Define your generation here. Generation What
أزمة القطن المصري.. سياسات متضاربة ومستقبل مُرعب
 
 

تعرضت صناعة القطن في مصر لسلسلة مذهلة من التحولات في السياسة هذا العام، ما جعل المزارعين والصانعين يشعرون بالقلق إزاء مستقبل هذا المحصول الأسطوري. 

بدأ العام بإعلان في شهر يناير بأن الحكومة سوف تنهي سياسة دعم المزارعين التي استمرت لعقود، وطالبتهم عوضًا عن ذلك بالتفاوض مع منتجي القطن مباشرة بشأن المبيعات. وقد تسبب الإعلان في إزعاج شديد لمنتجي القطن.

وقتها قال أسامة الخولي- أحد مؤسسي الاتحاد المستقل للفلاحين: “الحكومة تكسر ظهور زارعي القطن”.

في شهر يوليو، وفي خطوة قيل إنها تستهدف حماية إنتاج القطن المحلي، أعلنت وزارة الزراعة أنها سوف تحظر الاستيراد، بما يعني عمليًا إجبار الصناع على استخدام القطن المحلي. وفي مقابلة تليفزيونية يوم 7 يوليو قال الوزير صلاح الدين هلال: “لن نعرض الفلاح المصري للأسعار العالمية”. وقد تجنب هلال الإجابة عن الأسئلة بشأن طول فترة الحظر. وقال إن هناك فائضًا من محصول الموسم السابق يصل إلى مليون قنطار من القطن المحلي غير المبيع، “ولن نستورد أي قطن من الخارج قبل أن نستخدم القطن المصري”.

بعدها بأسبوع سحب مجلس الوزراء قرار الحظر مؤقتًا.

“كلنا فوجئنا، حتى وزير الصناعة”.. يقول محمد عشري- نائب رئيس شركة “عشراتكس” للغزل والنسيج- تعليقًا على قرار الحظر، ويضيف: “لقد صدر القرار عن وزير الزراعة من تلقاء نفسه، دون حتى التشاور مع باقي الوزارات”.

كان سحب القرار، الذي جاء نتيجة ضغط الصناع، مربكًا بقدر القرار ذاته. كما جاء سحب القرار غامضًا- بحسب عشري- إذ سمح باستيراد القطن قصير التيلة دون تحديد الكمية أو الفترة المسموح بها. ولا يزال استيراد القطن طويل التيلة محظورًا، رغم توقع قرار في هذا الشأن خلال الأيام المقبلة.

على السطح يبدو المنطق وراء حظر الاستيراد واضحًا؛ حيث تملك مصر احتياطيًا من القطن، ومن المتوقع أن يضاف إليه 1.5 مليون قنطار سوف تطرح في السوق بحلول شهر أكتوبر. كما أن لديها صناعة نسيج ضخمة يعمل بها حوالي 60000 شخص، تعتمد حاليًا على القطن المستورد.

مع إجبار المصنعين على شراء القطن المحلي- بحوالي ضعف ثمن القطن المستورد- يؤدي حظر الاستيراد إلى رفع عبء دعم المزارعين عن الحكومة وتحميله على الصناعة.

يقول جمال صيام- صاحب مزرعة ومتخصص في الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة- إن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. فصناعة النسيج المصرية غير متزامنة مع الإنتاج الزراعي. والقطن المصري مشهور لطول تيلته، الأمر الذي يسمح بغزله ونسجه وإنتاج منسوجات رقيقة. لكنه يعود ليضيف أن الحصول على القيمة الحقيقية من القطن طويل التيلة يتطلب “آلات حديثة ومتطورة”.

على النقيض من ذلك نجد أغلب مصانع النسيج في مصر مجهزة لصناعة منسوجات أكثر خشونة باستخدام قطن رخيص وقصير التيلة. يشرح لنا صيام: “المشكلة هي أن آلات الصناعة قديمة للغاية، أقدم من اللازم. وعلى مدى ثلاثة عقود لم تكن هناك استثمارات تذكر في صناعة القطن في مصر”.

ويضيف أن صافي مكسب مزارعي القطن المصريين حوالي 1200 جنيه مصري للقنطار، على حين يكلف القطن المستورد المصانع حوالي 600 جنيه مصري. وهو ما يجعل صيام يصل إلى استنتاج أنه دون استثمار في آلات أفضل لا يبدو هناك منطق في أن تدفع مصانع النسيج في مصر أثمانًا استثنائية في القطن طويل التيلة.

ولكن يبدو أنه حتى هذا النوع من الاستثمار قد لا يكون كافيًا لتحفيز الطلب على القطن المحلي. ذلك أن أغلب المصانع المجهزة للتعامل مع القطن طويل التيلة عادة ما تفضل السلع المستوردة. يقول عشري إنه خلال الخمس سنوات الماضية انخفضت جودة القطن المحلي، بحيث تصل نسبة عالية من المحصول إلى السوق قصيرة التيلة ومليئة بالشوائب. 

مثل الكثير من زملائه يقول عشري، إنه يستخدم بالأساس قطن “بيما” الأمريكي في صناعة النسيج الدقيق. وقطن “بيما” هو أيضًا محصول طويل التيلة و”ذو جودة ثابتة”، ويصدر خاليًا من الشوائب- بحسب عشري.

