Define your generation here. Generation What

خطاب الدولة عقب التفجيرات والاغتيالات .. “الموضوع بسيط”

صبيحة الانفجار الهائل الذي وقع بمحيط مبنى “أمن الدولة” في شبرا الخيمة منذ يومين تحدث محافظ القليوبية، المهندس محمد عبد الظاهر، لإحدى الفضائيات المصرية الخاصة للتعليق على الهجوم الذي وقع في نطاق محافظته وسُمع دويه في أغلب أرجاء العاصمة. كان هذا ما قاله بالنص: موضوع بسيط .. ما يستحقش حتى إننا نتكلم فيه كتير ونحسس الناس إن فيه عمل إرهابي كبير“.

يأتي هذا التصريح في إطار سلسلة أخرى من التصريحات غير الاعتيادية التي يطلقها العديد من المسؤولين الرفيعين في البلاد في أعقاب التفجيرات وعمليات الاغتيال. فقد جاء في تصريح عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية أثناء تشييعه لجنازة النائب العام هشام بركات، والذي تم اغتياله في 29  يونيو بانفجار سيارة مفخخة: “خللي بالكم. أنا دايماً قلت الكلام ده وبقوله تاني، اللي حصل ده كنا عارفين إنه هيحصل.. ومستعدين.. مستعدين إننا نتحمل تمنه”، مضيفاً أن “الكلام اللي بيحصل ده أمر مش جديد علينا، ومش هيبقى جديد علينا، ده تمن إحنا بندفعه، المصريين بيدفعوه كلهم.

وفي 18 يوليو الماضي تداول عدد من النشطاء والمصادر المحلية في سيناء ملعومات تفيد أنه عقب تصدي جنود الجيش في كمين الرفاعي لهجوم من قبل عناصر “ولاية سيناء” قامت القوات الجوية عن طريق طائرة إف-16 بالقصف الخاطئ للكمين، ما أسفر عن استشهاد سبعة من أفراد الجيش فيه. ساعتها انتظر البعض أن يصدر تصريح من المتحدث العسكري عن الاعتراف بالخطأ والأمر بإجراء تحقيق بشأنه، وهو خطأ – إن صح- فهو قاتل حرفياً، أسقط من صفوف جنودنا أكثر مما أسقطته هجمة المسلحين، والتي تصدوا لها بكل بسالة. لم يأت التصريح سوى بمزيد من الغموض ومحاولة التهرب من تحمل المسؤولية، فقد صرّح المتحدث بأنه نتيجة سقوط ما أسماه بـقذيفة عشوائيةفي محيط أحد الكمائن بالشيخ زويد استشهد من عناصر القوات المسلحة، وأصيب أربعة آخرون. كان هذا ما اعتاده الكثير من أهالي سيناء عند سقوط قذائف على منازل المدنيين حتى إن أدت لمقتل مسالمين من بينهم نساء وأطفال.  

هذا التطبيع الرسمي مع حوادث العنف المسلح والإرهاب بدأ مترددا، ولكنه يتحول شيئاً فشيئاً إلى نمط معتاد لسلوك مسئولي الدولة. في بداية الهجمات المماثلة قبل عامين كانت التصريحات الرسمية تميل إلى التركيز على الحزم والشدة وإعطاء الوعود بالتخلص من هذه اﻷخطار خلال أيام أو أسابيع معدودة. ما الذي تغير؟ هل تبلورت قناعة بأن الخطر حقيقي؟ بأنه أكبر من جهود الدولة للقضاء عليه في فترة محدودة؟ بأن المعركة قد تمتد لسنوات قادمة وأنه من غير اللائق كيل الوعود للجماهير بأن  ما حدث لن يتكرر، سواء التفجيرات النوعية للإدارات اﻷمنية، أوالاغتيالات لرموز الدولة، أو الهجمات الكبرى على مناطق تمركز الجيش والشرطة في سيناء وهم يعلمون جيداً أن كل ذلك قابل للتكرار يوميا؟

هذا النمط الجديد هو النقيض التام لما كان عليه الحال في يوليو 2013  واﻷسابيع التالية له؛ إذ كان الخطاب السائد هو التهويل من الإرهاب  المحتمل“، ودعوة جموع الشعب للنزول لإعطاء ما أسماه السيسي ب”التفويض للجيش والشرطة” لمواجهته. بعد تحول المحتمل إلى حقيقة يومية تحوّل الخطاب بالتالي من التهويل إلى التهوين، وهو خطاب يصلح تصريح محافظ القليوبية بأن “الموضوع بسيط” شعاراً له. الخطابان لا يمكن بالطبع التعويل عليهما للتنبؤ بمكافحة فعالة لظواهر العنف المسلح والإرهاب، بل على العكس فإن المواطن العادي يشعر بالمزيد من انعدام اﻷمان، وزيادة احتمالات الموت في أي لحظة، دن أمل ملموس أو استعداد للتحمل إلى حين عودة  احتمالات الموت إلى مستواها الطبيعي. 

إن التهوين والتطبيع الرسمي مع التفجيرات التي تهز أنحاء العاصمة مراراً لن يحقق الغرض المرجو، من أن يعتاد الناس على هذه اﻷحداث الاستثنائية ويمارسوا حياتهم الطبيعية فحسب، بل يؤكد على أن فشل جهود الدولة في محاربة هذه الهجمات هو ما يجب أن يعتادوا عليه أيضاً.

اعلان
 
 
شريف محي الدين