Define your generation here. Generation What

محاولات خلق مشهد ثقافي متحقق خارج العاصمة

محاولات

خلال السنوات العشر الأخيرة، كان هناك عدد من المحاولات في الإسكندرية، منها ما استمرت ومنها ما توقفت منذ البداية، ومنها ما تطورت وما لم تخطو خطوة واحدة تجاه حتى التفكير في كيفية التطور، ومنها ما نتج عنها  محاولات أخرى وما اكتفت بما وصلت إليه من نتيجة. وتنوعت تلك المحاولات بين مهرجانات فنية أو مشاريع فنية  قصيرة وطويلة المدة أو مساحات وفضاءات معنية بإنتاج واستضافة الأعمال الفنية والمشاريع.

اتخذت المؤسسات الثقافية المستقلة من شكل “الجمعيات والمؤسسات الأهلية” إطارًا قانونيًا لعملها، واتبعت في إجراءاتها القانونية وزارة التضامن الاجتماعي، ولكن في أعقاب الثورة أصبح العمل تحت مظلة تلك الجمعيات والمؤسسات شبه مستحيل نتيجة التضييق الأمني على المؤسسات والجمعيات المعنية بالثقافة والفنون، خصوصًا في ما يخص التمويل؛ فتلك المؤسسات والجمعيات ليس لديها أية طريقة للاستدامة سوى التقدم للمنح التمويلية للمشاريع والمقترحات التي تعمل المؤسسة على إنجازها، لذلك لجأت مؤسسات ثقافية كثيرة للبحث عن أطر قانونية بديلة لتسهيل عملية التمويل ولإنجاز مهام المجموعة ومشاريعها ولعدم الوقوع في فخ  فشل التجربة. تلك المؤسسات في مدينة كمدينة الإسكندرية كانت ولا تزال تمثل في أحيان كثيرة منقذًا لمشهد الثقافة في المدينة، منقذًا من الضمور أو الوقوع في بئر أنصاف المواهب والمدعين.

لا يعني ذلك إطلاقًا أن حقل المؤسسات الثقافية المستقلة في المدينة يخلو من أنصاف المواهب والمدعين والنصابين، بالعكس بل إن هناك في كثير من الأحيان من هم أسوأ وأكثر ادعاءً مِن مَن هم داخل المؤسسة الثقافية الحكومية، على الأقل من يعمل تحت مظلة المؤسسة الثقافية الحكومية لم يدع أية تقدمية أو رغبة في التغيير، وهذا في أسوأ الظروف موقف يعد أكثر اتساقًا من آخر.

الرهان

الرهان عادةً يكون على قدرة المؤسسات الثقافية حكومية كانت أم مستقلة على خلق مشهد ثقافي حقيقي يخدم قطاعات عدة من المعنيين بالثقافة والفنون سواء منتجي الفنون أو الجمهور، بالإضافة إلى إتاحة فرص لمنتجي الثقافة والفنون، أيضًا قدرة تلك المؤسسات على إعداد بيئة عمل تسعى لتحقيق تراكم للخبرات والتجارب والعمل على تطوير مهارات التشبيك بين كل مؤسسة وأخرى وكل مشروع وآخر، والأهم هو البحث عن طريقة لتحقيق الاستدامة، ولأننا نعلم جيدًا أن المؤسسة الثقافية الحكومية غير قادرة في اللحظة الآنية- للأسف الشديد- على تنفيذ أية محاولات للتطوير عدا التزامها بخططها السنوية التي تحتاج لنقاش واسع، والذي قد بدأ فعلًا في لحظة من اللحظات لكن توقف عمدًا، واتخذ من تساؤل ماهية وزارة الثقافة عنوانًا له.

وعليه، فالواقع الآن يحتم على بعض المؤسسات الثقافية المستقلة- وأخص حديثي عن الإسكندرية بشكل خاص- أن تدرك أنها حائط الصد الأخير لمحاولة ترميم وتنشيط مشهد ثقافي يعاني فقرًا شديدًا ليس فقط بسبب مؤسسة الثقافة الحكومية وعدم قدرتها على مواكبة التطور وعدم وعيها على الإطلاق بما يدور في فلك الثقافة في العالم، لكن أيضًا لتورط بعض المؤسسات المستقلة في أزمة مؤسسة الثقافة الحكومية نفسها، فتلك المؤسسات تتوافر لها الفرص والإمكانات لتقوم بإنتاج مشاريع ثقافية وفنية ضخمة تستطيع أن تقدم خدمة ثقافية لمئات من المعنيين بالثقافة والفنون بالمدينة، لكن في الحقيقة لأن ما يعني الممول هو الأوراق والتقارير الإدارية والمالية الخاصة بنشاط المؤسسة وليس الجودة؛ فتجد تلك المؤسسات الفاسدة أرضًا خصبة للنصب على الممول والجمهور والمشهد بأثره، والأمثلة كثيرة لمن يريد المعرفة.

