Define your generation here. Generation What

“يارا”.. القصيدة تواجه المعتقل

للشعر بطولة روحية لا تُنكر.. فهو الذي يكتب تاريخها أكثر مما يسجل حدثا أو واقعة أو مشاجرة أو حربا.. ولكونه يتعامل كنصٍّ مُرشحٍ للخلود، فهو بطبيعته يتجاوز اللحظة الراهنة، لكنه لا يغفل وجودها ولا ينسحب منها تماما.. وقد تكون تلك اللحظة صراعا سياسيا أو جريمة مجتمعية أو تهجيرا لشعب.. وقد يكون مقتل زرافة نتيجة الإهمال إلهاما لشاعر يحوله إلى حدث هام ومحوري في كتاب الشقاء.

غلاف الديوان

غلاف الديوان

يارا.. تلك البنت/ الحدث الظاهري لديوان شعر، يحمل مجازًا اسمها، لا يعنينا مَن هي في واقع لا يعترف بأحد ولا بحدث.. لا يعنينا ما ملامحُها وما علاقتُها بالتاريخ، حديثه وقديمه، فهي مجرد حدث تنطلق منه القصيدة إلى محطاتها العليا.. لذا يبدو لي “يارا”، الديوان، قصيدةً متنصلة من مسمّاها مثلما هي متنصّلة من الواقع الخراب.. حُذف منها ما حُذف، وتُرك فيها ما آثر الشاعر، محمد رياض، بقاءه مع سبق الإصرار والتخطيط، وكأنه يعد منشورا دفاعيا هادئا لا يخلو من رومانتيكية عن حدث ما أو مجموعة أحداث تشكل مشهدا مؤلما، تشكل مأساة من وجهة نظره.

وبما أن “كلهم يقبضون سيوفا ومتعلمون الحرب”، بحسب تصدير الديوان، فلتكن روحنا محاربة إذن.. لكن أي حرب؟

“حبيبي نجم بعيد ومخالبي عالقة في الصخور”..

تطل علينا فكرة المقاومة، التي لا تقف كمسيح يعطي لك خديه لتزيد لطماتك، لكنها مقاومة القوي غير المتسامح في حقه في الوصول، فهناك يقين يحرك من يقف وراء النص يقول له “أنت قوي” وتقاوم مقاومة الأقوياء الذين يملكون سلاحا فاعلا، هذا السلاح ليس مسدسا ولا قنبلة غاز، لكنه الشعر، ذلك الكائن المتجاوز لما يرى من دمٍ.. لكن فعل المقاومة لا يخلو من يأس ومفردات للهزيمة، وكأن النص الشعري في مستهله يعطي صورة قاتمة للبطل اليائس الذي تعب من حمل الصخرة، وآثر الآن أن يرصد تعبه ومقاومته وينقلهما إلى الآخرين.. ويمكنني أن أحيل النص بأكمله إلى ما يسمى نقديا “شعر الشعر”، أي ذلك الشعر المتحدث عن قيمة الشعر أو دوره في حياتنا..

“أيّها الشعر! كيف لم تجعلني سعيدا؟”

لم يعد كاتب النص يؤمن في سعادة تأتيه عن طريق سوى الشعر.. ويعجب كيف لوسيلته الأخيرة في النجاة أن تخفق هي الأخرى في تحقيق المُراد بهذا الشكل.. وكأنه يحرضها بأن الخزي لا يليق بها.

تستحوذ يارا على مصادر القلق.. تتوحد، كقارئ، مع بطلها المهزوم.. وشغفه بها، وأنت كقارئ لا تقع في حبها، لأنك لا تعرفها تحديدا، لكنك تحب كل “يارا” محتملة محبوسة بلا تهمة منطقية، وتودّ لو تفعل من أجلها شيئا، كالقصيدة.. وبهذا ينجح النص في دفعك خطوة في جهة أبعد من التعاطف، إنها جهة التساؤل: ماذا علينا أن نفعل كمجموع؟.. بمنطق مَن أقعده مرضٌ يراه مؤقتا.. أو مَن أفلس فجأة وعليه أنيبحث عن مصادر تكفيه حياةً.. “لا أستطيع أن أحرّك عاصفة”.. يقول الديوان.. لكن الذي لم يقله نصًّا: ماذا عليَّ أن أفعل حيال ذلك؟.. (التساؤل مقاومة).

