Define your generation here. Generation What
رؤية قانونية: عن عدم مساءلة الشرطة في قانون الإرهاب الجديد
 
 

بعد أشهر من الجدل، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتصديق على قانون مكافحة اﻹرهاب، والذي نشر في عدد الجريدة الرسمية الصادر يوم السبت الماضي 15 أغسطس. وعلى الرغم من الاعتراضات التي واجهها مشروع القانون قبل إصداره؛ فإن كثيرًا من المواد التي كانت محل اعتراض، أو على الأقل أثير حولها بعض الملاحظات لم يتم تعديلها.

أحد أهم هذه المواد المثيرة للجدل في القانون الجديد هي المادة رقم 8، والتي تنص على أنه “لا يُسأل جنائيًا القائمون على تنفيذ أحكام هذا القانون إذا استعملوا القوة ﻷداء واجباتهم، أو لحماية أنفسهم من خطر محدق يوشك أن يقع على النفس أو اﻷموال، وذلك كله متى كان استخدامهم لهذا الحق ضروريًا وبالقدر الكافي لدفع الخطر”.

وهنا، يكون من الواجب طرح سؤال عن ضرورة أو أهمية وجود مثل هذه المادة في القانون من اﻷساس. يعلق المحامي والحقوقي خالد علي، بقوله: إن “القراءة اﻷولى للمادة توحي بأنه من الطبيعي أن تحتوي التشريعات على مواد كهذه”. موضحًا أن المادة توحي بأنها تتعلق باستخدام العنف في حالات الدفاع عن النفس أو الغير، إلا أنه يجب التمييز بين شقي المادة. ويستكمل مفسرًا أن الشق اﻷول منها ينص على انعدام المسؤولية الجنائية إذا استعملت القوة أثناء “أداء واجباتهم”، بينما يتعلق الشق الثاني باستخدام القوة في حالات الدفاع عن النفس أو الغير. بالنسبة للشق الثاني، يقول “علي”: إنه لم تكن هناك حاجة للنص عليه، وذلك لتكرار ذكره في قوانين أخرى مماثلة- كقانون العقوبات- تعطي الحق للشرطة أو حتى المواطنين المدنيين في استخدام القوة من أجل الدفاع عن النفس أو الغير. لهذا فهو يرى أن المقصود من المادة هو شقها اﻷول، وهو تحصين اﻷفراد المسؤولين عن تنفيذ القانون من العواقب الجنائية لاستخدام العنف غير المبرر.

يتفق المحامي عصام اﻹسلامبولي مع خالد علي، وإن كان يعتقد أن المادة من “الجرائم” التي تضمنها القانون. فهو يرى أنها “تتيح للضابط قتل من يقابله” دون خوف من أية مسؤولية جنائية. ويضيف أيضًا أن المشرع كان في غنى عن هذه المادة، لوجود مواد أخرى في قانون الشرطة تنظم استخدام قوات اﻷمن للقوة، وتحدد حالات الضرورة التي تتطلب استخدام القوة فيها، والدفاع عن النفس في قانون العقوبات.

لكن السؤال الثاني المهم الذي تطرحه صيغة هذا القانون هو: ما “الواجبات” التي سيتم إعفاء قوات اﻷمن من التبعات الجنائية لاستخدام القوة أثناء تأديتها؟

يوضح كريم عنارة، مسؤول ملف العمل الشرطي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن صياغة المادة مبهمة وليست كافية، وأن الواجبات التي ينص عليها القانون ليست واضحة. يتفق خالد علي مع عنارة على أن هذه “الواجبات” ليست مفهومة. ويرى أن قانون اﻹرهاب لم يحدد أي مفهوم واضح للعمل اﻹرهابي، ويضيف أن هذه الصيغ والتعريفات المطاطة في القانون ستسمح لقوات اﻷمن بالاحتماء به من المساءلة وتخلق مساحات واسعة للإفلات من العقاب. يضرب “علي” مثالًا على الحالات التي يمكن أن تنطبق عليها المادة بقضية الضابط “قناص العيون”، والذي يمكن للمادة أن تكون سببًا في براءة الحالات المشابهة له.

