Define your generation here. Generation What
“مدى مصر” في صنعاء: ماذا تفعل القوات المصرية في حرب اليمن “الثانية”؟
 
 

صنعاء- صعدت قوات التحالف المشكل من عشر  دول بقيادة السعودية مؤخرا من حملتها ضد الحوثيين المدعومين من  إيران، والمسيطرين حاليا على العاصمة صنعاء، لينتقل التحالف بعد شهور من القصف المكثف الذي دمر المعاقل الحربية للمتمردين-  وتسبب في خسائر  ضخمة وسط المدنيين- إلى مرحلة التدخل البري سعيا لإجبار الحوثيين على التراجع إلى معاقلهم في شمال البلاد. وفي خطوة أبعد تستعد قوات التحالف الآن للاشتباك أيضا مع عناصر تنظيم القاعدة الذي يحظى بنفوذ متزايد على الأرض.

وما زال حجم ودرجة مشاركة القوات البرية المصرية في هذا التصعيد الجديد مشوبين بالغموض، وسط تصريحات متضاربة بشأن إنزال بري وشيك لتلك القوات. ورغم عدم صدور أي تصريح رسمي عن الحكومة المصرية حتى الآن، فإن مجلس الدفاع القومي قرر في أول أغسطس الجاري تمديد فترة تواجد القوات المصرية خارج البلاد لستة شهور إضافية.

ولا يزال الجدل قائما حول دوافع ومكاسب مصر من التدخل في النزاع الدائر منذ عقود بين السعودية واليمن وإيران، خاصة في ظل التحديات الميدانية الصعبة، وتدهور الوضع الإنساني للسكان المدنيين، والتاريخ الكابوسي للتورط المصري في التدخل العسكري في اليمن.

Old City Sanaa.jpg

Old City of Sanaa Yemen

تدخل بري مصري؟ لا تعليق

عندما أعلنت مصر انضمامها لعملية “عاصفة الحزم” في بدايتها حرص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على التأكيد أن المشاركة ستقتصر على قوات بحرية وجوية. وفي خطاب ألقاه في الكلية الحربية في أبريل الماضي قال السيسي: “في حال إرسال قوات أخرى سيتم الإعلان عن ذلك.”

وبحسب وسائل الإعلام المصرية الرسمية فقد شاركت مصر حتى الآن بقوات جوية إضافة إلى أربع بوارج بحرية، وذلك للمساعدة في تضييق الحصار على اليمن ومنع وصول الإمدادات الإيرانية للحوثيين. كما شاركت مصر في ضربات جوية استهدفت مواقع للحركة.

غير أن أحد مساعدي الرئيس المعزول علي عبد الله صالح، والذي كان قد تنحى عن الحكم في انتفاضة 2011، ذكر  في مقابلة مع “مدى مصر” في صنعاء مؤخرا أن المصريين يحشدون الآن قوة من حوالي  ثلاثة آلاف مقاتل عند مدينة “المخا” المطلة على مضيق باب المندب الإستراتيجي بهدف تأمين الملاحة في البحر  الأحمر.  وقد نقلت تقارير صحفية محلية الخبر نفسه على مدى الأسابيع الماضية. ولم يتسن التحقق من صحة هذه التقارير.

وقال مسئول سعودي وثيق الصلة بالجيش السعودي إن “نشر القوات المصرية [البرية] قضية ساخنة مثارة منذ وقت طويل وموضوع للتكهنات منذ بداية العملية وحتى اليوم.” ونفى المصدر السعودي، وكذلك مصدر مصري قريب من القوات المسلحة المصرية، صحة الأنباء التي تتحدث عن تدخل بري مصري وشيك، بينما امتنعا عن التصريح بما هو أكثر من ذلك. وقد اشترط المصدران عدم ذكر اسميهما حيث أنهما غير  مخولين للحديث مع الإعلام.