منتج وروابط

في الأعوام الخمسة الأخيرة، لم تكتف المؤسسات الثقافية المستقلة النشطة والمعنية بجودة المنتج الفني، بأن تصمم مشاريع تستمر لعدد من السنوات وتنتهي بحفل ختامي.. وينتج عنها كتيب أو اسطوانة مدمجة أو حتى فيلمًا توثيقيًا للمشروع يظهر كيف تعمل المؤسسة على ربط الثقافة والفنون بالمجتمع وتنميته، بل انشغلت بالأساس في خلق مشهد ثقافي متحقق خارج العاصمة، عن طريق محاولة فتح مساحات وفضاءات أو تنظيم مهرجانات وفعاليات سنوية أو مشاريع طويلة معنية بتراكم الخبرات وتطوير مهارات العاملين في الحقل الفني والثقافي، ولعل أي شخص مهتم بتحليل المشهد الثقافي السكندري سيرى أنه في السنتين الأخريين (2014، 2015) بدأت تلك المحاولات تأخذ شكلا وتتبلور لكي تصنع مشهدًا ثقافيًا متحققًا بعيدًا عن المركز (العاصمة)، إذا أخذنا، على سبيل المثال، الفترة من شهر مارس وحتى يونيه، وحاولنا أن نستطلع خريطة الفعاليات الثقافية التي بالفعل بدأت في محاولة لخلق روابط فيما بينها لتحقيق ما ذكرته سابقًا، وهو مشهد متحقق يضع تلك المدينة في خطوة أخرى نحو محاولة جادة لكسر المركزية.

على سبيل المثال لا الحصر، في الثلث الأخير من شهر مارس وبالضبط في يوم السابع والعشرين، يكون يوم افتتاح ملتقى (لازم مسرح)، وهو ملتقى دولي يقوم بتصميم برنامجه والإشراف على تنفيذه مؤسسة “حوار” بشراكة مجموعة من المؤسسات المعنية بالفنون والثقافة، في العام 2015. كان “لازم مسرح” يشهد دورته الثالثة، مع ختام فعاليات “لازم مسرح” في الثلث الأول من أبريل، يستعد مهرجان “نسيم الرقص” لبداية فعالياته، والتي تبدأ في الثلث الأخير أيضًا من أبريل، وتستمر حتى بدايات مايو. “نسيم الرقص” هو ملتقى للرقص المعاصر في الأماكن العامة في الإسكندرية، والنسخة الأخيرة هي النسخة الخامسة من المهرجان، الملتقى من تصميم وإنتاج مركز “ريزودانس”– مصر ومؤسسة “ممكن”- مرسيليا، بشراكة عدد من المؤسسات الثقافية المصرية والأجنبية، وبتعاون مع محافظة الإسكندرية والسفارة الفرنسية بالقاهرة والمركز الثقافي الفرنسي والسفارة الهولندية بمصر، في بدايات شهر يونيه وعلى مدار عشرة أيام وبنسق أفقي في مساحات وفضاءات عدة بالمدينة. يستضيف مهرجان (أفقي) عددًا من الفرق والمجموعات الموسيقية من بلدان عدة، وهو ملتقى دولي يحاول بدأب توفير حالة موسيقية متنوعة في الإسكندرية، وإعطاء الفرصة للجمهور للتفاعل بشكل يومي مع الموسيقى وصانعيها وتاريخها وطبيعتها الإنتاجية ..

هناك عدد آخر من الفعاليات والمشاريع الفنية والثقافية في المدينة وما ذكرته من مشاريع، هو نموذج لكيفية الإصرار على الاستمرار في المحاولة الدؤوبة لخلق حدث ثقافي قوي رغم الأزمات التمويلية التي تواجهها المؤسسات التي تنفذ تلك الفعاليات السابق ذكرها، وبخاصة أن تلك الفعاليات تأخذ في كثير من الأحيان على عاتقها كيفية خلق بيئة عمل تعتمد على التراكم بشكل أساسي لتحقيق مشهد ثقافي خارج نسق المركزية، على جانب آخر، هناك مشاريع أخرى تحاول أن تجد مساحة في الشارع رغم الأزمات الأمنية وعدم وجود أية مساحة للعمل في المساحات العامة، لكن رغم ذلك تحاول تلك المشاريع أن تحتل كل ثغرة موجودة في المجال العام لتنفيذ مشاريعها.

اعلان
 
 
حكيم عبدالنعيم