Define your generation here. Generation What
قراءة في وضع “الإعلام الرقمي” في قانون تنظيم الصحافة
 
 

بعد ما يقرب من عام كامل من إنشائها، أعلنت اللجنة الوطنية ﻹعداد تشريعات الصحافة واﻹعلام منذ يومين انتهاءها من إعداد مشروعي قانونين لتنظيم العمل الصحفي واﻹعلامي. المشروع اﻷول هو مشروع إلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر، وهو مشروع قانون قصير من أربع مواد يقترح إلغاء أو تعديل عقوبة الحبس في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر والعلانية في قانون العقوبات وقوانين أخرى، وهو المشروع الذي تعتبره اللجنة جاهزًا لتوقيع رئيس الجمهورية مباشرة لاعتماده كقانون، فجاء مذيلًا باسم عبد الفتاح السيسي تحت مكان متاح لتوقيعه. في حين أتى مشروع القانون الثاني “تنظيم الصحافة والإعلام” دون اسم الرئيس ودون مكان لتوقيعه.. ربما في إشارة لتوقع من قاموا بإعداده أن يتم تغيير الكثير فيه.

يرى رامي رؤوف- التقني والباحث في مجال الأمان الرقمي- أن الحكومة ستواجه مشروع القانون، وستخوض جولات مطولة من المفاوضات لإحكام قبضتها على المشهد الصحفي والإعلامي.

يقترح قانون “تنظيم الصحافة والإعلام” بنية تشريعية موحدة لكل وسائل اﻹعلام دون تفرقة بين الصحف وصور البث اﻷخرى، لكن اللافت هو تلك الكلمة التي يتم إلحاقها في كل مرة يتم فيها تفصيل وسائل اﻹعلام: الرقمية.

تخضع وسائل اﻹعلام “الرقمية”، كما يقترح القانون، لسيطرة “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام”، وهو مجلس “يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، وتكون موازنته مستقلة، ويختص المجلس بتنظيم شئون الإعلام المسموع والمرئي وتنظيم الصحافة المطبوعة والرقمية وغيرها”. يعمل المجلس عبر مجموعة من اللجان: التراخيص، والشكاوى، والشؤون القانونية، والشؤون المالية واﻹدارية، والبحث والتطوير، والعلاقات الخارجية، باﻹضافة إلى لجنة “تقويم”- وليس تقييم- المحتوى. لكن تشكيل المجلس المقترح لتنظيم عمل المواقع اﻹلكترونية به مشكلة كبيرة.

يقول أحمد أبو القاسم- سكرتير عام نقابة الصحفيين اﻹلكترونيين المصريين- إن تشكيل المجلس، كما جاء في المادة 136، يخلو من أي ممثلين لنقابة الصحفيين اﻹلكترونيين أو حتى أي خبراء في اﻹعلام اﻹلكتروني. ويضيف أبو القاسم خلال اتصال هاتفي مع «مدى مصر» أن هذا التشكيل غير دستوري؛ ﻷنه ضم ممثلين لنقابة اﻹعلاميين وتجاهل ضم ممثلين لنقابة الصحفيين اﻹلكترونيين رغم تطابق وضعهما.

قبل مشروع القانون الأخير، لم تكن تحتاج كي تنشئ موقعًا إلكترونيًا، إلا إلى حجز مساحة على أحد الخوادم، وشراء اسم نطاق الموقع، وربما نسخة مجانية من أحد أنظمة إدارة المحتوى CMS لتحميلها في عملية قد لا تستغرق سوى دقائق ليصبح لديك منصة للنشر على فضاء اﻹنترنت. لكن مشروع القانون يحدد إجراءات جديدة ستحتاجها.

حسبما تحدد المادتين 63 و64، لا بد لك من الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عبر طلب كتابي، يبت المجلس فيه خلال مدة لا تتجاوز تسعين يومًا، وفي حالة رفض الترخيص، يمكنك اللجوء لمحكمة القضاء اﻹداري.