في الوقت نفسه قال صحفي يمني بارز في مدينة المكلا- طلب أيضا عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية- لـ”مدى مصر” إن هناك مفاوضات جارية حالياً، تشمل الإمارات، لإجبار القاعدة على مغادرة المكلا دون سفك دماء (سيطرت القاعدة في أبريل على المدينة وهي عاصمة حضرموت، كبرى المحافظات اليمنية) إلا أنه أنكر علمه بأي حشد لقوات التحالف.

وعند الاتصال بالعميد أحمد عسيري، الناطق باسم القوات المشاركة في عاصفة الحزم، أجاب: “مشاركة مصر منذ البداية كانت بقوات جوية وبحرية. حتى الآن لم يصدر عن القيادة السياسية المصرية بيان بشأن مشاركة قوات برية مصرية.” وأضاف عسيري: “إذا شاركت مصر بقوات برية فإن ذلك سيكون إضافة لقوات التحالف، وإذا لم تشارك فإن اتخاذ هذا القرار هو  حق سيادي مصري”، مؤكدا أنه “حتى الآن لا توجد قوات برية مصرية في اليمن.”

وعند سؤاله حول ما إذا كانت مصر قد وعدت بإرسال قوات برية، أجاب عسيري: “لا أستطيع التعليق على هذا الأمر حتى يصدر بيان عن القيادة السياسية المصرية.”

وقد باءت عدة محاولات للاتصال بالمتحدث الرسمي للقوات المسلحة المصرية بالفشل.

Sanaa Old City bombed.jpg

A bombing in Sanaa’s old city

ولماذا التدخل؟

هناك ما يشبه الإجماع على أن النزاع الجاري في اليمن هو أحد مظاهر الحروب بالوكالة المحتدمة حاليا بين السعودية وإيران. وبينما لا تبدو لمصر مصلحة أو تأثر بهذه المنافسةـ، فإن الانطباع السائد هو أن مشاركة مصر ارتبطت بحصولها على مليارات من دولارات النفط من السعودية منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي في 2013.

 

وكان القرار الصادر عن اجتماع مجلس الدفاع القومي برئاسة السيسي في 1 أغسطس بتمديد مهمة القوات المصرية خارج البلاد لفترة ستة شهور إضافية أو حتى الانتهاء من المهمة، قد جاء بعد يومين من زيارة للقاهرة قام بها وزير الدفاع وولي ولي العهد السعودية الأمير محمد بن سلمان.

وقد أصدرت السعودية ومصر في ختام الزيارة “إعلان القاهرة” لتعزيز العلاقات بين البلدين في كافة المجالات. وبموجب هذا الإعلان فإن الطرفين سيعملان على “رفض أي محاولة للتدخل في الشئون الداخلية للدول العربية”. كما تضمن الإعلان حزمة من التدابير لتعزيز التعاون العسكري والعمل على تشكيل قوة عربية عسكرية مشتركة

وكانت مصر قد اقترحت وقادت جهود بناء القوة المشتركة في مواجهة انهيار الحكومات المركزية وتزايد عدد الميليشيات والمقاتلين الإسلاميين في المنطقة. وبالإضافة إلى حرب اليمن، فقد لعبت ليبيا دورا كمسرح تجارب لمثل هذه المهام المشتركة.

وجاءت زيارة بن سلمان بعد تواتر أنباء عن خلاف عميق بين القيادتين المصرية والسعودية بشأن موقف الحكومتين من الإخوان المسلمين. فبينما يسعى السعوديون للتحالف مع حركة الإصلاح- فرع الإخوان المسلمين في اليمن- تشن مصر حملة غير مسبوقة على الجماعة الأم، أسفرت حتى الآن عن مقتل وسجن الآلاف من الإخوان وإحالة أغلب قياداتهم إلى محاكمات انتهى العديد منها بالإعدام على خلفية أعمال العنف التي اندلعت في مصر منذ عزل مرسي، بما في ذلك حكم أولي بإعدام الرئيس السابق نفسه.

