Define your generation here. Generation What

دوائر حول دوائر: عن الكتابة عن العنف الجنسي

أكتب هذا النص عن الصعوبة التي واجهتني أثناء محاولتي الكتابة عن الحركات المناهضة للتحرش وعملهم الدؤوب، فقد كنت إحدى المشاركات في قوة ضد التحرش، وهي واحدة من حركات كثيرة تعمل على صد اعتداءات التحرش الجماعي بحق المرأة في التحرير منذ 2012 فصاعدًا، وها أنا أكتب من نيويورك، لعل المسافة تجعل الكتابة أسهل بعض الشيء.

ــــــــــ

أذكر الصيف الماضي حين جلست أذكر التفاصيل داخل غرفتي جنوبيّ بروكلين، كنت أستعيد الأحداث أمام المروحة، أتذكر كيف كان يمكن أن تصاب بالشلل من ضوضاء الميدان الصادرة عن طائرات الهليكوبتر، وأبواق الفوفوزيلا والأغاني الوطنية، والكلام الفارغ الخارج من مكبرات الصوت. انتظرنا في الممر بجانب هارديز، فقد كان أهدأ، وكنا قرابة العشرين. أتذكر تلك الرائحة: رائحة مياه الشارع الراكدة في أنوفنا، وذلك الانتظار: الانتظار والتدخين على معدة مضطربة، وذلك الحذر: حذر الأدرينالين، وتلك الحكة: الحكة التي يسببها القماش المصنوع منه البنطلون الرخيص الذي اشتريته.

“لازم تلبسي حزام يا ياسمين، البسي حزام ومايوه قطعة واحدة تحت كل حاجة. أنا مش باهزّر وأنت مش مستنياني أعرّفك”.

أكره التحدث عن مصر لأهل نيويورك، فهناك فيض مما يلزم شرحه وأشعر بهذا الفيض يلجّم لساني، ولا أريد العودة لـ 2011، لا أريد وصف لحظة انهيار كل آمالنا في تلك المدينة حيث يصدر الجميع طول الوقت أحكامًا عارية ضد طموحات بعضهم البعض.

أعود للقاهرة في يناير وفبراير ظنًا مني أني قد هربت من شتاء نيويورك القاسي، لأتفاجأ ببرد القاهرة الذي نسيته، ذلك البرد الذي لا مفر منه ولو كنت بالداخل تحت ملابسك الثقيلة وبطانياتك، تذكرت كيف تلبس ذلك البرد كجلدك الذي لا ترغب فيه.

أستغل الفرصة للحديث مع متطوعين ومنظمين بالمجموعة، أتذكر الأسئلة التي سألت (س) إحداها حين قابلتها من قبل بالمعادي، سألتها عن كيف تعاملت مع العنف وعن خوفها منه والذاكرة التي تبقت لها منه.

“كنت مرعوبة يا ياسمين وماكنتش عارفة إيه اللي هيحصل لي، والرعب ما خلّاش رجليّا يخبطوا في بعض عشان رجليا فضلوا مكملين ولقيت نفسي ماشية لقدام، ما قدرتش أرجع، نسيت كل حاجة أول ما (و) كانت في الدايرة وأول ما شُفت البنتين جوا، فجأة بتلاقي اللي بتعمليه بيستهلكك لدرجة إنك بتلاقي نفسك بتاخدي قرارات عفوية ورا بعض، بعدين بتلاقي إنك مش عارفة خدتي القرارات دي إزاي ولا كنتي بتفكري في إيه ساعتها”.

لا بد أن هواء القاهرة مكون من جزيئات من الممكن والمستحيل، مقسّمة بالتساوي وتوجد بالتزامن مع بعضها البعض طوال الوقت.