وهناك مجموعة من اﻹجراءات والشروط التي تحتاج لاستيفائها كي تصبح مؤهلًا للحصول على ترخيص المجلس اﻷعلى لتنظيم اﻹعلام، كي تتمكن من إنشاء موقع إلكتروني يقوم بـ “بث” محتوى باعتبارك “منشأة إعلامية”، أبرز هذه الإجراءات هو إنشاء شركة مساهمة، لا يقل رأس مالها عن نصف مليون جنيه، يودع نصفها في أحد البنوك المصرية قبل بدء “البث”، كما جاء في المادة 75.

يعلّق أبو القاسم قائلًا: إنه أثناء المناقشات التي جرت في اجتماعات اللجنة الوطنية ﻹعداد تشريعات الصحافة واﻹعلام، تقدمت نقابة الصحفيين اﻹلكترونيين، عبر ممثلها الكاتب الصحفي صلاح عبد الصبور، باقتراح يجعل الحد اﻷقصى لرأس المال المطلوب 250 ألف جنيه، وهو ما يراه مبلغًا كبيرًا أيضًا، لكنه على كل حال يقول إن اقتراحهم تم رفضه.

من جانبه، يرى الكاتب الصحفي صلاح عيسى- الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة- أن الحد اﻷدنى من رأس المال المطلوب معقول لضمان الجدية، وللحفاظ على مصالح العاملين وضمان سداد اﻷجور بشكل منتظم.

في حين يرى الباحث والمحامي الحقوقي، أحمد عزت، أن اشتراط وجود حد أدنى من رأس المال يجعل صناعة اﻹعلام في يد رجال اﻷعمال القادرين على توفير اﻷموال، والذين تمنعهم مصالحهم الكبيرة من الدخول في مواجهات مع الدولة. يضيف عزت أن اشتراط امتلاك رأس المال يقوض بشكل كامل حرية اﻹعلام، ويسبب في التضييق على مساحات المبادرات الصحفية الصغيرة، خصوصًا بعد أن أصبح اﻹعلام لاعبًا أساسيًا في الصراعات السياسية الدائرة.

من ضمن الشروط التي يضعها مشروع القانون أيضًا أن تعين كل “مؤسسة” مسؤولًا عن البث، يشترط فيه أن يكون مصريًا وله خبرة لا تقل عن عشر سنوات، وأن يكون متفرغًا لعمله، وأن يتمتع باﻷهلية القانونية.

وفي حالة استيفائك الشروط والإجراءات السابقة، وموافقة اللجنة على منحك التراخيص، وقيامك ببدء البث فعلًا، ستحتاج- بحسب المادة 73- إلى موافقة جديد مختلفة من المجلس في حالة إذا كنت تنتوي أن يصل هذا “البث” إلى الهواتف الذكية، ويعلّق رؤوف على هذا الشرط بأنه إفراط في طلب التصريحات يهدف إلى وضع مزيد من القيود على العمل الصحفي وإنتاج المحتوى اﻹلكتروني.

وينص مشروع القانون أيضًا على معاقبة من يقوم بـ”البث الرقمي” دون ترخيص بـ “غرامة لا تقل عن ربع مليون جنيه ولا تزيد على نصف مليون جنيه”- بحسب المادة 156.

وبالنظر للطريقة التي تمت بها مناقشة وإصدار مسودة القانون، من عطف وسائل اﻹعلام الرقمية على وسائل اﻹعلام اﻷخرى وإقرار القواعد نفسها عليها دون مراعاة لاختلاف طبيعة الوسيط المستخدم، يلاحظ أبو القاسم أن هناك حالة من التعنت ضد الصحافة اﻹلكترونية على وجه الخصوص. وحين سألناه عما يعنيه بالصحافة اﻹلكترونية، وما إذا كانت المدونات ومنصات النشر اﻷخرى من شبكات التواصل الاجتماعي تخضع لتوصيفات القانون أم لا، قال إن نقابة الصحفيين اﻹلكترونيين طلبت مرات عدة أن يتم اعتماد تعريفات واضحة ومحددة لمفهوم “وسائل اﻹعلام اﻹلكترونية”، مضيفًا أن نقابتهم قدمت بالفعل مجموعة من التعريفات الواضحة لكن اللجنة تجاهلتها. ويضيف أيضًا أنه على الرغم من أن الدستور فصل بين وسائل اﻹعلام المختلفة اصطلاحًا ووسيطًا وترخيصًا؛ فإن مسؤولية وسائل اﻹعلام اﻹلكترونية في مقترح القانون المقدم “هلامية”.