كما تأتي أنباء حشد قوات برية مصرية في أعقاب زيارة الرئيس اليمني المنفي عبد ربه منصور هادي لمصر بمناسبة افتتاح التفريعة الجديدة لقناة السويس.  وذكر المتحدث باسم الرئاسة المصرية علاء يوسف أن هادي “أثنى” خلال الزيارة على دور مصر “الحازم والداعم” لاستعادة الشرعية في اليمن. وأضاف المتحدث أن “أمن الخليج العربي خط أحمر  لمصر كما أنه جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري”. وذكر يوسف أن الرئيس السيسي “أشاد بالموقف المشرف للسعودية تجاه مصر” مشيراً إلى أن مصر “لن تنسى” دعم السعودية “للإرادة الحرة” للشعب المصري.

وإلى جانب توطيد الشراكة الاستراتيجية من منظور اقتصادي مع السعودية، فإن ظهور احتمال لإرسال قوات برية مصرية إلى اليمن للقتال ضد القاعدة، وليس المتمردين الحوثيين، قد يعكس مخاوف مصر من أن تتسبب مشاركتها البرية في إشعال ردة فعل حوثية قد تهدد الأمن في مدخل باب المندب الإستراتيجي إلى البحر  الأحمر، ومن ثم تسيطر على المرور في قناة السويس.

وكان السيسي قد شدد في أكثر من مناسبة على أن أمن باب المندب “خط أحمر”.

غير أن مسئولين حوثيين التقتهم”مدى مصر” في صنعاء قالوا إنهم بعثوا بعدة رسائل لمصر لطمأنتها بأنهم لن يقوموا بأي عمل قد يؤذي مصالحها. واتهم المسئولون الحكومة اليمنية في المنفى بقيادة هادي والسعوديين بتأجيج مخاوف مصر من الحوثيين.

فقد قال ضيف الله الشامي، عضو المكتب السياسي للحوثيين، إن “القيادة السعودية تحاول بث الرعب لدى المصريين بادعائها أن أنصار الله ينوون إغلاق باب المندب” في إشارة إلى الاسم الذي يطلقه الحوثيين في اليمن على حركتهم. وأضاف الشامي: “الخليج يضغط على مصر من أجل إرسال قوات برية، وكنا نأمل ألا تخضع مصر لهذه الضغوط.” وبينما أكد الشامي: “نحن لا نستهدف مصر”، فإنه أضاف محذرا: “إذا أرسلت مصر قوات برية لليمن فإن ذلك سوف يمثل نقطة سوداء في تاريخ الجيش المصري. سيكون ذلك بمثابة غزو لليمن مثلما فعلوا من قبل”.

عقدة التاريخ

في حال تأكدت مشاركة القوات المصرية البرية في الحرب، فإنها قد تواجه مهمة شديدة الصعوبة في ضوء الطبيعة الجبلية لليمن. وسواء كانت المواجهة مع الحوثيين أو القاعدة، فإن التقديرات تشير إلى أن التنظيمين قد يظهران مقاومة شرسة بسبب الخبرة التي اكتسبوها عبر عقود من حروب العصابات.

وبينما يقول لواء الجيش المتقاعد حسام سويلم إن “هناك فرقا كبيرا بين حرب اليوم وقصة الأمس”، فإن مراقبين عدة يتفقون على أن التطورات الحالية تعيد إلى الذاكرة بطبيعة الحال التدخل العسكري المصري في اليمن في الستينيات.

وقتها كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر قد خرج لتوه من تجربة انهيار الوحدة مع سوريا، ليلقي بثقله وراء الجمهوريين اليمنيين في انقلابهم على نظام الإمامة الشائخ المدعوم وقتها من السعودية.