لا يعتقد عشري أن المزارعين المحليين مسؤولون عن تدهور جودة القطن، وإنما يشير إلى غياب تشجيع الحكومة للزراعة، ليس فقط من خلال الدعم، وإنما أيضًا لغياب البحوث من أجل بذور أفضل وبرامج التوسع الزراعي وضمان الجودة.

يتساءل عشري: “أين البحوث، أين البذور الجديدة؟”.

يقول صيام: “أريد أن تدعم الحكومة بحوث القطن من أجل تحسين الجودة وزيادة الإنتاجية. الأمر يحتاج إلى الكثير من الجهد وهذا هو دور الحكومة، لا أن تتخلى عن المزارعين”، ويضيف أن الحكومة بدلًا من ذلك تراجعت أخيرًا عن تمويل البحوث الزراعية “إنني أتهم الحكومة المصرية لأنها مسؤولة عن تدهور إنتاج القطن المصري”.

بين الخطابة والواقع

تقول ياسمين معتز- طالبة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والباحثة في القضايا الريفية: “كان الخطاب دائمًا يذكر الزراعة باعتبارها قاعدة الاقتصاد، والفلاحين باعتبارهم المواطنين المصريين الأصليين، وكل هذا الكلام. إلا أن ذلك لم يُترجم أبدًا إلى سياسات محددة منذ الخمسينيات والستينيات”. وتضيف أن انهيار مزارع القطن المصرية جزء من سياسة اقتصادية شاملة، همشت صغار المزارعين.

مع تبني الدولة لسياسات التحرر الاقتصادي في ظل حكم الرئيس الأسبق أنور السادات ومن بعده حسني مبارك، خفضت الحكومة من اهتمامها بدعم الزراعة وركزت بدرجة أكبر على جذب الأموال الأجنبية من خلال التصدير والاستثمار الزراعي.

تقول معتز: “كان الميل العام واتجاه سياسات الدولة يفضل الاستثمارات الكبيرة، فيعتبرون أن صغار المزارعين غير ملائمين لذلك”.

المساحات الزراعية التقليدية في مصر عبارة عن مزيج من المزارع الأسرية صغيرة الحجم، ومن ثم ليست ملائمة للاستثمارات الأجنبية الكبيرة.

على حين حررت مصر اقتصادها وفتحت أسواقها أمام الاستيراد، أصبح على صغار المزارعين تحمل المنافسة مع المزارعين المدعومين بشدة في البلدان الغنية؛ حيث دفعت حكومات أكبر مصدري القطن (مثل الصين والهند والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) مجتمعة حوالي 6.5 بليون دولار أمريكي في دعم القطن في العام المالي 2013/2014.

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تؤمِّن الحكومة على زارعي القطن لحمايتهم من قلة المحصول أو انخفاض الأسعار عما هو متوقع. كما شملت آخر فاتورة زراعية في الولايات المتحدة أيضًا 16 مليون دولار أمريكي سنوية ولمدة خمس سنوات تودع في صندوق دعم قطن بيما الزراعي لدعم المصنعين لقطن بيما المحلي. أما السياسة الحالية في مصر فتترك المزارعين لينافسوا، دون أية مساعدة مالية، في السوق العالمية.. “هذا ظلم” يقول صيام.

يدعي وزير الزراعة- الذي أقسم أن المزارعين المصريين لن يخضعوا للأسعار العالمية للقطن- أنه يعالج المشكلة، إلا أن التأرجح الأخير في السياسة الزراعية ينذر بتدهور الأوضاع من خلال إثارة قلق المستثمرين المحتملين.

يقول عشري: “لقد أثر ذلك بالفعل في بيئة الاستثمار في مصر. ليس فقط في مجال صناعة النسيج وإنما في كل الصناعات”.

ويوضح صيام: “حين تستثمر، فإنك تستثمر لخمسة عشر أو عشرين عامًا في المستقبل، أما في مصر فلا توجد استراتيجية مستمرة للاستثمار تسمح لك بتوقع مستقبله بعد عشرة أعوام”.

مع هذا التذبذب في السياسة وصعوبة الأحوال بالنسبة لصغار المزارعين، يخشى صيام أن الصناعة قد تختفي تمامًا. فيقول: “لدينا تاريخ طويل من القطن المصري الشهير. إنه مثل الأهرامات بالنسبة لمصر”.

وتبلغ مساحة الأرض المزروعة بالقطن حاليًا حوالي 250 ألف فدان، مقارنة بـ 1.2 مليون في عام 1980. وقد تنخفض إلى 100 ألف في الموسم المقبل، وهو ما يخشاه صيام، بعدما تحول الكثير من المزارعين، بمن فيهم أسرة صيام نفسه، نحو المحاصيل البديلة مثل الأرز، الذي يدر ربحًا أعلى لكنه يستهلك كمية أكبر من المياه عن القطن.

يقول صيام: “إن لم تُحل هذه المشكلة؛ فإن مساحة الأرض التي سوف تُزرع قطنًا سوف تكون صغيرة للغاية بحلول العام المقبل”، ويستكمل آسفًا: “وقد تختفي تمامًا في خلال عامين أو ثلاثة”.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن