Define your generation here. Generation What
مصر وروسيا: دبلوماسية اللعب في المنتصف
 
 

لم تكن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى روسيا ذات أهمية قصوى فقط بسبب ما تم الإعلان عنه من محاور النقاشات التي جمعت الرئيس المصري مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ولكنها اكتسبت أهمية مضاعفة من كونها الرابعة للسيسي إلى الأراضي الروسية منذ 3 يوليو 2013؛ حيث زارها للمرة الأولى وزيرًا للدفاع في فبراير 2014، قبل أن يزورها في يونيه 2014، ثم في مايو 2015، وقد أصبح رئيسًا، وفي المقابل زار بوتين مصر مرة واحدة في فبراير الماضي.

وإن كانت كل واحدة من زيارات السيسي إلى روسيا، تحمل تفاصيل (عسكرية، واقتصادية، وسياسية) تختلف بتغير الوقت، لكنها مجتمعة قد تجيب عن السؤال المطروح حول رهان مصري على الدب الروسي- الذي اعتاد أن يكون أحد قطبي القوة في العالم أمام الولايات المتحدة- والذي يحاول هو الآخر أن يستعيد بعضًا من ثقله السياسي الدولي. وهل ما يحدث من تقارب على مستوى العلاقات المصرية- الروسية هو ابتعاد مصري عن أمريكا؟ أم أن مصر تحاول أن تلعب في المنتصف؟

المشروعات الاقتصادية:

السفير المصري السابق لدى موسكو رؤوف سعد، يجيب عن بعض هذه الأسئلة، ويقول: “لا يجب النظر لقمة بوتين والسيسي على أنها أمر طارئ أو استثنائي، تعدد اللقاءات على المستويات المختلفة له دلالة واضحة على استقرار العلاقة بين البلدين، وعلى اتفاق الرئيسين على أن قواعد اللعبة الإقليمية تغيرت”.

استقرار العلاقة بين البلدين- بالنسبة لسعد- والتفاهم البادي بالنسبة لهما لا يؤثر في تحالفات طبيعية لكل طرف، يضيف: “أهم أسس التفاهم بين الرئيسين هو اتفاقهما أن العلاقة الناشئة لا بد ألا تؤثر في خريطة التحالفات والشراكات الدولية التقليدية، السياسة الدولية في القرن الواحد والعشرين ليست كما كانت في القرن العشرين، وكذلك مصر وروسيا ليسا كما كانا”.

إلا أن سعد يشير أيضًا إلى أسس العلاقة المتبادلة، ويقول: “روسيا ترى أن علاقتها بمصر تعطيها مزيدًا من النفوذ في المنطقة، ومصر ترى في روسيا شريكًا آمنًا ومستقرًا من الممكن جدًا أن يسهم في بناء قدرات مصرية جديدة كالقدرات النووية مثلًا. مصر تريد من روسيا صفقات سلاح وتريد خبراتها وتقنياتها العالية في المجال النووي، وعلى الجانب الآخر، أعربت روسيا عن رغبتها في تطوير العلاقات الاقتصادية والمساهمة في مشاريع محور تنمية قناة السويس. أيضًا مسألة التعاون المنتظر بين مصر والاتحاد الأورو-أسيوي تمنح روسيا ثقلا مهمًا في إدارة لعبتها السياسية في آسيا دون توريط مصر في أي صراعات”.

ماذا عن السعودية؟

لا يختلف أحد على أن العلاقة مع السعودية تؤثر بشكل كبير فى التوجهات الخارجية للنظام المصري، التي أحيانًا ما تزايد على الموقف الخليجي نفسه. وكان ذلك جليًا بعد إعلان انتهاء الاتفاق النووي بين مجموعة الـ 5 + 1 وإيران، ففي حين هنأت الإمارات إيران بالاتفاق، اكتفت الدبلوماسية المصرية بالإعلان عن “المراقبة عن كثب” دون تجديد الموقف بعد انتهاء المفاوضات.

يقول دبلوماسي مصري- تحفظ على نشر اسمه- لـ”مدى مصر” إن “السياسة الخارجية المصرية تتبلور في اتجاه اللعب مع كل الأطراف دون التبعية لأحدهم على حساب الآخر، في هذا السياق مثلا، نرى التباين بين الموقفين المصري والسعودي من الأزمة السورية، على الرغم من الحرص الشديد بين البلدين على الحفاظ على قوة علاقتهما. نستطيع القول إن الدبلوماسية المصرية قررت أن تلعب على اللون الرمادي، وألا تتحيز لطرف واحد فقط”.

وعلى الرغم من اتساع مروحة التباينات بين النظامين المصري والسعودي بعيد وفاة الملك السابق عبد الله آل سعود؛ فإن مسألة روسيا بدت مختلفة بين البلدين.

يقول الدبلوماسي المصري: “مصر لعبت دورًا أساسيًا في تقريب وجهات النظر بين السعودية وروسيا، وكان لها تأثير في اللقاءات التي حصلت مع المسؤولين الروس من قبل أمراء السعودية”.

وكان ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، قد زار موسكو في يونيه الماضي، ما رآه الكثير خطوة مهمة في العلاقات السعودية- الروسية التي كانت تعاني تدهورًا كبيرًا، خاصة تحت مظلة وزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي وجه رسالة حادة للرئيس الروسي بوتين، متهمًا إياه بالتورط في الصراعات الدموية في الشرق الأوسط.

زيارة محمد بن سلمان إلى موسكو انتهت بتوقيع اتفاقيات مشتركة ذات أهمية بالغة. من بينها مشاركة موسكو في بناء 16 مفاعلًا نوويًا تريد السعودية تدشين مشروعها النووي بها، بالإضافة إلى 6 اتفاقيات استراتيجية أخرى تتعلق بالتعاون العسكري وبرنامج الفضاء.

سوريا ومصر:

“سوريا والجيش المصري والشعب المصري في خندق واحد”..”اتفقنا مع الرئيس السيسي على ضرورة إنشاء جبهة موحدة تضم سوريا لمحاربة الإرهاب”.. أتى هذان التصريحان، الأول للرئيس السوري بشار الأسد، والثاني لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، على هامش زيارة السيسي الأخيرة لروسيا.

وجاءت تصريحات الأسد الأخيرة في ما يتعلق بالشأن المصري مفاجئة بعض الشيء. فعلى الرغم من أن الحديث عن العلاقات مع سوريا خلال الأعوام الأربعة الأخيرة لم يبت أن العلاقات مقطوعة فعليًا، إلا أن تصريحات الأسد كانت الأولى رسميًا والأكثر وضوحًا.

وقال الأسد إن “العلاقة بين سوريا ومصر هي التي تحقق التوازن على الساحة العربية (..) إن ما تريده سوريا في المرحلة الحالية ألا تكون مصر منصة انطلاق ضد سوريا أو غيرها من الدول العربية”. وأكد أن “عددًا من المؤسسات في مصر رفضت قطع العلاقة بسوريا، واستمرت بالتواصل معها، وكانت سوريا تسمع منها خطابًا وطنيًا”.

مصدر سياسي سوري مقرب من النظام، تحدث مع “مدى مصر”- شريطة عدم ذكر اسمه-، وقال: “منذ البداية والجيش المصري له موقف مختلف مما يحدث هنا. حتى تحت حكم الإخوان المسلمين والقطيعة بين البلدين على المستوى الرسمي. نحن والمصريين لدينا فهم واضح، في مصر لا يزالون يقولون مسمى “الجيش الثاني الميداني” و”الجيش الثالث”، هذه مسميات الوحدة بين البلدين، الجيش الأول في سوريا. ولا ننسى أن الجيش المصري رفض طلبات مرسي المتكررة بتدريب عناصر مما يسمى “الجيش السوري الحر”، ولا ننسى أن الخطاب الأخير لمرسي عن سوريا لعب دورًا كبيرًا في تحديد موقف المؤسسة العسكرية منه”.

وفي خلال الفترة القليلة الماضية، بدأ حديث عن عودة السفير المصري إلى دمشق في الظهور. إلا أن الدبلوماسي المصري أكد لـ”مدى مصر” أن “هذا الحديث ليس صحيح حتى الآن، لا يوجد أية خطوات في هذا الاتجاه إلا أنه ليس مستبعدًا”.

كانت مصر قد استدعت، في فبراير 2012، سفيرها في دمشق، شوقي إسماعيل، والذي كان في زيارة للقاهرة التقى خلالها بوزير الخارجية آنذاك محمد كامل عمرو، قبل أن يصدر قرارًا باستبقاء إسماعيل، وهو ما ردت عليه سوريا بالمثل عبر استدعاء سفيرها في القاهرة يوسف الأحمد.

وهنا، يقول الدبلوماسي المصري: “علاقة مصر مع روسيا في الملف السوري والسعودي كفيلة بتوضيح ما تسعى إليه البلدان. مصر كما نرى تلعب في المنتصف، دورًا كبيرًا في التقريب بين السعودية وروسيا، وتختلف مع الموقف السعودي في سوريا، ومع الموقف الروسي في اليمن.. هذه هي الدبلوماسية المصرية الآن”.

اعلان