وبذلك بدأت حرب ممتدة يرى الباحثون أنها شُنت بدون خطة مدروسة، حتى أن القوات المصرية لم تكن لديها خرائط طبوغرافية لتضاريس اليمن. وبينما بدأ التدخل المصري متواضعا بإرسال كتيبة من القوات الخاصة لتوفير الحراسة الشخصية للواء عبد الله السلال، زعيم مجلس قيادة الثورة اليمنية في أكتوبر 1962، فإن مصر  بحلول أواخر  1965 كانت قد أرسلت 55 ألفا من قواتها للحرب في اليمن، بحسب دراسة قام بها الملازم القائد يوسف أبو العينين، الذي يعمل حاليا في البحرية الأمريكية كمدير لمنطقة شمال أفريقيا ومصر  في مكتب وزير الدفاع.

وفي كتاب “مقامرة ناصر” حول حرب اليمن يقول المؤرخ جيسي فيريس إن مصر في نهاية الحرب واضطرارها للانسحاب في 1967 كانت قد أرسلت 70 ألفاً من القوات المسلحة إلى اليمن، وخسرت منهم في هذه الحرب ما يصل إلى 26 ألف من الجنود المصريين.

ما بعد 2011

بعيدا عن آخر مغامرة عسكرية لمصر في اليمن، فإن النزاع الحالي يعد امتدادا ونتيجة لعداوات لم يكن لمصر شأن بها، بعضها حديث والبعض الآخر مغرق في قدمه وعمقه.

فقد تعاملت المملكة العربية السعودية الغنية بالنفط مع اليمن منذ زمن بعيد باعتباره فناءها الخلفي، فأغدقت على مدى عقود مليارات الدولارات في جيوب القيادات القبلية والعسكرية والسياسية اليمنية لضمان ولائها المطلق.

وبعد انتفاضة 2011 التي أجبرت الرئيس المستبد علي عبد الله صالح على التنازل عن السلطة بعد سنوات طويلة من الحكم، عقدت السعودية بالاشتراك مع دول مجلس التعاون الخليجي وبدعم من الأمم المتحدة والولايات المتحدة صفقة منحت صالح الحصانة من الملاحقة مقابل تنازله عن السلطة.

تسببت هذه الصفقة في انقسام بين حزب صالح (المؤتمر الشعبي العام) والمعارضة التي انتظمت وقتها تحت مظلة تكتل أحزاب اللقاء المشترك، والتي كان لحزب الإصلاح اليمني- فرع الإخوان المسلمين في البلاد- الثقل الأكبر بها.

في رأي كثير من اليمنيين الذين شاركوا في الانتفاضة ضد صالح، فقد أسهمت تلك الصفقة في تمهيد الطريق للوصول للحرب الجارية، حيث أنها لم تمس أيا من مراكز القوى في البلاد بما فيها حزبي صالح والإصلاح، على حين تركت حركة المتمردين، التي شاركت في الانتفاضة، خارج المعادلة السياسية تماما.

ويقول معارضو الإصلاح إن قيادة الحزب سعت بعد تنحي صالح إلى اختراق كافة مؤسسات الحكومة ووحدات الجيش، وإن هادي رضخ لضغوط الإصلاح.

كان جزء من صفقة مجلس التعاون الخليجي استهدف إعادة هيكلة القوات المسلحة في البلاد لتطهيرها من الموالين لصالح وأسرته. حيث كان أحمد، أكبر أبناء صالح، قائدا أعلى للحرس الجمهوري، على حين كان يحيى، ابن عمه، يسيطر على قوات الأمن المركزي. غير أن عملية إعادة الهيكلة هذه، إضافة إلى زيادة نفوذ الإصلاح، دفعت صالح إلى البحث عن حلفاء جدد خارج هياكل السلطة الانتقالية.  ليقع اختياره على الحوثيين.  

وفي حين ينكر الحوثيون وصالح مثل هذا التحالف، إلا أن التطورات على الأرض تظهر غير ذلك.

فقد أطلق الحوثيون معركتهم انطلاقا من قلب معقلهم في صعدة بشمال اليمن، بالتحالف مع القبائل الغاضبة في الإقليم الشمالي، ثم تحركوا في اتجاه العاصمة حيث نجحوا في طريقهم في هزيمة القبائل المتحالفة مع الإصلاح.