بالنسبة لعيسى، فإن هناك فرقًا بين اﻹعلام المهني، ووسائل اﻹعلام الاجتماعي من مدونات وشبكات تواصل اجتماعي وغيرها، ويضيف أن القانون يختص فقط بوسائل اﻹعلام المهني. وعلى الرغم من غياب أي تعريفات محددة في مشروع القانون المقدم لتوضيح الفارق بين المهني والاجتماعي؛ فإن صلاح عيسى يرى أن التعريفات المتضمنة في نص القانون كافية تمامًا.

بالنسبة لرؤوف، فإن هذا القانون يجعل المناخ مقيدًا تمامًا ﻷية مبادرات صحفية جديدة ترغب في العمل خارج المساحة المتعارف عليها في علاقات وسائل اﻹعلام التقليدية بالسلطة.

يذكر أن العديد من القوانين التي جرى مناقشتها أو إصدارها هذه اﻷيام تحاول بمختلف الطرق السيطرة على وسائل النشر الرقمية، فبعد حالة من الجدل التي طالت قانون اﻹرهاب وبعض مواده، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ أيام القانون بمادته المثيرة للجدل؛ حيث “يعاقب بغرامة ﻻ تقل عن 200 ألف جنيه وﻻ تتجاوز 500 ألف جنيه كل من تعمد، بأية وسيلة كانت، نشر أو إذاعة أو عرض أو ترويج أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أعمال إرهابية وقعت داخل البلاد، أو عن العمليات المرتبطة بمكافحتها بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع”. باﻹضافة إلى هذا، تناقش الحكومة قانونًا لحرية تداول المعلومات يجرم- حسبما صدر من تسريبات– نشر ما تعتبرها الحكومة أخبارًا “كاذبة” على مواقع التواصل الاجتماعي بالمخالفة للبيانات الرسمية.

يرى عزت أن الهدف من حزمة القوانين هذه هو “شرعنة” القيود الموجودة على العمل الصحفي. ويضيف أيضًا أن القيود التي تحاول الدولة فرضها على الفضاء الرقمي تنبع من عدم قدرتها على فرض سيطرتها على اﻹنترنت، لهذا فإن كل ما تمتلكه الدولة في تعاملها مع هذا الفضاء المتنامي هو استهداف اﻷفراد.

كانت الشرطة المصرية قد قامت بإلقاء القبض على أبو بكر خلاف، أمين عام نقابة اﻹعلام اﻹلكتروني، وسبق ذلك اقتحام الأمن مقر شبكة “يقين” اﻹخبارية، وإلقاء القبض على مديرها يحيى خلف الله بعد اتهامه بـ “نشر أخبار كاذبة والترويج لشائعات غير صحيحة في الداخل والخارج لزعزعة الاستقرار والتحريض ضد النظام القائم”. بالنسبة لعزت؛ فإن الدولة تنتقل اﻵن من فرض قيود على اﻷفراد إلى فرض قيود على المؤسسات.

يتفق رؤوف مع عزت في أن هناك الكثير من التشابه في نظرة السلطة لفضاء اﻹنترنت، واعتباره مساحة يمكن السيطرة عليها كما كان يحدث مع أدوات النشر التقليدية اﻷخرى. لكن الواقع- حسبما يضيف رؤوف- وما تثبته التجارب اليومية، أن هذا الفضاء أكثر رحابة من أن يتمكن أي طرف من السيطرة عليه، خصوصًا مع التحول غير المسبوق في استخدام والاعتماد على اﻹنترنت والهواتف الذكية الذي يزيد كل يوم.

اعلان
 
 
محمد حمامة