لكن عنارة ينقل رأيًا مغايرًا عن بعض القانونيين، والذين يرون أن المادة بصيغتها الحالية تخضع للضوابط العامة المنظمة لاستخدام القوة من قبل الشرطة. ويوضح أن هذا الرأي قد يكون له وجاهته، لكنه يضيف أن أعمال الشرطة خصوصًا في العامين اﻷخيرين كانت محصنّة في معظم الحالات على مستوى الممارسة، وإن تخوف من أن تكون المادة تحصينًا لعمل أفراد الشرطة على مستوى التشريع. يضيف عنارة أيضًا أن الجزء اﻹشكالي من الصياغة المبهمة للمادة قد يتسبب في إيقاف التحقيقات من بدايتها، كما يرى أن القواعد المنظمة لاستخدام القوة من قبل قوات اﻷمن المصرية تخالف المعايير الدولية المنظمة لاستخدام العنف من قبل مسؤولي إنفاذ القانون.

وفي ظل القانون الجديد، المشتمل على هذه المادة، لن يكون واضحًا هل ستستطيع النيابة العامة الفصل في قضايا مثل “تصفية” تسعة من كبار كوادر الإخوان المسلمين داخل إحدى الشقق في يوليو الماضي، وهي الواقعة التي زعمت الداخلية أن أفرادها اضطروا لقتل ضحاياها خلال تبادل إطلاق نار بدأه القتلى، وهي الرواية التي تم التشكيك فيها من قبل أطراف مختلفة، اتفقوا على كون الشرطة قد أنهت حياة القتلى دون مقاومة منهم، وبعد أن ألقت القبض عليهم بالفعل، خاصة أنها أتت قبل مرور شهر على واقعة مشابهة زعمت فيها الشرطة أنها قتلت طالب الهندسة إسلام عطيتو خلال تبادل لإطلاق النار معه، في حين رصدت شهادات مختلفة كونه تم اختطافه من أمام كليته، وتم تصفيته بعد القبض عليه، قبل أن يتكرر الموقف بشكل شبه متطابق خلال الشهر الجاري، حين أعلنت الداخلية عن تصفية خلية إخوانية من أربعة أفراد داخل إحدى المزارع في الفيوم- زعمت مسؤوليتهم عن قتل ابنة وصديق أحد الضباط- بعد تبادل أفراد “الخلية” إطلاق النار معهم، وهو ما شككت فيه روايات مختلفة أيضًا، ادعت أن القتلى الأربعة تم قتلهم بعد القبض عليهم بالفعل.. وربما تمنع المادة الثامنة من قانون مكافحة الإرهاب الجديد وصول النيابة إلى حقيقة ما حدث في كل من تلك الوقائع، وغيرها من الوقائع التي يوجد بها شبهة استعمال قوة غير مبررة من رجال الشرطة تجاه أبرياء أو حتى تجاه متهمين محتملين بالإرهاب.

من جهته يعود “علي” ليشير إلى أنه قد قام برفع دعوى يطعن فيها في دستورية المادة 102 من قانون الشرطة والقرار الوزاري 156 لسنة 1964 بشأن تنظيم استعمال الأسلحة النارية، والذي يسمح لرجل الشرطة باستخدام الرصاص الحي لفض التظاهرات، وهى الدعوى التي رفعها نيابة عن الناشطين مالك مصطفى  وفاطمة عابد، والتي قضت فيها محكمة القضاء اﻹداري بقبول الطعن وإحالة الدعوى للمحكمة الدستورية العليا لوجود شبهة عدم دستورية، ولا تزال في هيئة مفوضي المحكمة الدستورية.

كان مالك مصطفى قد أصيب برصاص مطاطي أطلقته عليه قوات الشرطة يوم 19 نوفمبر 2011، ما تسبب في فقدانه البصر في عينه اليمنى، قبل أن يرفع في أوائل 2012 دعوى يهدف من خلالها إلى إيقاف تنفيذ وإلغاء الإطار التشريعي والقرارات الإدارية التي تمنح السلطات رخصة لقتل المواطنين تحت زعم فض التظاهرات والاعتصامات.

بالنسبة للإسلامبولي؛ فإن المادة الثامنة من قانون مكافحة الإرهاب غير دستورية؛ ﻷنها تتجاوز المهام المنوط بجهاز الشرطة القيام بها، وتهدر الضمانات المطلوبة لعدم التجاوز في استخدام الحق الممنوح لها، لكنه يعود ليضيف أن طبيعة عمل المحكمة الدستورية تتطلب أن يتم تطبيق القانون فعلًا قبل الطعن على دستوريته.

اعلان
 
 
محمد حمامة