Saada old city market 2.jpg

Saada old city market

وفي شهر سبتمبر 2014 نجح الحوثيون في الاستيلاء على العاصمة صنعاء، ويقال إنهم تمكنوا من ذلك عبر التحالف مع وحدات في الجيش موالية لصالح ومناهضة لحزب الإصلاح. وبعد ذلك بعدة أشهر  وضعوا هادي تحت الإقامة الجبرية في منزله ومعه عدد من المسئولين في الحكومة. وفي مارس 2015 هرب هادي إلى عدن ومن هناك إلى المملكة العربية حيث طلب التدخل العسكري لصد الحوثيين الذين استمروا في الاستيلاء على مزيد من المناطق.

ظهر الحوثيون، الذين ينتمون إلى المذهب الزيدي الشيعي، في البداية كمدرسة زيدية إحيائية استهدفت مواجهة المؤسسات الدينية الوهابية المعروفة بتمويلها السعودي. غير أن قمع صالح واستخدامه للقوة ضد المجموعة دفع أعضاءها لاحقا إلى حمل السلاح. ومع مقتل حسين الحوثي في 2004 اشتعل تمرد استمر لست سنوات إلى أن توصل الحوثيون مع صالح إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين.

من المعروف عن الزيديين قربهم من المذهب السني أكثر من الشيعة، كما يتمايزون عن المذهب الشيعي الإثنا عشري السائد في إيران. ولذلك فإن الارتباط بين الحوثيين وإيران ذو طبيعة سياسية أكثر منها دينية.

ويعتقد المراقبون هنا أن الحوثيين انتهوا إلى التحالف مع  إيران لأسباب لا علاقة لها بمعتقداتهم، وإنما بسبب تهميشهم من جانب البلدان العربية، بما فيها مصر.

على سبيل المثال يرى محمد عزان، وهو عالم زيدي بارز لكنه معارض للحوثيين أن الأخيرين: “لم يجدوا يدا تمتد إليهم ما عدا يد الإيرانيين. لا أستطيع لومهم فهذا أمر طبيعي للغاية. كان تجاهلهم غلطة كبيرة وسياسة غبية.” لكن عزان أضاف في حديثه لـ”مدى مصر”: “أمام الحوثيين الآن خيار واحد: القبول بأي اتفاق سياسي والمصالحة مهما كانت التنازلات المطلوبة منهم مؤلمة.. يجب أن يعودوا إلى حجمهم الطبيعي.”

منذ بدأت العمليات الحالية بقيادة السعودية لم يكن أمام الإقليم الشمالي، وأغلب سكانه من الشيعة الزيديين، خيار غير الوقوف إلى جانب الحوثيين، فقد تعرض الإقليم لأشد هجمات التحالف شراسة خلال بداية القصف الجوي. على الجانب الآخر انضم الإقليم الجنوبي، الذي كان أكثر المناطق تأثرا من عمليات الحوثيين العسكرية، إلى قوات حكومة  المنفى والتحالف بقيادة السعودية.

وساهم حجم الدمار الذي لحق بشمال اليمن، بما في ذلك صنعاء، في إحياء كراهية عمرها عقود تجاه المملكة الجارة الغنية بالنفط.

في جلسة من جلسات مضغ القات في إحدى أمسيات صنعاء، استرجع عبد الله الرحبي، أحد كبار موظفي الرئاسة اليمنية، مقولة شائعة تلخص العلاقات اليمنية السعودية:

“كانت وصية أحد مؤسسي المملكة السعودية لأحفاده وهو على سرير الموت: خيركم في أذى اليمن، وشركم في رخائه.”

لكن محطات تاريخية أخرى أشعلت تلك الكراهية.