أخرج من دائرة ذاكرتي عن مقابلات الضحايا وأدخل في قلب تجربتي مع قوة ضد التحرش. الآن أنا في 25 يناير 2013 في وسط البلد بغرفة العمليات في الشقة التي اتخذناها مقرًا مؤقتًا، كانت شقة كبيرة ذات سقف عالٍ وغرف متعددة تؤدي مباشرة لبعضها البعض كعادة الشقق القديمة، وبلكونتها طويلة وذات مداخل متعددة وتطل على الميدان بالأسفل، الذي تراه يعج بالمحتفلين بذكرى الثورة، يعمل قرابة العشرين شخصًا هنا منذ الظهر حيث تتراكم الشنط والنشرات الورقية، وأكوام الملابس الرخيصة التي نسميها “عدة الأمان” من بنطلونات وعباءات وأحذية وملابس داخلية، وتجد بعض الإسعافات الأولية، والمسكنات والمهدئات.

تصل متطوعة ممن أعرفهن عقب التعدي عليها أثناء مساعدتها امرأة أخرى، يبدو وجهها خاليًا من أي انفعال، فقط تريد أن تدخل دورة المياه وأن نتركها وحدها، أستطيع سماعها وهي تبكي عبر الباب الذي تركته مفتوحًا، أقف كالمتجمدة في مكاني على غير دراية بما يمكنني فعله، أأدخل عليها رغم أن ذلك يعد اقتحامًا؟ فأخبرها أني جالسة بالخارج ولن أدخل. تبكي وتخبرني أنها بحاجة لفحص نفسها من أي إصابات، فأنتظرها.

يأتي المزيد والمزيد من النساء، كلهن في درجات مختلفة من الإصابة والصدمة والإحساس بفقد شيءٍ ما، الكثير من الدم والكثير من الدموع، والكثير من “حأقول إيه لأهلي؟” و”أختي فين؟ دي كانت جنبي! أختي فين؟ كنت ماسكة فيها على قد ما قدرت! أختي فين؟ أختي فين؟”.

أضف للمصابين هؤلاء ممن حاولوا شق طريقهم لدخول دوائر الاعتداء، يتردد كلام عن شفرات حادة ومسدسات، أما نحن فلسنا مستعدين، ولم يكن الأمر بهذا الشكل أبدًا من قبل، ولم نظن أنه قد يصل لهذا الشكل.

أخرج تجاه البلكونة لأتنفس بعض الهواء لأجد إحداهن تبكي على الجانب بسبب اعتداءهم على صديقتها. قالت لي “أصل، أصل دي هي يعني!”.

وتضيء الألعاب النارية السماء.

ردود الأفعال مختلفة، فالبعض في هلع، وهناك من يجدون الخصوصية في ركن ما فيبكون، وقليلون يحاولون السيطرة على أنفسهم فيأخذون وقتهم ليهدأوا، ولو حاول أحدهم رسم تفاصيل الطاقة باستخدام الأضواء مختلفة الألوان لربما بدت الرسمة غير مكتملة وغير متناسقة، ولكن جميلة.

تحدق عينا “ك” نحو كاميرا فيديو صغيرة تصوّر الجحيم. أنظر لنقطة محددة بالميدان أسفل البلكونة، وكل ما أراه رجال في دوائر التحرش الجماعي، أذرع مرفوعة وصرخات مسموعة.

فيما بعد، في منتصف صيف 2013 حين حل محل الديكتاتور القديم آخر جديد وظن الجميع أنه الخلاص، تدخلنا في اعتداءات تقدر بالمئات في الميدان، ثم انتهى كل شيء فجأةً وعدنا لبيوتنا في ذهول ونحن نحاول استيعاب ما حدث في ثورة قد خانت الجميع لأنها، إما في لحظةٍ أو في أخرى، لم تمت لأحد بصلة.

أكتب في دوائر وأخرج من دائرة لدائرة أخرى دون الدخول لمركزها، لأن ثمة عنف مظلم في مركز الدائرة. صحيح أنه كان باستطاعتي مواجهته بلحمي ودمي حين كنت جزءًا من صراع بدني ومباشر، ذلك حين كنت جزءًا من كيان عضوي خلقناه سويًا، ولكن الآن وسط هذا الركود لا أقوى على مجرد النظر إليه.

اعلان
 
 
ياسمين الرفاعي