية لاحتواء المطالب الجماهيرية المتصاعدة عبر الحديث باسمها وتبنيها جزئيًا أو وفقًا لحدود لا تهدد منظومة علاقات السلطة القائمة. ولكن الإسلاميين منذ بداية تبلورهم الحركي ذاك وعبر مراحلهم الأربع سابقة الذكر، كانوا في مواجهة مباشرة مع هذه النضالات ولم يكونوا في موقع الساعي لاحتوائها وتوجيهها. قد ينطبق الوصف الإصلاحي هنا على قوى كالوفد مثلًا أو قوى ليبرالية صاعدة على أطرافه، ولكن كل ما قدمه ويقدمه الإخوان، والإسلاميون عمومًا، هو تنازلات مرتبكة كانت تُفرض عليهم فرضًا وتفتقر لأساس فقهي أو نظري قوي وسرعان ما يتم التراجع عنها تحت ضغط الأجنحة الأكثر تشددًا. تنازلات هامشية جدًا فيما يتعلق برؤيتهم للمرأة والأقليات الدينية ومسألة حرية العقيدة والحريات الدينية في المجمل ومسألة حرية التعبير والتنظيم وغيرها. أما الموقف من قضايا التنمية والعلاقة مع السوق الرأسمالية العالمية والتوزيع؛ فقد كان دائمًا موقفًا يمينيًا يدور مع الرؤى المهيمنة على منظري الرأسمالية المحافظين أينما دارت، بدءًا من تبني سياسات تدخلية واسعة مع تكثيف شروط الاستغلال مرورًا بفتح الباب للرأسمالية الخاصة والليبرالية الجديدة وانتهاءً بالعودة إلى تدخل الدولة مرة أخرى بهدف إنقاذ الرأسمالية من عثراتها. وظلت كل محاولات التفكير في مداخل “إسلامية جذرية” لأسئلة التنمية والتوزيع تلك، على طراز أطروحات ما عرف بـ “اليسار الإسلامي” مثلًا في الثمانينيات، على هامش اجتهادات الجماعة وعموم الحركة الإسلامية في مصر.

ربما يكون التنازل الوحيد المؤسس فقهيًا هو القبول بمبدأ تداول السلطة عبر الانتخابات، وهو تطور لا يجعل بحد ذاته من أي حركة “إصلاحية”، إذ إن قوى الثورة المضادة الصريحة في السياقات التي يحيلنا إليها البيان والورقة- أي سياق الثورات الأوروبية في القرن التاسع عشر وبداية القرن الماضي، كالملكيين مثلًا، مرّت هي نفسها بتطور مماثل وانتظمت في شكل أحزاب وقوى سياسية قبلت جميعها بمبدأ التمثيل النيابي وتداول السلطة عبر الانتخاب ولم يدفعها ذلك للعب أدوار إصلاحية. هذا بخلاف أن المؤسسات الدينية الرسمية في العالم العربي، والتي تشكلت على عين الطبقات الحاكمة- كما أشرت-، هي نفسها متشبعة برؤية قريبة جدًا من الرؤية الإسلامية، وبالتالي لا تقدم أي تأسيس بديل.

تتجاهل الورقة ما أراه صريحًا واضحًا وضوح الشمس من كون مشروع الإخوان كان ولا يزال مشروعًا مطروحًا لإقالة نموذج التحديث الرأسمالي نفسه من عثرته عبر إكسابه طابعًا شموليًا وتعزيز طابعه الأبوي، وتطرح في المقابل فكرة تائهة تقول بأن الإخوان “ليس لهم امتدادات في البرجوازية الكبيرة” فيما يبدو كمحاولة أخيرة لتبرئة ساحة الإخوان من الانحياز الفج لطبعات بالغة التخلف من الاستغلال الرأسمالي لشعوب المنطقة. هنا أيضًا نحن أمام معايير شكلية في الحقيقة تكتسي ببلاغة ثورية. ببساطة ﻷن التمثيل السياسي لمصالح ورؤى البرجوازية شيء وأن يكون هؤﻻء الممثلون بحد ذاتهم برجوازيون من عدمه شيء آخر. المعيار الفاصل كما حاولت أن أوضح يكمن في طبيعة المشروع السياسي القائم بين أيدينا وانحيازاته لا في الخلفية الطبقية للقائمين عليه. ألم يحظ المشروع الإسلامي منذ زمن “الصحوة” برعاية رأسماليات الخليج المتخلفة؟! وهذه الرعاية لا تزال مستمرة على الصعيد الإقليمي ككل، وتقوم أسر حاكمة بأكملها كالبيت الحاكم القطري بالترويج ليل نهار لمشروع الإخوان كبديل أكثر استقرارًا وقدرة على السيطرة على شعوب المنطقة لدى حلفائها الغربيين. ويبدو أن الأسرة الحاكمة السعودية، بعد وفاة الملك عبد الله، وتحت ضغط التنافس اﻹقليمي مع إيران، تتبنى طبعة مخففة من الرؤية القطرية كما يشي سلوكها في اليمن وسوريا وليبيا. أما المدافع الأكبر عن إخوان مصر خارج المنطقة العربية، وهو رجب طيب أردوجان، فهو نفسه يعد الممثل السياسي الأهم للرأسمالية التركية الكبيرة في القرن الحالي حتى الآن. بخلاف ذلك؛ فالرأسمالية الإخوانية ذات الحجم “الصغير” أو “المتوسط” تدين بتراكمها لرأسمالية الخليج الكبيرة سواء بعملها كوكيل مباشر في بعض الحالات في مصر أو عبر تحقيق تراكمها نفسه من خلال الإقامة في الخليج وبالشراكة مع رأسمالييه، وهي الشراكات القائمة حتى الآن. طبعًا لن أتحدث عن خيرت الشاطر وحسن مالك ويوسف ندا لتفادي مماحكات بشأن حجم هذه الرأسماليات إذا ما قورنت برأسماليات أخرى قد تكون “أكبر”!

تقديم رؤية للإخوان معزولة عن السياق التاريخي والاجتماعي ودون التطرق لمضمون مواقفهم واﻻكتفاء بوصفهم كجماعة إصلاحية لمجرد اعتمادهم اﻻنتخاب وغيرها من آليات الديموقراطية التمثيلية، لا يمكن أن تقود فعلاً إلا لاعتبار الإخوان قوة من قوى معسكر الثورة في التحليل الأخير. ولكن عن ماذا يتحدث الاشتراكيون الثوريون عندما يذكرون معسكر الثورة الغامض ذاك؟ وبالتبعية، ماذا يعني كُتّاب البيان والورقة بنقيضه أي “الثورة المضادة”؟

اعلان
 
 
عمرو عبد الرحمن