فبعد فترة وجيزة من تأسيس المملكة السعودية تحارب السعوديون واليمنيون في الشمال (تحت حكم إمام زيدي وقتها)، في عام 1934 حول الأقاليم الثلاثة الغنية بالنفط: نجران وجيزان وعسير. انتهت الحرب باتفاقية سلام رسمت حدودا حسمت النزاع لصالح السعوديين. الكثير من اليمنيين اليوم ما زالوا لا يعترفون بهذه الاتفاقية، بل إن بعضهم يستخدم لوحات سيارات يصنعونها بأنفسهم تحمل اسم إحدى تلك المناطق الثلاث في إشارة إلى طموحهم بأن تستعيد اليمن يوما ما سيطرتها على المناطق المتنازع عليها.

في سياق آخر دعم السعوديون الأسرة الملكية الزيدية في حربها مع المطالبين بتأسيس نظام حكم جمهوري في الستينات، وهو ما مثل منبعاً إضافيا للعداوات التاريخية الممتدة إلى الوقت الراهن.

وماذا عن القاعدة؟

تعرضت السعودية وقوات التحالف للنقد بسبب تجاهل المكاسب التي تحققها القاعدة في اليمن بشكل غير مباشر في سياق الحرب الدائرة. ومع ازدياد النقد بدأت القوات في دراسة توسيع نطاق العملية ليشمل مواجهة القاعدة إلى جانب مطاردة الحوثيين. في الوقت ذاته تشير تقارير إلى أن القاعدة تتفاوض حاليا حول الانسحاب من المكلاّ بعد تسليم السلطة لمجلس مدني. 

كانت مقاتلو القاعدة قد دخلوا المكلا للمرة الأولى في 2 إبريل 2015، وفرضوا سلطتهم على العديد من الثكنات العسكرية وكذلك البنك المركزي وسجن المدينة، حيث قاموا بإطلاق سراح قرابة 300 سجين، من بينهم قائدهم البارز خالد باطرفي.

وفي فيديو جديد بثه مؤخرا تنظيم “القاعدة في شبه الجزيرة العربية” وهو الاسم الرسمي للقاعدة في اليمن ظهر جلال بلعيد، أحد قيادات التنظيم، ليقول إن مجاهدي القاعدة يحاربون على كل جبهات اليمن، وإن السيطرة على المكلا كانت بمثابة إجراء وقائي قبل استيلاء الحوثيين عليها. وأضاف أن المدينة أصبحت مركزا لإرسال التعزيزات إلى الجبهات الأخرى.

منذ ذلك الوقت أبرمت القاعدة صفقة لتقاسم السلطة في المكلا منحت في ظاهرها المجلس المدني سلطة إدارة شئون المدينة، على حين تولى مقاتلو المجموعة بالاشتراك مع رجال القبائل السيطرة على الأمن في الشوارع. وبحسب هذه الصفقة فإن المفترض أن تنسحب القاعدة من المدينة حين يصبح المجلس المدني من القوة بحيث يتمكن من حمايتها من الحوثيين.

خلال الشهور الأخيرة قُتل عدد من قيادات القاعدة في سلسلة من الضربات الجوية الأمريكية على المكلا، بمن فيهم الزعيم والرجل الأول ناصر الوحيشي، والقائد الأعلى ناصر الأنسي، ومسئول الإعلام المعروف للإعلام الغربي باسم مهند غلاب. وقد أثرت هذه الضربات على معنويات التنظيم، ولكن دون أن تثنيه عن التوسع في عملياته في اليمن.

يرى المنتقدون أن قوات التحالف المدعومة من الولايات المتحدة ساعدت القاعدة عن طريق غير مباشر، حيث أن الأسلحة التي ألقيت من الجو على القوات المناهضة للحوثيين انتهى بها الأمر في أيدي مقاتلي القاعدة. كما تُركت المناطق المحررة في عدن وأماكن أخرى لتواجه نقصا شديدا في الوقود والأمن، ما ترك فراغا لا تستطيع أن تسده سوى جماعة منظمة كالقاعدة.