واستمرارا لمسلسل التوريط والتحريض الخفي، كاستخباراتيٍّ مدرب، يرمي لك الشاعر بأنه لم يعد مطلوبا في هذا العالم حين يقول: “العالم لا يحتاجني”.. إنه يعني ضمنيا أن العالم لا يحتاجنا جميعا، وعلينا أن نجعله (يحتاج).. فهذا التوريط بالسلب يحمل المجموع إلى القول: بما أننا “لن نهزم العالم” فعلى الأقل نقاومه.

لا يمكن في “يارا” أن نتعامل مع المفردات على معنى واحد خارجي، فكلمة “العالم” مثلا لا يمكن أن تعني دول العالم التي تكوّن الأرض المسكونة بالبشر، فربما تتجاوز الجغرافيا إلى معنى أبعد، وهو الأقدار، لن نهزم الأقدار، وهذا لا يعني ألا نقاوم.. “حبيبي طاقة من نفاد الصبر”.. وإن وصلنا لنهاية الأشياء فنحن بالتبعية، فلسفيا، نبدأ دورتها من جديد، وكأننا في مذهب أغنية ينتهي ليبدأ كوبليه أول ثم نعود إلى المذهب فور انتهاء الكوبليه، لتستمر الدائرة، فحتى مع نفاد صبر المقاوِم هو تفكير حتمي خفي ببدء مقاومة جديدة.

إن مشهد اعتقال امرأة أو رجل، سيان، ليس هو الأزمة، لكن الورطة الحضارية، التي تنعكس على روح المجموع، هي الفخ الأكبر المستحِق للمقاومة، فاعتياد المناظر السوداوية يحوّل الحياة إلى كابوس “مفضّل” لدى البشر، فكل ما هو مطلوب إذن ألا تعتاد البشرية أن تركن إلى الكوابيس وتوافق عليها، خاصة بعد أن قطع بنوها منذ آلاف السنين مشاوير طويلة باتجاه الحلم والنور.

هذا ما تحمله خلايا الديوان، أو هكذا أرجوه وأستقبله، فالزنزانة التي ضمت فتاة تدافع عن حرية الآخرين يعرضها النص على أنها “أوسع من حيواتنا”، وبناء على مبدأ التحريض: كيف ترضون يا أحرار ظاهريا، بهذه الحياة ضئيلة المساحة والغنية بموارد الخوف؟

“وسط كل الساحرات في مدينتا.. أنتِ الوحيدة التي تعرّينا.. الوحيدة التي تجدّف عكس اتجاه الخزْي.. ضد وجودنا المؤجّل للنهاية.. ضد أحلامنا وهي تحيا على المواء والفتات..”

“ثورتي هي ثورة الشعراء.. بعيدا عن تلوث الجميع… عن نقائنا المدنس من أجل الرغيف والتصاريح… عن أوراقنا الهشة في حدائق السجون… عن قصائدنا المتواطئة والمتهمة والمحرَّمة… عن الاعتقال في صورة السبْي… عن الجوع والانتحار فوق أعمدة الإنارة… عن القتل في مدرجات الكرة والجامعات… عن الدخان في عربات التراحيل..”

لكن هل الشاعر المُنشد يأسه يجب أن يكون بطلا إلى هذا الحدِّ؟

ليس بطلا مثل قصيدته، لكنه يحاول أن يتنصّل، بما يملك من شعر/ سلاح، من الجرائم التي يرتكبها غيره، من المواطنين ومن الشعراء على حدٍّ سواء، لم يقل إنه الثائر وسواه ادّعاء، بل قال إن ثورته ثورة شعراء حالمين بالتغيير والمقاومة أو بالمقاومة والتغيير أو بالتغيير بالمقاومة، وإن هشَّت عظامُها.. ليس بطلا لكنه محرّض رومانتيكي لأولئك الموتى/ الشعب، ويحاول ممارسة الثورة عن بُعد.. بعيدا عن الحشد السياسي وصراخ الميادين، الذي لم يعد يحرك ساكنا، لأن الصراخ أحيانا بقصيدة زاعقة قد يبدو توطؤًا بشكل أو بآخر مع سُلطة السجّان، الذي يبحث عن مبرر ليقنّن سجن آخرين بتهمة تعكير السلم العام.

ـــــــ

*محمد رياض شاعر فصحى.. عمل بالصحافة في صحف مصرية عديدة، صدر له ديوان أول “الخروج في النهار”، وحصلت قصيدته “يارا”، من الديوان الثاني له والذي يحمل الاسم نفسه، على جائزة غسان كنفاني للكتابة الإبداعية لعام 2015.

اعلان