يذكر أن وكالات الأنباء أعلنت أمس الأحد الموافق 23 أغسطس دخول قوات القاعدة إلى عدن، ثاني أكبر مدن اليمن، حيث قامت أول أمس بتفجير مبنى الاستخبارات في المدينة التي أعلنها الرئيس المنفي هادي عاصمة مؤقتة لحكومته.

القتال يستمر بينما يتجه اليمن إلى “كارثة”

على مدى أشهر من الحملة الجوية بقيادة السعودية تم تدمير المعاقل الحربية ومخازن السلاح ومنازل قيادات المتمردين الحوثيين في اليمن. ثم جاءت حملات الإنزال البرية بقيادة الإمارات والقوات السعودية (وبالاشتراك مع جماعات متنوعة من المحاربين الانفصاليين الجنوبيين ورجال القبائل والمجموعات الإسلامية المتشددة)، وهي الحملات التي مكنت من استعادة مدينة عدن الجنوبية. كما استعادت قوات التحالف السيطرة على عدد من المدن الأخرى في الجنوب.

مع اتجاه المعارك الآن لصالح التحالف الذي تقوده السعودية، أجرى الحوثيون مفاوضات سلام مع مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن في العاصمة العمانية، مسقط، خلال الشهر الجاري، حيث تناولت المفاوضات وقفا لإطلاق النار واستدعاء قوات حفظ سلام وتفعيل قرار مجلس الأمن الذي نص على انسحاب الجماعات المسلحة من كل المدن.

Houthi fighter in Sanaa hospital after injury.jpg

Houthi fighter in Sanaa hospital Yemen

لكن أي انفراجة في الوضع . حتى إن جاءت، ستأتي بعد أن دفع السكان المدنيون بالفعل ثمنا كبيرا لهذه الحرب. فمنذ بدأت هجمات قوات التحالف في يوم 26 مارس الماضي، سقط حتى الآن أربعة آلاف قتيل من المدنيين فضلا عن إصابة 19 ألف وتشريد أكثر  من مليون شخص، بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وأسفر القصف الجوي والحرب البرية عن مصرع وإصابة ألف طفل على الأقل، وفقا أحدث تقرير  لمنظمة اليونيسيف.

وقد دفع العنف بالبلد الفقير من الأصل إلى حافة الهاوية، ودمّر بنيته التحتية.

“نحن شهود على كارثة إنسانية في اليمن” على حد تعبير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية في تصريحه الصادر يوم 19 أغسطس. كما حذر برنامج الأغذية العالمي في بيان صحفي من خطر المجاعة في اليمن، مضيفا أن عدد السكان المهددين بالحرمان من الأمن الغذائي قد ارتفع إلى 13 مليون نسمة.

وفي لقاء عقدته المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي أرثارين كازين مع عدد من الصحفيين في القاهرة وحضرته “مدى مصر” يوم الأربعاء الماضي الموافق 19 أغسطس، عقب عودتها من بعثة إلى اليمن، قالت: “في الوقت الحالي تسبب النزاع في التقاء عوامل غياب المواد الغذائية الأساسية وعدم توفر المياه النظيفة للشرب وانخفاض مخزون الوقود لنصل إلى وضع يؤذن بأزمة قصوى للفئات الأكثر  ضعفا من الشعب اليمني”.

كما أن التقارير الواردة بشأن الاقتتال الشرس في تعز  يوم الخميس الماضي، 20 أغسطس، تشير بدورها إلى تفاقم الأزمة؛ حيث لقي العشرات مصرعهم، وسط نداءات من كبرى المنظمات الإغاثية كأطباء بلا حدود والصليب الأحمر لكافة الأطراف بالتوقف عن استهداف المدنيين. وفي ختام زيارته إلى اليمن هذا الأسبوع قال مسئول الأمم المتحدة للشئون الإنسانية ستيفين أوبراين: “إن حجم المعاناة الإنسانية يكاد يستحيل على الإدراك”.

قامت ماجي ميشيل بالتقاط جميع الصور المنشورة.

اعلان